فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (14)

فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (14)

21 أكتوبر 2021
+ الخط -

في 19 يونيو 1995 قام ضباط مكافحة المخدرات بالقبض على سعيد صالح وسبعة من أصدقائه خلال تواجدهم في إحدى الشقق المفروشة بالإسكندرية، وتم اتهامهم بإحراز وتعاطي المخدرات، وعادت أغلب الصحف والمجلات لممارسة هوايتها المفضلة بإهدار حقوق سعيد صالح، ليس فقط بالتعامل معه كمتهم منذ أول لحظة، بل وبالإشارة إلى الشقة التي تم القبض عليه فيها بوصفها "الوكر الجديد للفنان"، مع أن القضاء كان قد برّأه في القضية السابقة بشكل قاطع، وكشف عن تلفيق تهمة القبض عليه مما سمته الصحافة نقلاً عن المباحث بـ "وكر النسر"، واتضح أن القبض على سعيد صالح جاء بعد القبض على مدير أعماله حمدي حنفي الذي كان يحمل قطعة حشيش اعترف أنها تخص سعيد صالح الذي كلفه بشرائها، لتتم مداهمة الشقة الموجودة في الدور الثاني عشر بعمارة تقع في مساكن مصطفى كامل بسيدي جابر، ويُلقى القبض على سعيد صالح وآخرين من بينهم المنتج مجدي الإبياري منتج مسرحيته المنتظرة (تيجي تلعبها)، وصديقه محمد سعيد عبد العزيز الشهير بسعيد طرابيك.

لم يكن غريباً على سعيد صالح أن يرفض بيع سائقه وتلبيسه القضية، بل أقر أمام النيابة بأنه قام بتكليفه بشراء الحشيش، وقال في تصريحاته للصحف: "دي حرية شخصية، وجلسة انبساط، أنا قلت نتدارى في قعدتنا بدل الأماكن العامة، احنا لا بنهرّب ولا بنبيع"، وهو ما شجع الصحف والمجلات على التوسع في الهجوم عليه إرضاءً لقرائها الشغوفين بالفضائح، وكانت المفارقة أن القاضي الذي وقف أمامه سعيد صالح في القضية كان المستشار عزت أبو الخير، الذي وقف سعيد صالح أمامه من قبل في إحدى درجات تقاضيه في قضية الخروج على النص، وبعد جلسة استمرت أكثر من عشر ساعات، صدر الحكم بحبس سعيد صالح سنة مع الشغل والنفاذ وتغريمه عشرة آلاف جنيه، كما تم حبس اثنين من شركائه في القضية هما حمدي حنفي وهشام محمد، وتمت تبرئة سعيد طرابيك وشعبان جعفر وسراج الدين محمود المحامي، أما مجدي الإبياري فلم يتم ضمه إلى القضية، وكالعادة لم تتوسع الصحف في نشر خبر براءة سعيد طرابيك ومجدي الإبياري، مثلما توسعت في اتهامهم من قبل، لتبدأ رحلة جديدة وأخيرة لسعيد صالح مع السجن، لم يعد بعدها كما كان أبداً.

لم يجد سعيد صالح من يدافع عنه هذه المرة في الصحف والمجلات مثلما حدث معه في قضية الخروج على النص، باستثناء مقال وحيد كتبه محمود السعدني في بابه الأسبوعي (على باب الله) الذي كان يُنشر في الصفحة الأخيرة من مجلة (المصور) والذي حمل عنوان (مرسي الزناتي سجنوه يا رجالة)، والذي حاول أن يجمع فيه بين التعاطف مع سعيد صالح والرثاء لحاله، قائلاً:

اكتشفت أيضاً وجود عدة ألوف من المدخنين، وبالرغم من ذلك لا التجارة انقطعت ولا المدخنون أقلعوا، واضطر عبد الناصر في النهاية إلى التراجع

"يا ميت ندامة.. الواد مرسي الزناتي سجنوه يا جدعان. هكذا أذاعت إذاعة لندن وإذاعة مونت كارلو، ولأن آخر عهدي بالسجون مضى عليه ربع قرن بالتمام والكمال، فقد سألت العالمين ببواطن الأمور عن السبب في سجن الواد مرسي الزناتي الشهير بسعيد صالح، ولطمت على خدي ببرطوشة قديمة عندما اكتشفت أن السبب الذي سجنوا سعيد صالح من أجله، لم يكن ضمن الأسباب التي خطرت على بال العبد لله، فقد تصورت أنهم سجنوا سعيد صالح لأنه اقترض عدة ملايين من الجنيهات بدون ضمانات حقيقية، تصورت أنهم سجنوه لأنه أقام برجا سكنيا بأسمنت مغشوش وتراب معجون بمياه ملوثة، وأسياخ حديد من إنتاج شركة بسكويت، وأن العمارة سقطت على رؤوس سكانها، فمات تحتها عشرات من النساء والاطفال والشيوخ، تصورت أنه حل محل زميله الحاج أحمد الريان فأسس شركة توظيف أموال وهبر من المواطنين عدة ملايين من الجنيهات و... اتفضل شاي، لا متشكر!

تصورت أن الواد مرسي الزناتي جاسوس حويط كجن العطف المتبلد، وأنه نقل أسرارنا إلى العدو، وعرّض الوطن والمواطنين للخطر، تصورت أنه استغل منصبه كمدير عام لمؤسسة التمثيل المسخرة، وهبر من ميزانية المؤسسة عدة آلاف أو عدة ملايين، تصورت كل شيء وأي شيئ إلا السبب الذي دخل سعيد صالح من أجله السجن، قالوا لي إنه دخل السجن لأنه كان يدخن الحشيش، يدخن ولا يتاجر! وتدخين الحشيش وإحرازه من أجل المزاج جريمة في نظر القانون المصري بالرغم من أن معظم دول أوروبا أباحت تدخين الحشيش وأباحت إحرازه إذا كان من أجل المزاج.

في كوبنهاجن مثلا عاصمة الدانمارك تستطيع أن تشتري ما يلزمك من الحشيش لتدخينه ومن منطقة معينة وسط العاصمة كوبنهاجن، بينما رجل الشرطة يحرص ويراقب ويحمي المشترين من أصحاب المزاج! وفي هولندا تستطيع أن تدخل أي قهوة وتصفق بشدة للجرسون وتطلب منه واحد شاي حشيش مضبوط وقرش حشيش غباره، وتستطيع أن تلف الحشيش في سجائر وتضع ساقا على ساق وتنفخ دخان الحشيش في وجوه المارة. وفي لندن إذا عكموا أحدهم يحشش فالمسألة فيها نظر، إذا كانت الكمية المضبوطة معك للإتجار جرجروك للمحكمة وحكموا عليك بالسجن، وإذا كانت للاستخدام الشخصي سمحوا لك بالانصراف وردوا لك حشيشك واعتذروا لك.

ولكن في كل هذه البلاد يا ويلك ويا سواد ليلك، لو ضبطوا معك أي كمية من الكوكايين أو الهيروين، هنا تقوم الدنيا ولا تقعد، والسبب في هذه التفرقة أن الحشيش ليس ضارا بالصحة، وتدخين الحشيش لا يصل إلى حد الإدمان، وهذا الكلام ليس اختراع العبد لله ولكنه كلام عبقرية طبية مصرية دخل تاريخ الطب في مصر من أوسع الأبواب وهو الدكتور أنور المفتي عليه رحمة الله، وقال هذا الكلام ونشره في الصحف وقاله بالصوت والصورة في التليفزيون، وفي زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهو الزمن الذي شددوا فيه العقوبة على تجارة الحشيش وتدخينه أيضا.

وعندما دخلت السجن في عام 1959 اكتشفت أن داخل السجون عدة مئات من التجار كبار وصغار يقضون في السجن مددا تتراوح بين المؤبد والخمس سنوات، واكتشفت أيضا وجود عدة ألوف من المدخنين، وبالرغم من ذلك لا التجارة انقطعت ولا المدخنون أقلعوا، واضطر عبد الناصر في النهاية إلى التراجع، وبعد أن كانت جريمة الإتجار في الحشيش لا يتمتع مرتكبها بالإفراج بنصف المدة، عاد عبد الناصر فأفرج عنهم بنصف المدة، وكان على الحكومة وقتئذ أن تبحث عن وسيلة أخرى غير السجن لمناهضة هذه التجارة، ولكن ظروف النكسة ورحيل عبد الناصر أخرت عملية البحث عن هذا الطريق.

وفي زمن أنور السادات أصبح السجن المؤبد عقوبة جلب المخدرات من خارج البلاد، أما الإتجار بها في الداخل فنزل المشرع بالعقوبة إلى سنتين ويجوز رفعها إلى خمس سنوات، ولم يتوقف القانون المصري عند هذا الحد ولكنه طارد المتعاطين وتربص بهم، وجعل عقوبة التعاطي ما بين عام وعامين، وهو الأمر الذي أدى بسعيد صالح إلى دخول السجن، وفقدنا بذلك موهبة كوميدية لا نظير لها، وأضعنا فتى خفيف الدم، على كسار آخر، وأي فتى أضعناه؟ الولد المفكوك رباط الجزمة، المفكوك زراير البنطلون، المفكوك صواميل العقل، الولد الذي بلغت به البراءة حد أنه قضى رحلة الحياة يصطاد العصافير بصواريخ عابرة القارات.

ولا جدال في أن سعيد صالح يتحمل جزءا كبيرا مما جرى عليه، فهو لم يتعظ بما جرى له في السيدة زينب، ولو كان سعيد صالح من النوع الذي يخطط ويدبر، لقضى رحلة حياته بعيدا عن سكة الشرطة، وعلى أساس الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح، ولكن سعيد صالح لأنه قضى رحلة حياته كأنه قطار سكة حديد يمشي على غير قضبان، ولأنه لم يكن له هدف إلا الوقوف على خشبة مسرح وإضحاك الناس، فقد أخذ المسألة ببساطة، وتصور أنه في أوربا وأن الحشيش مباح، وهكذا وقع سعيد صالح في الفخ وهوى من حالق، وتناثرت دماؤه على صخور القاع.

والآن وبعد أن وقعت الفأس في الرأس، وأصبح سعيد صالح سجين زنزانة في سجن الحضرة، وحيث أننا جميعا نؤمن بأن الرحمة فوق العدل، ألا يجوز نقل سعيد صالح إلى مستشفى قصر العيني مثلا حيث إنه مريض بداء السكري، ووجوده في السجن بدون الرعاية الصحية المطلوبة قد يجعلنا نخسر سعيد صالح إلى أبد الآبدين!

العبد لله ينتظر قرارا من الوزير اللواء حسن الألفي بتكليف لجنة طبية لفحص سعيد صالح ودراسة حالته، وقبل أن يضيع سعيد صالح ويختفي من حياتنا، والعبد لله واثق أن هذا المطلب الإنساني سيجد طريقه إلى قلب الوزير الإنسان، وأرجو أن أستمع في القريب العاجل إلى إذاعة لندن وهي تذيع في صدر نشرتها الإخبارية خبرا يقول.. الواد مرسي الزناتي نقلوه لمستشفى قصر العيني يا رجالة!".

...

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.