غزة... مونولوج الخراب والصمت
في كُلّ مرةٍ ترتفع فيها ألسنة اللهب في الأفق، يتكرّر السيناريو نفسه: تهديدات، تصريحات، تبادل لإطلاق النار، كُلّ ذلك تحت ذرائع "خرق الاتفاق". غزّة هنا ليست مجرّد مكانٍ جغرافي، بل شهادةٌ حيّة على هشاشة القوانين الدولية، وعلى ضعف الالتزامات، وعجز العالم عن حماية الأبرياء.
التصعيدات المُتكرّرة ليست مجرّد أحداثٍ عابرة؛ إنّها صرخةٌ متكرّرة في وجه الإنسانيّة، ونمطٌ مستمرّ يختزلُ المعاناة ويُعرّي هشاشة كُلّ الجهود الدبلوماسيّة، وكأنّ السّلام مجرّد كلمةٍ تلوح في الهواء بلا مضمونٍ ولا قيمة.
كُلّ تصعيدٍ جديد، وكُلّ خرقٍ مزعومٍ للاتفاق، يصبحُ ذريعةً لإعادةِ المشهد نفسه: الجريمة ذاتها، تكرار للحظةِ الانكسار، تكرار للدمار، للقلوب التي تُحرَق، وللوجع الذي يتضاعف.
إنّه تكرارٌ لإعلانٍ دائمٍ بأنّ الوعود مجرّد كلماتٍ تتحوّل إلى رمادٍ في اللحظة التي تُكتَب فيها، غزّة لا تعرف المهادنة، ولا تعرف التفاوض؛ بل تعرف فقط اللغة الوحشيّة التي لا يفهمها إلا من يملك الصواريخ والضغط العسكري.
الجانب الأكثر إيلامًا ليس في الانفجاراتِ وحدها، بل في الطريقة التي تتحرّك بها الحرب كقوّةٍ ميكانيكيّةٍ بلا رحمة، وبلا اعتبارٍ للإنسانيّة. البشر، المنازل، المدارس، المستشفيات، الأسواق… جميعهم عناصر في مسرحيّةِ صراعٍ لا تتوقّف، حيث تُستخدَم الاتفاقات كأوراقٍ تُرفَع وتُسقَط حسب الحاجة، وكأنّ الالتزام بها خيارٌ ثانويّ لا يَهُمّ إلا عند الضرورة.
في غزّة نستفيق كُلّ صباحٍ على صوت الانفجارات، كأنّها جرسُ تنبيهٍ لا ينتهي، وكأنّها إعلانٌ يوميّ بأنّ السّلام هنا مجرّد حلمٍ بات مستحيلًا، المنازل تتهاوى فوق رؤوس ساكنيها، الأطفال يراوحون بذعرٍ بين الوسائد، والسماء تمطر قنابلَ تُقتِل أكثر ممّا تُنذِر، الصحافة العالميّة تصفها بـ"ردات فعل" أو "تصعيد محدود"، لكنّ الحقيقة هنا قاسية: الحياة تنهار، وربّما في ثوانٍ معدودة نصبح أرقامًا في التقارير، وجروحًا في صفحاتِ الأخبار، ووجوهًا حائرة تبحث عن شيءٍ يُسمّى الأمان.
لا يزال يستبدُّ بنا شعورُ الحرب، فالعتمة باتت تغمرُ ثنايا الأرواح، وتتغذّى على خوفنا، وتأكل الهدوء كما تأكل النارُ الهشيم، كلّ انفجارٍ تذكيرٌ بأنّ الاتفاقيّات ليست سوى كلماتٍ على ورق، وكأنّ الورق الذي وُضِع ليحمي، أصبح مجرّد غطاءٍ للقتل العابر، ولإعادة كتابة الخراب بطريقةٍ "قانونيّة"، كُلّ وعدٍ بالهدوء ليس أكثر من سراب.
المدنيّون هنا يشبهون شمعًا في ريحٍ عاتية، يذوبون تدريجيًّا أمام أعين العالم، بينما تتقاذفهم التصريحات والاتهامات، كُلّ طرفٍ يحمل قلمَه، وكُلّ قلمٍ يحمل رصاصة، وكُلّ رصاصةٍ تحمل وعدًا جديدًا بدماءٍ بريئة، بينما المسؤولون يتجادلون حول خروقاتٍ لم نرَ أثرها إلا في الركام والدم، العالم من جانبه يكتفي بالإدانةِ اللفظيّة والدعوات المتكرّرة إلى "ضبط النفس"، وكأنّ الدم الفلسطيني رقمٌ في تقارير المراقبين.
أمّا القوى الراعية للاتفاقات، فتبدو عاجزةً أو غير راغبةٍ في ضمان التزامٍ فعليٍّ بها، وهكذا تتآكل الثقة بالمسارات الدبلوماسيّة، ويزداد شعور الناس هنا بأنّ الاتفاقات لا تُكتَب لحمايتهم، بل لتهدئة المشهد مؤقّتًا أمام الكاميرات.
الوعي لدينا بات متقطّعًا، والأفكار تترنّح بين ركام الحاضر وصراعات الماضي، كفصائلَ مشوّهةٍ من إدراكٍ متقزّم.
كلّ إحساسٍ بالسّلام يبدو وهمًا، وكُلّ محاولةٍ لاستعادة الحيويّة تنهار أمام زحف الانكسار المتكرّر الذي ينهش الروحَ دون هوادة.
وبرأيي، فإنّ خرقَ اتفاق غزّة لا يعني فشلَ التفاهمات فحسب، بل يُظهِر عجزَ المجتمع الدوليّ عن ترجمة مفهوم العدالة إلى فعلٍ واقعي، وحتى يتحقّقَ سلامٌ حقيقيّ، لا بدّ أن يُبنى الاتفاق القادم على أساسٍ من الضمانات الجادّة، لا الوعود المؤقّتة، وأن يُوقَّع بالحبر الإنسانيّ لا بالحسابات السياسيّة.
في نهاية المطاف، خرقُ الاتفاق في غزّة لا يقتصر على انتهاكِ بنودهِ العسكريّة، بل يمتدّ إلى جوهره الإنسانيّ؛ فحين تُستهدَف البيوت وأماكن العبادة، والعيادات والمدارس، وحين يُحرَم الأطفال من النوم الآمن، فإنّ الاتفاق يفقد معناه، ويغدو السّلام مجرّد كلمةٍ في البيانات الرسميّة، الحياة هنا لم تعُد تنتظر نهايةَ الحرب، بل استراحةً قصيرة بين حربين.
يمكن القول إنّ الجميع يتّفق على شيءٍ واحد: أنّ غزّة ليست بحاجةٍ إلى أيّ اتفاقٍ جديد بقدر حاجتها إلى ضميرٍ يلتزم بما وُقِّع عليه، وأهلها لا يرغبون بشيءٍ سوى أن يُترَك لهم حقّهم البسيط في الحياة: أن يناموا دون خوفٍ من صفيرٍ في السماء، وأن يستفيقوا دون أن يُحصوا الخسائر.