غارة على بوفيه الأستاذ محمود

20 أكتوبر 2020
+ الخط -

بلطف شديد، أصر الفنان الكبير محمود ياسين على أن أحضر فرح ابنه عمرو، كان ذلك في عام 1998، لا أذكر في أي شهر بالتحديد، أو لعل ذلك كان في ربيع 1999، لست متأكداً الآن بالضبط، هل كان الفرح في فندق موفنبيك المطار أو في ميريديان مصر الجديدة؟ لست أذكر على وجه التحديد، لكنني أذكر أن الفرح كان في مصر الجديدة لأنني اضطررت لركوب أكثر من مواصلة والذهاب قبل الموعد بفترة، لكي أصل إلى الفندق بأقل قدر ممكن من العَرَق، ومع أنني لا أذكر الآن تفاصيل كثيرة عن ذلك الفرح، بل إنني سألت نفسي للحظة هل كان ذلك فرح عمرو أم فرح أخته الأكبر رانيا، قبل أن تستقر ذاكرتي على كونه فرح عمرو، لكنني برغم إجهاد الذاكرة، لا يمكن أن أنسى الذين جلسوا معي ليلتها على نفس الترابيزة.

بسبب لخبطة في أرقام الأتوبيسات، وصلت إلى الفرح متأخراً لكنني لم أصل عرقاناً وكان هذا هو الأهم، سلمت الدعوة لفرد الأمن الواقف على مدخل القاعة، ومضيت متجاهلاً نظراته المستنكرة لكوني الوحيد تقريباً الذي لا يرتدي بدلة، لم أكن وقتها أمتلك ثمن بدلة، صحيح أنني كنت أمتلك ثمن إيجار واحدة، لكنني كنت ولا أزال وسأظل من كارهي البدل والكرافتات.

حين دخلت إلى القاعة وجدتها مزدحمة بممثلي وممثلات مصر الذين جاؤوا لمجاملة محمود ياسين وأسرته، فجلست على ترابيزة فاضية كانت قريبة من باب الدخول، بعد وقت قصير شاركتني في الترابيزة أسرة مكونة من رجل خمسيني حسن الهندام وسيدة أربعينية محجبة تضع ماكياج مبالغاً فيه وترتدي فستاناً غريب اللون وولدين مراهقين طويلين يرتدي كل منهما بدلة واسعة عليه.

لم يرمِ الأب عليّ السلام، وكان يبدو متجهماً لسبب مجهول، ولفت انتباهي أن أحداً من الأسرة لم ينطق بكلمة منذ جلسوا، أخذت أتابع فقرات الفرح على شاشة قريبة من الترابيزة، يومها أحيا عمرو دياب الفرح، وحضر محمد فؤاد وغنى مجاملة للأستاذ محمود وزوجته شهيرة، وكان التنافس بين عمرو وفؤاد وقتها على أشده، وكنت من حين لآخر أختلس نظرة إلى شركاء الترابيزة فأجدهم عازفين عن الفرجة على الشاشة، وغير متفاعلين مع ما يجري في القاعة، فغلب على ظني أنهم من أقارب العريس أو العروسة، وأنهم غير راضين عن الجوازة لسبب أو لآخر، ولذلك اختاروا المقاومة بالصمت والعبوس.

خلال تجواله بين الترابيزات لتحية الحضور، انتبه الأستاذ محمود ياسين إلى وجودي في الترابيزة المحدوفة في آخر القاعة، فجاء بمنتهى اللطف والكرم لتحيتي، فانتفض جميع أفراد الأسرة للسلام عليه، واختفى العبوس من على وجوههم، وحرص الأب بعد أن عانق محمود ياسين بحرارة، على أن يتأكد من قيام مصور الفرح بالتقاط صورة لمحمود ياسين مع الأسرة، وكان الأستاذ محمود كعادته في غاية اللطف والود مع جميع أفراد الأسرة، وقبل أن يغادر الترابيزة ليواصل الترحيب بالضيوف، ذكرني بموعدنا الذي كان قد تأجل لانشغاله بترتيبات الفرح، حيث كان يفترض أن أواصل التسجيل معه لحوار كنت أكتبه لإحدى الصحف العربية، وأن أطلعه على مشروع سيناريو كان قد تحمس لقصته، وكان يرغب في أن يواصل به عمل شركته للإنتاج التي كان قد بدأ نشاطها بفيلم (قشر البندق) للأستاذ خيري بشارة، والذي بدأ ممثلوه الثانويون وقتها طريقهم نحو النجومية الساحقة.

بلال فضل مع محمود ياسين

حين توقف الغناء وفُتِح البوفيه، اقترب مني رب الأسرة الذي كانت معاملته لي قد تغيرت بعد مجيئ الأستاذ محمود إلى الترابيزة، وطلب مني أن آخذ بالي من الكراسي، لكي يتاح لجميع أفراد الأسرة الذهاب سوياً إلى البوفيه، وحين رحبت بذلك، عرض علي أن يقوم بإحضار طبق لي من البوفيه، فشكرته وقلت إنني أفضل الذهاب إلى البوفيه بنفسي ولكن بعد أن تخف الزحمة، فنظر لي بابتسامة مشفقة على جهلي بآداب البوفيه، وانطلق إلى البوفيه بصحبة زوجته وولديه، وبعد فترة عاد كل منهم يحمل في يده طبقين مكتظين بتشكيلة من المأكولات، ولم أتمالك نفسي من النظر إلى مكونات الأطباق التي اختلط فيها المشوي بالمحمرّ، وبدا لي أن الأسرة مهتمة بشكل خاص بالبروتين الحيواني بكافة أنواعه، حتى ظننت أنهم يقومون باتباع وصفة الدكتور (أتكينز) في الريجيم، والتي كانت موضة وقتها، قبل سنوات من ظهور (الكيتو دايت)، وإن كانت الأم للأمانة قد قررت أن تلطف ازدحام اللحوم في طبقيها بقليل من المحشي والسوتيه.

كان ملفتاً بالنسبة لي أن أحداً من أفراد الأسرة لم ينشغل ولو للحظة بنظرات بعض الجالسين على ترابيزة مجاورة لأطباقهم التي امتلأت وفاضت بما فيها، بادئين في التعامل مع الأطباق بطريقة ممنهجة فور جلوسهم، وحين طلبت من الأب أن يأخذ باله من الكرسي حتى أعود من البوفيه، هز رأسه وهو يواصل الأكل بنَهَم، لأفهم سر ابتسامته الساخرة حين وصلت إلى البوفيه الذي كان المسؤولون عنه قد بدأوا في إنزال دفعة إضافية من بعض الأصناف التي تم نسفها، في حين تبقت في ركن من البوفيه أشلاء خروف وبقايا ديك رومي ضخم محاطة بقليل من الرز والخضروات، وربما لم يشأ مسؤولو البوفيه الإسراع بإبعادها، لكي يثبتوا للمتأخرين في الوصول إلى البوفيه أنهم عملوا الذي عليهم وزيادة، وأنهم ليسوا مسؤولين عن سوء توقيتهم.

حين عدت من البوفيه بالقليل من المتاح، رأيت مشهداً لو حكاه لي أحد لما صدقته إلا إذا حلف لي على المصحف، رأيت الأم وقد أخرجت كيساً عملاقاً من حقيبتها التي كانت كبيرة بشكل ملفت، وبدأت تضع في الكيس ما تبقى في الأطباق، وقد كان ما بقي في الأطباق كثيراً برغم ضراوة أفراد الأسرة في التعامل، وحين رأى الأب أنني أنظر إلى ما تفعله بذهول، صوّب نحوي نظرات مستنكرة، فأشحت بنظري، ووضعت طبقي وبدأت في الأكل، وأنا أحاول فهم ما يجري حولي، فقد كان أقصى ما يخطر على بالي في التعامل الشرس مع بوفيهات الأفراح، ما رأيته في فيلم (اللعب مع الكبار) حين قام بطله حسن بهنسي بهلول بتعطيل المعازيم عن الوصول إلى البوفيه، لينفرد بخيراته قبل أن يتضح أنه متطفل على الفرح، لكنني قلت لنفسي إن دخول متطفلين إلى فرح كهذا يعد في حكم المستحيل، وأن جيراني النّهمين ربما كانوا يقومون بتصفية حسابات عائلية مع أسرة العريس أو أسرة العروسة، ولذلك تعاملوا مع البوفيه كتخليص لحق قديم، تمنيت لو أتيحت لي الفرصة لكي أسأل عنه.

بعد قليل عاد الأب من زيارة جديدة للبوفيه حاملاً طبقين يمتلئان بالحلويات، ومن خلفه ابنه حاملاً طبقين (أم علي)، فاتضح أن الأسرة لم يكن لديها موقف ضد الكربوهيدرات، وأن اختيار البروتينات كان استراتيجياً لمنع ملء الأطباق بما يملأ البطون على الفاضي، ويصعب أخذ بقاياه في الكيس، لكن الأم والشهادة لله لم يكن لديها ثقل على الحلويات، لذلك اكتفت بتنقية الفستق من قلب قِطَع "البورمَة"، وضَرَبت ملعقتين من طبق أم علي، ثم استعجلت زوجها لكي ينهي اشتباكه الطويل مع أم علي التي يبدو أن الولدين لم يفهما فكرتها لأنهما كانا غربيي الهوى، وبعد أن انتهى الجميع من التحلية، قاموا من على الترابيزة، واتجهوا نحو باب القاعة دون أن يقوم الأب بتحيتي أو النظر لي، وهو ما اعتبرته موقفاً من نظراتي المتطفلة سابقاً، لأسلي وحدتي بتخيل خلفية هذه الأسرة وعلاقتها بأي من العروسين، وسر جرأتها في التعامل مع البوفيه والفرح والمعازيم.

أكملت أكلي، ثم قمت لزيارة بوفيه الحلويات فوجدته خاوياً على صوانيه، لكنني وجدت بعض الفاكهة المتبقية من المجزرة، فجبرت بخاطرها، وعدت بها إلى الترابيزة، وبعد أن أنهيت أكلها، وجدت يداً تربت على كتفي، وسمعت صوت الأستاذ محمود ياسين وهو يقول لي بلطفه الدائم: "أمال راحوا فين ضيوفك؟"، ولم أفهم سؤاله إلا حين رأيت نظراته المتجهة نحو الأطباق الكثيرة الممسوحة عن بكرة أبيها والتي تملأ الترابيزة، والتي قرر عمال القاعة أن يتركوها كما هي لتكون شاهدة على ما جرى.

بعد أن قلّبت سؤال الأستاذ محمود في دماغي وفهمته، انفجرت في الضحك، ونظر لي الرجل الجميل مستغرباً، وانتظر حتى استطعت تمالك نفسي من الضحك، لأقول له إنهم ليسوا ضيوفي ولم أر أحداً منهم من قبل، فقال لي باستغراب: "والله ولا أنا"، واتضح أن أحداً سأله عنهم، ربما بعد أن رأى حمولتهم التي قدموا بها من البوفيه، فقال له الأستاذ محمود إنهم تبعه، وكان يقصد بذلك أنهم ضيوفي، ولذلك اعتبرهم ضيوفه على الفور، وأنا شعرت بالحرج لأني ساهمت دون قصد في تلك التدبيسة، فحاولت أن أفسر للأستاذ محمود أنهم ربما كانوا من نزلاء الفندق، ولذلك دخلوا القاعة دون دعوات في غفلة من أمنها، لينظر الأستاذ محمود إلى الأطباق الممسوحة عن بكرة أبيها ويقول بصوته المميز: "بس الحمد لله واضح إن الأكل عجبهم جداً"، لنتشارك سوياً في الضحك، لكنني قررت أن أحتفظ بحكاية الكيس البلاستيك لنفسي، حرصاً على الصورة الذهنية للأسرة، التي سألت الله لها السلامة في غاراتها القادمة على المزيد من البوفيهات.