غيض من فيض لعنة الاقتباسات (1/2)

06 ابريل 2021
+ الخط -

هي واقعة صغيرة، لكنها تقول الكثير عن سطوة ثقافة الإنترنت على حياتنا، بما لها وبما عليها. 
أصل الحكاية أن هيئة البريد الأميركية قررت قبل سنوات أن تحتفل بواحدة من أكبر شعراء أميركا، هي الشاعرة الأميركية من أصل أفريقي مايا أنجيلو، فأصدرت طابع بريد تذكارياً يحتفل بمرور عام على رحيلها في ابريل 2014، ودعت إلى الاحتفال بإطلاق طابع البريد عدداً كبيراً من الشخصيات العامة، على رأسهم السيدة الأولى وقتها ميشيل أوباما وسيدة الإعلام الأولى أوبرا وينفري، وقبل الاحتفال بيوم واحد، كشفت صحيفة (واشنطن بوست) مفاجأة غريبة عن طابع البريد الذي طال انتظاره، حولت مجهود هيئة البريد المحمود إلى مثار لسخرية الكثيرين، خصوصاً على مواقع الإنترنت، والتي كانت هي ذاتها سبباً رئيسياً في الخطأ الشنيع الذي ارتكبته هيئة البريد في حق مايا أنجيلو، حين اختارت للطابع مقطعاً شعرياً لم تكتبه مايا أنجيلو أصلا.

وبرغم ذلك الكشف المحرج فقد أعلنت هيئة البريد أنها لن تقوم بسحب وإتلاف 80 مليون نسخة تم إصدارها من الطابع، وتجاهلت الرد على ما تم نشره تماماً، لتنشر الصحف صورة لحضور حفل إطلاق الطابع، وعلى رأسهم ميشيل أوباما وأوبرا وينفري وغيرهم من الكتاب والفنانين والسياسيين وهم يقفون إجلالاً لروح مايا أنجيلو، وخلفهم شاشة ضخمة تعرض صورة الطابع، الذي يحمل مقطعا وردت فيه عبارة "لا يغني العصفور لأن لديه إجابة، يغني لأن لديه أغنية"، وهو مقطع لم تكتبه مايا أنجيلو، بل كتبته الشاعرة وكاتبة الأطفال جوان وولش أنجلند وتم نشره عام 1967 في مختارات شعرية بعنوان (فنجان شمس)، لكن أحداً ما على شبكة الإنترنت قرر في لحظة ما أن ينسبه إلى مايا أنجيلو، ربما لأن كتابها الأكثر شهرة يحمل عنوان (أعرف لماذا يغرد الطائر الحبيس) وهو عنوان قريب من روح العبارة المقتبسة.

بالطبع لم يهتم أحد باستغراب الصحفي اليوناني، بما فيهم محرر النيويوركر نفسه الذي واصل متابعة الموضوع، حيث قام بتعقب عبارة الطابع المنسوبة لمايا

منذ تلك اللحظة شاع ذلك الخطأ فلم يبق موقع لنشر الاقتباسات إلا ونقل العبارة منسوبة لمايا أنجيلو، وحين تطوع البعض على صفحات موقع (فيسبوك) بإضافة العبارة إلى صورة لمايا أنجيلو مع تصميمات فنية "فوتوشوبية"، سرى الخطأ في فيس بوك وبعده في تويتر سريان النار في الهشيم، دون أن يهتم أحد بضرورة تصحيحه، وحين أوكلت هيئة البريد إلى شخص ما من موظفيها مهمة اختيار مقطع شعري صغير ومعبر لوضعه على طابع مايا أنجيلو، كان من السهل عليه أن يقع في الفخ، ويختار هذه العبارة بالذات دوناً عن مئات المقاطع الشعرية التي كتبتها عبر رحلتها الطويلة مع الشعر والكتابة، ومن يدري فربما بدأت علاقته بتلك العبارة، لأنه قرأها مرة على "التايم لاين" الخاص بصديق له، وقام بضغط زرار اللايك أو احتفظ بالصورة التي تحوي العبارة، ليقرر بعد ذلك أن يستخدمها لتكريم مايا أنجيلو، غير مدرك أنه سيحول ذلك التكريم إلى لحظة عبثية بامتياز، حين يلصق رسميا بمايا أنجيلو وإلى الأبد، شعراً لم تقله أبدا.

بعد أن زاد عدم تصحيح الخطأ من حجم اللغط المثار حول الأمر، قررت هيئة البريد أن تدافع عن نفسها، فبدأت بإعلان أن الطابع تم إنتاجه بالتشاور مع باحث متخصص في أدب مايا أنجيلو، وأن أسرة أنجيلو وافقت على التصميم النهائي، لتقول بشكل غير مباشر إنه إذا كان هناك من يستحق اللوم فلن يكون هيئة البريد وحدها، بل أسرة مايا أنجيلو نفسها، وبعد ذلك بفترة أخذت المسألة بعداً درامياً أكثر عبثية حين أعلن متحدث باسم الهيئة مصدر وقوع الخطأ، كاشفا أنه مايا أنجيلو نفسها، حيث أنها أجرت في عام 2013 مقابلة مع صحفي يوناني اسمه ميكاليس ليمنيوس، وجاء ذلك المقطع على لسانها في الحوار في معرض وصف كتابتها للشعر، دون أن تذكر أنها ليست من كتبه، خصوصاً أن الحوار جاء بعد سنوات طويلة من استخدام الإقتباس عبر صفحات الإنترنت منسوبا إليها، وبالتالي لا أحد يستطيع أن يلوم هيئة البريد إذا تصورت أن مايا هي التي قالت ذلك المقطع، سواءً إذا كانت قد نسبت هذا المقطع إلى نفسها، أم أنها نفت نسبته إليها، لكن ما قالته "تاه في الترجمة" فاختلط الأمر على الصحفي اليوناني، وأصبح حواره حجة تدافع بها هيئة البريد عن نفسها.

ولأن الموضوع يتجاوز شخص مايا أنجيلو ويشير إلى لعنة اسمها الاقتباسات الزائفة المنشورة على صفحات الإنترنت كل لحظة، فقد قرر إيان كراوش محرر مجلة النيويوركر متابعة الموضوع باستفاضة، وسأل الصحفي اليوناني عن الأمر عبر البريد الإلكتروني، فأقر بما قاله متحدث هيئة البريد الأميركية، وقال إنه أجرى المقابلة مع مايا أنجيلو عبر الهاتف في مايو 2013، وبعد ذلك عرض نص المقابلة على مساعد مايا أنجيلو لإقرارها قبل النشر، مؤكداً أن حواره مع مايا كان يمثل له حلما من أحلام حياته، ولم يصدق أنه تحقق ولو حتى عبر الهاتف، معربا عن استغرابه من الضجة التي أثيرت حول مصدر الإقتباس، قائلا بلهجة تهكمية "من الذي يمتلك حقوق الملكية الفكرية لكلمات مثل "عصفور ـ غناء ـ إجابة"، وهل يمكن أن نثير تساؤلا حول من الذي نطق بتعبير "الحب والسلام" أولا؟ هل هي الآلهة التي خلقتها، أم جيمي هندريكس الذي كتبها في أغنية له"؟

بالطبع، لم يهتم أحد باستغراب الصحفي اليوناني، بما فيهم محرر النيويوركر نفسه الذي واصل متابعة الموضوع، حيث قام بتعقب عبارة الطابع المنسوبة لمايا، ليدرك كيف ومتى تم حرمان مؤلفتها الشاعرة وكاتبة الأطفال جوان وولش أنجلند منها، خصوصا أنها لم ترحل عن الدنيا منذ سنين طويلة، بل لا زالت تواصل الإنتاج حتى وقت صدور الطابع، كما أنها ليست شاعرة مغمورة يسهل تجاهلها أو تجاوز إنتاجها فقد قامت حتى عام 2015 بكتابة ورسم أكثر من 120 كتاب للكبار والأطفال، تم بيع 50 مليون نسخة منها في 17 لغة، طبقا للموقع الرسمي لها على شبكة الإنترنت.

استخدم محرر النيويوركر محرك بحث جوجل للكتب، فوجد أن أول استشهاد بالعبارة كان داخل كتاب مسيحي للتنمية الذاتية صدر عام 1985، لكنه نسبها إلى جوان وولش أنجلند، وكذلك الحال مع كتاب يقدم ارشادات لمخرجي مسرح الطفل صدر عام 1993، لكن المضحك أنه وجد العبارة منشورة في أحد الكتب بعد ذلك بوصفها حكمة صينية مجهولة المصدر، كما نسبها كتاب آخر إلى لو هولتز مدرب فريق روتردام لكرة القدم، لماذا لا أحد يدري؟ وحين حقق في الأمر اتضح أن وراءه حرفياً عبارة "شفتها على الإنترنت"، حيث اتضح أن محرري الكتابين اعتمدا في ذلك على موقعي إنترنت، ثم وجد أن أقدم استشهاد بالعبارة بوصفها منسوبة لمايا أنجيلو، قدمه كتاب متخصص في البيزنس صدر عام 2002، ليتكرر الاقتباس الخاطئ بعد ذلك في كتب متنوعة المواضيع، منها كتب عن تربية الطيور وكتابة كروت أعياد الميلاد وتربية الأبناء والتنمية الذاتية والتسوق في مواسم الأعياد، وكلها بالطبع تنسب العبارة إلى مايا أنجيلو، دون أن تذكر مصدر الإقتباس أو اسم الديوان الذي يمكن أن تكون قالت فيه تلك العبارة.

نكمل غداً بإذن الله