غيض من فيض لعنة الاقتباسات (2/2)

07 ابريل 2021
+ الخط -

تواصلت المفاجآت خلال بحث محرر مجلة (نيويوركر) عن أصول العبارة المنسوبة إلى مايا أنجيلو في طابع بريدها التكريمي، وكان أغربها أن تلك العبارة استخدمت قبل صدور الطابع بسنوات خلال مؤتمر للحزب الديمقراطي عام 2004 والمفاجأة أن ذلك حدث أثناء تقديم كلمة ستلقيها مايا أنجيلو نفسها، التي لم تشغل بالها ببدء كلمتها بتصحيح الخطأ والتأكيد على أن الاقتباس الذي قاله من قدمها لا يخصها ويخص كاتبة غيرها، ربما لأنها وجدت ذلك أمرا سيحرج المتحدث، أو لأنها لم تسمع أصلاً ما قيل في تقديمها لأنها كانت مشغولة بالإعداد لإلقاء كلمتها، أو لأنها يئست من إقناع الآخرين بتصحيح ذلك الخطأ.

لذلك لم يكن غريبا أن يقوم الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد رحيل مايا أنجيلو في عام 2014، باستخدام العبارة نفسها مسبوقة بقوله: "الراحلة العظيمة مايا أنجيلو قالت مرة"، لتأخذ العبارة بذلك التصديق الأقوى من رئيس الولايات المتحدة الذي يعرف الجميع إعجابه بمايا وحديثه المتكرر عن أعمالها، ثم ينتهي الأمر بوضع العبارة في الطابع التذكاري، والذي لن يكون غريباً بعده  أن تجد من يقوم بتصحيح مصدر العبارة بثقة، لو سمع أحداً يقول إنها حكمة صينية أو مقولة لمدرب هولندي أو لشاعرة وكاتبة للأطفال اسمها جوان وولش أنجلند.

اتخذ محرر النيويوركر هذه الواقعة مدخلا للحديث عن ظاهرة الاقتباسات الزائفة، التي كرستها ثقافة الاعتماد على مواقع الإنترنت كمصدر موثوق بل ووحيد للمعرفة، بحيث أصبح لدينا مئات الأقوال الذكية وخفيفة الظل ـ والسمجة أحياناً ـ التي تجدها في آلاف مواقع الإنترنت منسوبة أما إلى الكاتب الأمريكي الشهير مارك توين الذي اشتهر بخفة ظله وتعليقاته اللاذعة فضلا عن أعماله الروائية العظيمة، أو إلى السياسي البريطاني وينستون تشرشل بما أنه حصل على جائزة نوبل للآداب، بغض النظر عما إذا كانا قد قالا تلك العبارات فعلا أم لا، أما في بلادنا فيتنافس نجيب محفوظ وديستويفسكي وصلاح جاهين على المركز الأول لأصحاب الاقتباسات المنسوبة إليهم زوراً وبهتاناً.

في حين استمر حضور الحسابات الساخرة المنسوبة لنجم حتى يوم وفاته، إلا أن تأثير القصائد المنسوبة له قل تدريجياً، منذ أن أخذت تتكاثر بشكل عنقودي عقب الثورة

خلال السنوات الماضية حاول مئات الصحفيين والمدونين والمغردين نفي نسبة الاقتباسات المزيفة إلى من لم يقولوها، وإثبات أن من قالها هو فلان وليس علان، لكن تلك المحاولات كانت ولا زالت ـ وستظل ـ تفشل دائماً أمام قوة الإنترنت الجبارة الموزعة على عدد لا نهائي من المواقع، وهو ما يجعل تصحيح مصدر المعلومة الخاطئة، أمراً يعجز عنه أعتى المعروفين بالدأب والمثابرة، لأن هذا التصحيح يصطدم بالصور الذهنية الثابتة التي اختار الناس تكوينها عن كتابهم المفضلين، وهو ما يشير إليه إيان كراوش الذي يرى في مقاله أن ظاهرة إساءة الاقتباس لا يمكن أن يتم فصلها عن الصورة التي يتخيلها الوجدان الشعبي للكتاب أو الفنانين، فملايين المستخدمين للإنترنت، حتى وإن لم يكونوا قد قرأوا أعمال مايا أنجيلو كلها، فإن متابعتهم لها عبر المرات التي ظهرت فيها عبر وسائل الإعلام، قارئة لأشعارها أو متحدثة عن سيرها الذاتية المهمة، أو مشاركة في أنشطة عامة تدعم الحقوق المدنية والحريات الفردية، جعلهم يكونون لها صورة الحكيمة الناضجة الخبيرة، وبالتالي لا يجدون غرابة في صدور اقتباس كهذا عنها، وربما لا يصدقون لو قلت لهم أنه صدر عن كاتبة أطفال، وهو ما يمكن أن تقيسه على كل ما تتم نسبته إلى الشخصيات العامة من أقاويل لم يدلوا بها، لتجد أنها أقوال تتماشى مع تصور الناس لشخصياتهم، مما يجعلهم يتبنون نسبة تلك الاقتباسات إليهم، بغض النظر عن دقة ذلك أم لا.

ذكرتني هذه الواقعة، بالمعاناة التي شهدها شاعرنا الكبير أحمد فؤاد نجم في سنوات عمره الأخيرة، التي انقطع فيها تقريباً إنتاجه الشعري، حين رزقه الله بشاعر مغمور لا يعلمه إلا الله، يئس من إيصال أشعاره متواضعة المستوى إلى الناس، فقرر أن أفضل طريقة لنشرها هو أن ينسبها إلى العم أحمد فؤاد نجم، وترافق ذلك مع بدء الانتشار الرهيب لمنتديات الإنترنت في منتصف التسعينات، حيث أقبلت تلك المنتديات بشراهة على تلك الأشعار الركيكة، التي لم يكن يساعدها على الانتشار، إلا أنها تحتوي على شتائم مقذعة بحق حسني مبارك وأسرته ورجال حكمه، وبرغم أن عمنا أحمد فؤاد نجم حاول كثيرا نفي نسبة تلك الأشعار إليه، إلا أن المدهش أن كثيرا من الناس وخصوصا من لم يكن بينهم من قرائه المتابعين لكل أشعاره، تعاملوا مع نفيه ذلك بوصفه تملصاً من المسئولية القانونية لتلك الأشعار.

أذكر أني قرأت بعضهم وهو يعتبر ذلك النفي ذكاءً منقطع النظير من "الفاجومي"، لكيلا يدخل السجن أيضاً في عهد مبارك، بعد أن دخله في عهدي عبد الناصر والسادات، ولعل ذلك ما دفع أحمد فؤاد نجم إلى أن يرد على تلك الاتهامات والتحليلات اللوذعية بشكل غير مباشر، بأن يظهر على قناة الجزيرة ويلقي قصيدة (عريس الدولة)، التي كتبها بعد زفاف الوريث المنتظر جمال مبارك، والتي قال فيها "مبروك يا عريسنا.. يا بو شنّه ورنّه.. يا واخدنا وراثة.. افرح واتهنى.. واطلع من جنّه.. حوِّد على جنّه.. مش فارقة معانا.. ولا هارية بدنّا.. ولا تاعبة قلوبنا.. ولا فاقعة بضانّا.. يا عريس الغفلة.. اطلب واتمنى.. ماحناش كارهينك.. لكن عارفينك.. هتكمل دينك.. وتطلع دينّا".

ومع أن تلك القصيدة كانت بعيدة عن المستوى الفني العام لأشعار نجم، لكنها بالطبع كانت أفضل بكثير من الأشعار البشعة المنسوبة إليه، وإن كانت جرأتها اللفظية قد أكدت صلته الخاطئة ببعض الأشعار السابقة المحتوية على ألفاظ شعبية جريئة، كما أنها على ما يبدو فتحت شهية هواة نسب القصائد لنجم، لتتفاقم الظاهرة بعد ثورة يناير، خصوصا بعد أن زادت شعبية موقعي الفيس بوك وتويتر بين ملايين المصريين، فظهرت العديد من الحسابات عليهما تحمل اسم أحمد فؤاد نجم، متحولة إلى منصات لإطلاق قصائد وآراء أصحابها الساخرة واللاذعة والمليئة بالشتائم في أحيان كثيرة، ولتصبح هناك فقرة ثابتة في أغلب برامج التلفزيون التي يظهر فيها نجم، ينفي فيها علاقته بتلك الحسابات وما عليها من قصائد وعبارات، قبل أن يدلي بآرائه هو ويلقي بقصائده وأغانيه، وفي حين استمر حضور الحسابات الساخرة المنسوبة لنجم حتى يوم وفاته، إلا أن تأثير القصائد المنسوبة له قل تدريجياً، منذ أن أخذت تتكاثر بشكل عنقودي عقب الثورة، حين كان يظهر منها أحيانا قصيدتان أو ثلاثة في الشهر، بعد أن طمع الكثيرون في لعبة تلبيس أشعارهم لنجم، ولحسن الحظ فقد كانت مواهب هؤلاء أكثر ضحالة من أول شاعر لعب اللعبة، فساهموا من حيث لا يدرون في تفطيس ظاهرة أشعار نجم التي لم يقلها نجم، لتختفي فجأة كما ظهرت فجأة.

على أية حال فقد كان عم أحمد فؤاد نجم أسعد حظاً من مايا أنجيلو في نقطة الاقتباسات المنسوبة خطئاً له، لأن ما بقي له في وجدان الملايين، من خلال أمسياته الشعرية وبرامجه التلفزيونية المتعددة وأغاني الشيخ إمام، كان شعراً يخصه بالفعل، وأغلبه شعر متجاوز لكل الخطوط الحمراء وقيم الأسرة العسكرية المصرية، ولذلك لن تفكر أي هيئة بريد مصرية في اقتباس بعضه على طابع بريد أبداً.