فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (15)

فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (15)

24 أكتوبر 2021
+ الخط -

مع الأسف، لم يتم نقل سعيد صالح إلى مستشفى قصر العيني لكي يقضي مدة العقوبة فيه طبقاً للنداء الإنساني الذي وجهه محمود السعدني إلى مسئولي الداخلية، لكنهم في الوقت نفسه استجابوا لمناشدات العديد من الكتاب والفنانين بتحسين ظروف حبس سعيد صالح وعدم مضايقته داخل السجن، وهو ما جعل سعيد صالح يهدأ قليلاً ويتعامل مع الأمر الواقع، لكنه لم يكن يتوقع أن "الحبسة الجديدة" ستكون أهم حدث في حياته طبقاً لتعبيره، بعد أن تعرف فيها على رجل "صالح" ساهم في تغيير حياته هو العم يوسف.

يحكي سعيد صالح عن هذا الرجل في حوار له مع صديقه الصحفي والمذيع محمد بركات في برنامج (مواجهات) قائلاً: "كان راجل بتاع كبدة، لما دخلت السجن، لقيت حد بعد يومين بيقولي عم يوسف عايزك وبيسأل عليك، رحت له لقيت أودته (غرفته) مفتوحة لكل الناس، عايز تاكل تتعالج تاخد دوا يتعمل لك مساج، كل ده هتلاقيه عند عم يوسف، كان جاي في قضية مخدرات، مخزن مخدرات ميري، بتتحط فيه مضبوطات المخدرات، فقالوا بدل ما المخدرات دي تتحرق احنا نسرقها، كل يوم ياخدوا شوية ويحطوا مكان اللي ياخدوه عجوة، وكان عم يوسف المدني الوحيد اللي اتقبض عليه في القضية، وخد مؤبد. كل يوم كان بيلف بيا جوه السجن واحنا بنمشي ونعمل رياضة، ما يكلمنيش في الدين ولا حاجة، الكل بيناديه الشيخ يوسف، بس لما تعرفه هتحس إنه سيدنا يوسف، قال لي: عايز ربنا يكلمك يا سعيد؟ قلت له: آه، قال لي: اقرا قرآن. سألني: عايز تكلم ربنا؟ قلت له: آه. قال لي: صلي، وكلما تقرا قرآن وتصلي هيزداد كلامك مع ربنا، كنت قبل كده باصلي بس نسيت الصلاة، بدأت كل يوم أحفظ سورة وأسمّعها لعم يوسف، وبعد كده ابتديت أصلي، وقريت مش بس القرآن، قريت العهد القديم والعهد الجديد وقصص الأنبياء وبقيت مسلم عن اقتناع وما بطلتش تعليم وفهم لديني، وتعلمت من عم يوسف إني أهتم بعنبر كان اسمه عنبر الضعفاء، كان فيه بتاع سبعين واحد ما حدش بيزورهم ولا بيجيب لهم حاجة، فكنا بنلف على الميسورين في السجن وناخد منهم حاجات نوزعها على اللي في عنبر الضعفاء، وبقى صحابي ومراتي ييجوا يزوروني جوه السجن أقولهم امشوا عشان أنا مشغول جدا، وبسبب اللي حصل لي ده جوه السجن، بقيت أقول يارب يكون ليا نصيب من اسمي".

حين خرج سعيد صالح من السجن بعد قضاء مدة عقوبته، أصر عادل إمام على أن يكون أول مكان يتوجه إليه سعيد بعد انتهائه من إجراءات الخروج من سجن الحضرة هو موقع تصوير فيلم (بخيت وعديلة ـ الجردل والكنكة) الذي كان عادل قد حجز فيه دوراً لسعيد صالح لكي يعود إلى لعب دور صديق البطل، ومع أن الدور كان أصغر وأقل تأثيراً من أدوار سعيد السابقة في أفلام صديق عمره، إلا أن عادل أصر على أن يتقاضى سعيد أجره كاملاً، ليس فقط إعلاناً لتضامنه معه ولكن لتأكيد عودة سعيد إلى الوسط الفني في أسرع وقت ممكن، وهو ما تجاوب معه المنتج المسرحي سمير خفاجي حين أعلن عن عودة سعيد صالح إلى فرقة الفنانين المتحدين ليلعب بطولة مسرحية (كرنب زبادي) مع أحمد بدير ودلال عبد العزيز من تأليف أحمد عوض وإخراج عصام السيد.

كان يُفترض أن يساعد المشروعان ـ وما تلاهما من مشروعات تم الإعلان عنها ـ سعيد صالح على تفادي أسئلة الصحفيين ومذيعي التلفزيون عن السجن والمخدرات، إلا أن ذلك لم يحدث، ومع الأسف لم يستطع سعيد اتخاذ قرار نصحه به كثيرون بأن يبتعد عن الإعلام ويتفرغ للعمل في صمت، ووجد فيه الصحفيون ومذيعو البرامج مادة خصبة للحديث عن تجربته مع المخدرات والسجن، لكنه كان يحاول تحويل الكلام للحديث عن تجربته في المسرح السياسي وتلحين أشعار كبار المطربين الذين تتجاهلهم المؤسسة الغنائية الرسمية، وبدأ سعيد يتحدث في هذه الحوارات بشكل مفرط عن إمكانية وجود دوافع سياسية وراء سجنه ويردد كلاماً من نوعية "لساني كان قصيراً إلى حد ما قبل السجن ولكنه الآن طال وسيطول أكثر مع كل مرة يتهمونني فيها ويسجنوني"، كما كان يحرص على الإشادة بتجربة السجن التي غيرته بالكامل وجعلته أقرب إلى الله والتأكيد على أنه كان سيشعر بالندم لو لم يتم سجنه لكي يتحول إلى إنسان جديد، وأنه لو لم يدخل السجن كان سيبحث عن جريمة سيدخل بها السجن، وما إلى ذلك من العبارات التي ظل سعيد صالح يرددها حتى آخر يوم من عمره.

كان من الملاحظ في كل الحوارات التي قام بها سعيد بعد خروجه من السجن أن لسانه صار أثقل وحركته على المسرح صارت أبطأ بعض الشيء، مما جعل الكثيرين يسألونه عن حالته الصحية فيؤكد لهم أنه في أحسن حال، وكان وقتها قد عاد ثانية للعمل مع مكتشفه نور الدمرداش في مسلسل بعنوان (السقوط في بئر سبع) عن سيناريو كتبه سامي غنيم لرواية (إبراهيم وانشراح) للكاتب عبد الرحمن فهمي والمأخوذة عن قصة حقيقية لزوج وزوجة تم اتهامهما بالتجسس لصالح إسرائيل، ومع أن سعيد قال إنه اضطر لتصوير المسلسل لكي يفي بالتزاماته المادية، مع أنه كان ينوي أخذ إجازة من التمثيل ليذهب للحج، إلا أن أداءه المتميز في المسلسل أثبت أنه لا يزال في جعبته الكثير لو أحسن اختيار أدواره واكتفى بدوره كممثل بعيداً عن التأليف والتلحين، لكنه لم يوفق في اختيار الأدوار السينمائية التي عرضت عليه، ولم يستعد لياقته على المسرح، مما تسبب في التعجيل بإغلاق مسرحية (كرنب زبادي) التي بدا أن الكيمياء مفقودة بين بطليها سعيد وأحمد بدير، وبعد إغلاقها ذهب سعيد صالح لكي يؤدي فريضة الحج لأول مرة في عام 1997، ويجد في تلك التجربة راحة نفسية لم يكن يتصورها، لدرجة أنه ذهب بعدها للحج 14 مرة كان آخرها في عام 2010 ويتعود كل عام على قضاء شهر رمضان بأكمله ما بين مكة والمدينة، ويدخل الطور الأخير في حياته الذي كان فيه أهدأ وأكثر استقراراً من الناحية النفسية، وأقل توهجاً من الناحية الفنية خصوصاً بعد رحيل شريكه المسرحي محمد شرشر الذي كان يعمل معه على مسرحية بعنوان (ألف باء)، وتدهور أحوال المسرح الخاص بشكل باعد بينه وبين حلمه الأثير بالوقوف على خشبة المسرح.

كنت قد عرفت سعيد صالح بشكل شخصي في الفترة التي أعقبت خروجه من الحبسة الثانية، والتي كان يصفها بعض أصدقائه بـ "مرحلة الدروشة"، وكان يصفها بـ "مرحلة الهداية"، وما أدركته من خلال جلساتي معه أن تدينه وتصوفه لم يؤثرا على روح المشاغبة والشقاوة التي ظلت تتملكه، فبرغم إعلانه المستمر عن سعادته بـ "التزامه الديني" والمواظبة على الصلاة وقراءة القرآن، إلا أنه لم يطلق تصريحاً واحداً يندم فيه على مشواره الفني، بل ظل يفتخر حتى بأفلام المقاولات التي شارك فيها ويواصل التذكير بأنه قام بها لكي ينفق منها على فرقته المسرحية والمسرح السياسي كما تصوره، أو كما يقول في أكثر من حوار له بعد خروجه من السجن: "الحاجة إلى الفلوس هي التي دفعتني لكي أشترك في تقديم أفلام المقاولات، في أحلامي شكل خاص وفريد للمسرح ولم أكن سأتنازل عن هذه المواصفات وكانت الوسيلة أن ألجأ إلى السينما لأنني لن أمد يدي للغير ولن أقترض من بنك ولن أفتح كباريه".

نكمل غداً بإذن الله..