فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (13)

فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (13)

20 أكتوبر 2021
+ الخط -

كعادته في "العِند"، رفض سعيد صالح أن يستجيب لمحاولات الصلح التي قام بها البعض الذين قرروا لمّ الموضوع بينه وبين ضابط قسم السيدة زينب الذي اعتدى عليه، وقرر تصعيد الموضوع إعلامياً، ولأن النقابات الفنية كانت كغيرها من النقابات تعيش وقتها حالة من الصحوة التي أبعدتها عن السيطرة الأمنية، فقد نظمت نقابة المهن التمثيلية مؤتمراً للتضامن مع سعيد صالح وصبري عبد المنعم، لكن نقيبها زكريا سليمان لم يشأ أن يكون المؤتمر مواجهة مع الأمن، فقرر أن يكون عنوانه "العلاقة بين الصحافة والفن"، ليتحدث فيه مع المخرجين سناء شافع والسيد راضي والمحامي مرتضى منصور عن الانتهاكات التي تعرض لها سعيد صالح وصبري عبد المنعم على أيدي الصحفيين الذين قاموا بتغطية قضيتهما بعيداً عن مبدأ "المتهم برئ حتى تثبت إدانته".

وفي حين تحدث صبري عبد المنعم بحزن شديد عن اتهامه الظالم في الصحف والمجلات قائلاً: "منذ سنة 1967 أصابني فيروس في العين اليمنى وكل أساتذة طب وجراحة العيون الذين عالجوني يعلمون بحالة عيني ويمكن أن يؤكدوا أنني ممنوع طبيا من تعاطي كل أنواع المخدرات، وأنني مؤمن بأن العملية الفنية لا تصدر إلا عن وعي كامل وصادق"، قرر سعيد صالح ألا يكون حديثه اعتذارياً أو عاطفياً، ولم يكتف بالهجوم على الصحافة، بل وقام بمهاجمة وزارة الداخلية بسبب أسلوبها في القبض عليه في الرابعة فجراً بأكثر من عشر رتب مختلفة من عميد حتى رائد، وكأنه إرهابي شديد الخطورة، وتساءل عن طبيعة الأدلة الجديدة التي يمكن توفيرها في بضع ساعات أعقبت الإفراج عنه بكفالة، والتي تدفع النيابة إلى تجديد حبسه 4 أيام على ذمة التحقيق، قبل أن يقوم النائب العام بالإفراج الفوري عن جميع المتهمين في القضية، مع استمرار إجراءات التحقيق فيها بشكل عادي يكفل العدالة للمتهمين.

ولم تنشر الصحف الحكومية بالطبع ما قاله سعيد صالح في الهجوم على الداخلية، في حين اكتفت صحف المعارضة بنشر انتقاداته للداخلية دون انتقاداته للصحافة، وفي حين تجاهل أغلب الكتاب القضية بعكس ما حدث في الحبسة الأولى، التي حدثت بسبب اتهامه بالخروج على النص، تصدى لها الكاتب الكبير محمود السعدني في عموده الشهير (أما بعد)، والذي نشرته صحيفة (أخبار اليوم) الأسبوعية بتاريخ 14 ديسمبر 1991، وبعد أن بدأ مقاله بمقدمة "مرهمية" حرص فيها على استرضاء وزير الداخلية اللواء عبد الحليم موسى، ربما لكي يضمن نشر رئيس التحرير لمقاله الذي وصف فيه وزير الداخلية بأنه "رجل محترف وليس من هواة المنظرة أو استعراض العضلات"، قبل أن يدخل في الموضوع قائلاً: "ولكن كل الذين أثنوا على حالة الأمن في مصر كان لهم بعض الملاحظات على ممارسات بعض أجهزة الشرطة، على رأسها هذه الحركة المسرحية التي اتخذت عند القبض على الفنان سعيد صالح، والعبد لله يوافق هؤلاء في أن مسألة القبض على سعيد صالح لم تكن تستحق كل هذه الضجة، خصوصا وأن سعيد صالح لم يقم بتهريب مخدرات إلى مصر، ولم يكن هاربا من تنفيذ حكم بالأشغال الشاقة لقيامه بتهريب كوكايين إلى داخل البلاد. ما الذي فعله سعيد صالح بالضبط؟ شفط له نفسين لتعمير الطاسة أو شد له نفسين سيجارة لتهدئة الأعصاب؟ صحيح يكون سعيد صالح مخطئا لو أنه ارتكب هذا العمل الطائش. ولكن هل يكون العلاج بالقبض عليه بقوات في حجم قوات عاصفة الصحراء؟ ويكون القبض عليه نتيجة أكمنة اشترك في وضع خطتها السيد اللواء والسيد العميد والسيد العقيد والسيد الكونستابل الممتاز؟ هل تم القبض على كل المهربين في الخارج والداخل وأصبح كل شيء تمام؟ الجو بديع والوقت ربيع، وقضية سعيد صالح على رأس كل المواضيع؟".

كان حكم البراءة مبهجاً لسعيد صالح وزملائه، لكن بهجته جاءت منقوصة لأن الصحف والمجلات التي توسعت في نشر أخبار اتهامه والقبض عليه في البداية، نشرت كعادتها خبر براءته في ذيل صفحاتها الأولى

ويضيف محمود السعدني قائلاً: "صدقوني إن عملية القبض على سعيد صالح كانت over حبتين ومظهرية أكثر من اللازم، ومع ذلك يلتمس العبد لله العذر لإدارة مكافحة المخدرات، لأن رجالها البواسل يبذلون جهدا يفوق طاقة البشر من أجل القضاء على دابر المخدرات في مصر، ومع ذلك لا يذكرهم أحد ولا يجد جهدهم متسعا على صفحات الصحف، ولذلك يقومون بين الحين والآخر بعمل فرقعة مع فنان غلبان مثل سعيد صالح، أو مع مخرج في حجم الكف، ويخرج ميّة وألف مثل أحمد يحيى. على العموم العبد لله يقترح على رجال إدارة مكافحة المخدرات القضاء على المهربين أولا، وبعد ذلك لن تكون هناك ضرورة لتعقب أصحاب المزاج داخل البلاد، وتحية لأجهزة الأمن بمناسبة مرور عامين على تولي عبد الحليم موسى أمر وزارة الداخلية، استمتعنا خلالها بالأمن دون جعجعة وبلا دوشة دماغ!".

كان ما قاله محمود السعدني في مقاله معبراً عن رأي عام يتردد في أوساط الفنانين دون أن يجد من يعبر عنه في وسائل الإعلام عن سهولة استهدافهم من ضباط مكافحة المخدرات لتحقيق فرقعات تحبها الصحافة وتجد فيها لذتها، في الوقت الذي لا يحدث فيه ذلك مع أصحاب النفوذ الحقيقي من رجال الأعمال وأصحاب الحصانة من السياسيين والبرلمانيين، لكن ما نشره محمود السعدني أغضب سعيد صالح، لأنه كان يقسم للجميع أن القبض عليه لم يكن له علاقة بمخدر الحشيش الذي لم يكن سعيد بطبعه الفاجومي يجد حرجاً في إعلان تعاطيه له، وهو ما لامه عليه محاميه وأصدقاؤه، ولأن الجرح الذي تعرض له سعيد في كرامته ومعنوياته كان عميقاً، فقد رفض أن يصدق أن ما تعرض له كان تصرفاً فردياً من ضابط شرطة منفلت، بل بدأ يتحدث عن رغبة السلطة في تأديبه عقاباً له على ما يقدمه في مسرحه الكوميدي من إفيهات تسخر من المسؤولين وأغنيات سياسية ظلت منسية في الدواوين وأشرطة الشيخ إمام التي لا يسمعها سوى المئات، فأخرجها هو للجمهور العريض، وبدأت نبرة المرارة تعلو في أحاديثه وحواراته التي أقبلت صحف المعارضة على نشرها، خصوصاً حين تم الإعلان في 1 ديسمبر 1993 عن براءة سعيد صالح وصبري عبد المنعم والمتهمين الستة الآخرين من كل الاتهامات الموجهة لهم بإحراز وتعاطي المخدرات، بعد أن أعلنت محكمة جنايات القاهرة بطلان أذون الضبط والتفتيش وتناقض أقوال مأمور الضبط في وزن وكمية المخدرات المضبوطة داخل الشقة التي أطلقت عليها الصحف لقب "الوكر"، والتي تم على أساسها القبض على سعيد ومن معه، مما يفتح باباً للشك في تلفيق القضية من أساسها.

كان حكم البراءة مبهجاً لسعيد صالح وزملائه، لكن بهجته جاءت منقوصة، لأن الصحف والمجلات التي توسعت في نشر أخبار اتهامه والقبض عليه في البداية، نشرت كعادتها خبر براءته في ذيل صفحاتها الأولى دون تهليل ولا فرد للصفحات، عملاً بمبدأ "الخبر الجيد هو الخبر السيء"، ليزيد شعور سعيد صالح بالمرارة والإحباط، ويزيد إحساسه بوجود حملة عدائية منظمة ضده تتواطأ فيها الصحافة مع السلطة، وبدأ الصحفيون من شتى الصحف يجدون فيه صيداً سهلاً يمكن الخروج منه بتصريحات نارية كلما سألوه عن سر إفراطه في أفلام المقاولات التي زاد من وتيرة اشتراكه فيها بشكل لم يقم به حتى سمير غانم ويونس شلبي، الذين قل اشتراكهم فيها منذ بداية التسعينات، حيث تفرغا للمسرح وأصبح كل منهما تقوم على كتفيه مسرحيات كوميدية ناجحة تجارياً يتنافسان فيها مع محمد نجم وسيد زيان، اللذين استمر نجاحهما المسرحي منذ الثمانينات، بل ونجح نجوم من جيل لاحق مثل نجاح الموجي وأحمد بدير في تحقيق نجاحات مسرحية ملحوظة، في حين بقي سعيد صالح بعيداً عن عشقه الأول خشبة المسرح منذ أن فشلت تجربته مع مسرح الدولة، ليتهرب منه كثير من المنتجين الذين كانوا يتمنون العمل معه، متحججين بقيامه بإثارة المشاكل وبنفور الجمهور منه بعد أن كثرت أزماته وقل إضحاكه، وبعد أن بدأ يتعامل مع نفسه كزعيم سياسي لا كصانع ضحك، لكن سعيد صالح لم يستسلم لحالة الإحباط وبدأ يحضر للعودة إلى خشبة المسرح بمسرحية جديدة اختار لها عنوان (تيجي نلعبها)، وقبل أن تكتمل بروفاتها حملت له الأقدار تأكيداً جديداً على ظنه بأنه أصبح محطاً لاستهداف السلطة له.

...

نكمل غداً بإذن الله.