فتاوى في خدمة الأنظمة

26 نوفمبر 2020
+ الخط -

في ظل ما تشهده الساحة العربية، بل والدولية، من هجوم شبه منظم على الشعائر والمقدسات الإسلامية، وتشكيكٍ في الثوابت الدينية، تخبو وتيرته تارة وتعلو أخرى، أخذت مؤسسات إفتائية إسلامية كبرى موقفًا حاسمًا ضد جماعة الإخوان المسلمين وصنّفتها كـ"جماعة إرهابية".

نعم.. لا صلة بين أول الجملة وآخرها إلا ما يظهر للناظر من انعزالية هذه المؤسسات عن واقع المسلمين، بل وواقع دينهم الذي هم معنيون ببيانه لهم، علاوة على التصاقهم بصفوف أهل السلطة والمتربّحين منها والمنفذين لأجنداتها السياسية، بغض النظر هل وافقت قواعد الشرع وغاياته أم خالفتهما؟!

ينضاف إلى ذلك ما تحمله هذه البيانات من مغازلة سياسية، وقربان باسم الدين للقيادة الأميركية المنتظرة؛ لعلها ترضى بما رضيت به سالفتها، وأن تحنث في وعيدها، وتتغاضى بهذا الثمن عن مزاعم حرياتها وحقوقها.

في بداية الأمر، تبرعت هيئة كبار العلماء بالسعودية بإعلان جماعة الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية"، وحذرت القاصي والداني من الانضمام لها، ووصفته بالحرمة، واعتبرت هذا المنشور بيانًا وفتوى شرعية، ثم لم تلبث دار الإفتاء المصرية أن تستوعب ما قيل حتى وجدت عين السلطة وإعلامها تنظر إليها نظرة اللائم المُتهِم.

حينها، استشعرت الدار حرجًا شديدًا أمام الداخل المصري الذي أحكم الخناق على الجماعة والمنتمين إليها والمشتبه بهم، وأمام كتائبه الإعلامية التي لم يكن لها عمل طيلة الفترة السابقة إلا شيطنة المخالف ورميه بالإرهاب، واستخدام فزاعة الانتماء للجماعات الإرهابية المتشددة؛ للتخلص منه وإزاحته من المشهد.

 

صرنا أمام فتوى أعادت إلى الأذهان فتوى دار الإفتاء المصرية، التي أصدرتها عام 1979م، والتي تجيز فيها معاهدة كامب ديفيد، وعقد اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال، حينما قرر الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات السفر إلى دولة الكيان الصهيوني

 

تأسيسًا على ذلك، أسرع مفتي الديار المصرية -على علو قدره لو يعلم- وأكد ما صدر عن هيئة المملكة؛ خشية أن تطاوله سهام الاتهام العشوائية، فتصيبه أو تصيب كرسيه تهمةُ إعلام النظام المعلبة "الإرهاب"، وهي أسهل في نسبتها للمتدينين بشكل عام من نسبتها لغيرهم.

صرنا أمام فتوى أعادت إلى الأذهان فتوى دار الإفتاء المصرية، التي أصدرتها عام 1979م، والتي تجيز فيها معاهدة كامب ديفيد، وعقد اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال، حينما قرر الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات السفر إلى دولة الكيان الصهيوني، وإلقائه خطابًا من داخل الكنيست الإسرائيلي؛ بينما كان موقف دار الإفتاء في الحقبة السابقة لها، حقبة حكم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر؛ أن الجهاد ضد الكيان الصهيوني الغاصب فرض عين على كل مسلم.

لنجد أنفسنا في النهاية أمام مشهد تكرر عبر التاريخ بحذافيره، مشهد صناعة الفتاوى المسيّسة، والتي لا تستند لرؤية شرعية بقدر ما تستند لغاية سياسية حددها الحاكم ورجاله ومصالحه، ورسمتها علاقاته وموازناته الإقليمية والدولية، مع بعض الاختلافات غير المؤثرة في أسماء الساسة وعلماء الدين.

ولا شك أن صناعة الفتوى المسيّسة من أردأ الصناعات، وأبعدها عن منهج الفتوى في الإسلام؛ فمثلًا خلاف الأنظمة العربية مع جماعة الإخوان المسلمين خلاف سياسي في ظاهره وجوهره، ومن ثم لا ينبغي أن تُقحم فيه الفتاوى الشرعية بهذا الشكل، ومنهج الفتوى في الإسلام يأبى هذا، بغض النظر هل الجماعة مصيبة أم مخطئة؟! شيطانية أم ملائكية؟!

كل الذي يعنينا أن الفتوى لا علاقة لها بتصنيف أعيان الناس أو الحكم على إيمانهم أو خواتيمهم، كما أنه لا يصح أن توصف أفعال شخص بعينه بالحرمة أو الحِل المطلق، وليس هذا دورها؛ فالفتاوى معنية بالحكم على القضايا مجردة والأفكار والسلوكيات، سواء وافق ذلك هوى المنتمين للجماعات أو خالفه، ورضي من رضي، وأبى من أبى.

ثم إن أهم غايات الفتوى الشرعية مراعاة مصلحة الأمة العامة والنهوض بها، لا نصرة فريق على فريق أو شخص أو توجه.

وصناعة الفتوى ورجالاتها أسمى من كل هذا؛ فالمفتون هم الموقِّعون عن رب العالمين، وحملة أحكامه للناس وورثة أنبيائه؛ لهذا نبّه الله سبحانه إلى خطر الكلمة؛ سيما إذا خرجت من أصحاب علم وبيان؛ فقال سبحانه: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36].

ولهذا أخبرنا النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) أن العالم الرباني والمفتي الحق نعمة من نعم الله تعالى على الخلق، فبه يحفظ الله الدين، وبفقهه يعيش الناس في معية رب العالمين، وموته مصيبة من أعظم المصائب، لا لحرمان الناس منه ومن علمه، وإنما لقبض العلم بقبضه، ورفعة الجهال بموته؛ فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخذ الناس رؤوسًا جهالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا". [متفق عليه]