فوز ممداني وإعادة الاعتبار للقيم الكونية
في زمنٍ تشهد فيه القيم الإنسانية تراجعًا أمام الخطابات الشعبوية التي تغذّي العنصرية وتبرّر الانتهاكات ضدّ الشعوب الضعيفة والمهمّشة والأقليات العرقية والدينية حول العالم، تبدو العدالة والمساواة والحرية مثل مفاهيم على الورق أكثر منها واقعًا ملموسًا.
وأمام مشهد الإبادة الجماعية الذي استمرّ مدّة عامين في قطاع غزّة، وانحازت فيه العديد من الدول الكبرى إلى إسرائيل، أصبح كثيرون يتساءلون: أين ذهبت القيم الكونية؟ هل ما زالت موجودة، أم أنها مجرّد شعارات تُتداول في السباقات الانتخابية، وعلى المنصّات؟
في هذا السياق، يبرز فوز المرشّح الاشتراكي الديمقراطي زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك بوصفه حدثًا يتجاوز حدود الانتخابات المحلية الأميركية، ليغدو رمزًا حيًّا لقدرة القيم الأخلاقية على الصمود والتجدّد، حتى في مواجهة التحريض المباشر من دونالد ترامب واللوبيات الصهيونية الأميركية، بما في ذلك جماعات الضغط والمُؤثرين الذين يعملون لصالح البروباغندا الإسرائيلية، إضافة إلى منظومة سياسية وإعلامية ضخمة تسعى لفرض خطاب شعبوي يغذّي العنصرية.
معايير القيم الكونية بعد الحرب على غزّة
كشفت حرب الإبادة التي استمرّت مدّة عامين على قطاع غزّة عن هشاشة الالتزام بالقيم الإنسانية على المستوى الدولي، فالمواقف الغربية، وخصوصًا الأميركية والأوروبية، تجاه جرائم الاحتلال الإسرائيلي أظهرت تناقضًا صارخًا بين الخطاب الرسمي وما تمارسه هذه الدول عمليًا، فاستمرار هذه الدول في تبني خطاب "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وتبلّد مشاعر المسؤولين الأميركيين والأوروبيين تجاه الضحايا الفلسطينيين، دفعا بالعديد من الشباب في أميركا وأوروبا والعديد من الدول الأخرى، المصدومين من أهوال الحرب، إلى التشكيك في القيم الكونية، حيثُ أخذوا يتساءلون عن مصير العدالة والمساواة والحرية التي تتغنّى بها دولهم.
كشفت حرب الإبادة التي استمرّت لمدّة عامين على قطاع غزّة عن هشاشة الالتزام بالقيم الإنسانية على المستوى الدولي
في ورقته البحثية بعنوان: "قضايا أخلاقية في أزمنة صعبة"، يؤكّد المفكّر عزمي بشارة أنّ هذه القيم لم تختفِ، بل بقيت أدوات أساسية للنضال ضدّ الظلم. فالمناهضون للاستعمار والاستبداد حول العالم لا يزالون يعتمدون على مفاهيم العدالة والحرية والمساواة لتبرير مواقفهم الأخلاقية والسياسية، بعيدًا عن الانتماءات الوطنية أو القومية أو الدينية الضيّقة.
ويحسب بشارة، فإنّه رغم ما شهدته الساحة الدولية الأميركية والغربية من ازدواجية المعايير في التعاطي مع حرب الإبادة على غزّة، فإنّ هناك فئة من الشباب، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا، ممن أظهروا تمسّكهم بالقيم الكونية. فهؤلاء الشباب، من منطلق شعورهم بالإنسانية المُشتركة، لم يسمحوا للخطابات الشعبوية والسياسات المُتحيّزة أن تُغيّر إدراكهم للعدالة، وسواء أكانوا أميركيين أو يهودًا أو من خلفيات أخرى، فقد عبّروا عن موقفهم ضدّ الانتهاكات الإسرائيلية في غزّة متجاوزين الانتماءات القومية والدينية، ومستندين إلى القيم الأخلاقية العالمية نفسها التي تتحدّث عنها المواثيق الدولية وحقوق الإنسان.
الصوت الأخلاقي والالتزام بالقيم العالمية يمكن أن يجدا صدى حتى داخل أعتى المؤسسات وأكثرها تعقيدًا
هؤلاء الأفراد (بحسب بشارة) لم يكتفوا بالتعاطف مع الفلسطينيين، بل اتخذوا مواقف عملية عبر التظاهر، والضغط السياسي، والمُناصرة داخل مؤسساتهم، مستفيدين من حرية التعبير وحقّ الاحتجاج، وهذا التمسّك بالقيم الإنسانية جاء ليعكس قدرتهم على المُوازنة بين الهُويّة والانتماء، وبين الأخلاق الكونية والولاءات المحلية.
رمزية فوز ممداني بالنسبة للقيم الكونية
يحمل فوز زهران ممداني في نيويورك رمزية كبيرة تتجاوز حدود الانتخابات المحلية في أميركا، فالشاب الذي يبلغ الثالثة والثلاثين من عمره يمثّل صوت جيل عالمي جديد يرى في فلسطين مرآة للعدالة ومعيارًا للضمير الإنساني؛ وهذا الجيل يثبت أنّ السياسة يمكن أن تُمارس بلغة القيم الكونية، وليس فقط بلغة المصالح.
فصوته الداعم لفلسطين، والمُناهض لسياسات الولايات المتحدة الأميركية في الانحياز لإسرائيل ودعمها، ليس مجرّد موقف سياسي، بل امتداد لأصوات الشباب الذين رفضوا السكوت على المجازر في غزّة، ممن تحدّوا الإعلام والتحريض السياسي، ومن أصرّوا على أنّ العدالة والحرية هما معياران متجاوزان الانتماءات الضيّقة.
فوز ممداني يأتي دليلاً على تأثير جيل كامل قادر على إعادة صياغة السياسة وفق المبادئ الإنسانية، وهو يذكّر بأنّ مفاهيم مثل العدالة والحرية والمساواة لم تمت، ويثبت عمليًا أن ّالصوت الأخلاقي والالتزام بالقيم العالمية يمكن أن يجدا صدى حتى داخل أعتى المؤسسات وأكثرها تعقيدًا.