عُرس لم يكتمل

07 ديسمبر 2020
+ الخط -

وقف العم عبد الهادي في دار بيته الواسعة وسط القرية، وكان برفقته ابنه إبراهيم وابنتاه الكبيرتان صالحة وحصّة، حيث قدموا في التوّ من المدينة بعد قضاء ساعات طويلة هناك لأجل التسوق من متاجرها وشراء ما يلزم من ألبسة وبعض الاحتياجات الضرورية، لزوم تجهيز حصّة وزفافها لعريسها نايف الذي انتظرته سنوات.

وسبق أن خطب نايف حصّة منذ فترة بعيدة، إلّا أنّه وبسبب ظروف قاهرة حالت في وقتها من إكمال عقد القران نتيجة الأوضاع المادية المزرية، وضيق ذات اليد التي كان يُعاني منها نايف، الطالب الجامعي الذي كان يدرس علم الاجتماع في جامعة دمشق في سنته الثانية، ونتيجة الواقع المؤلم الذي كان يعيش فضّل السفر إلى خارج القطر بعد أن أوقف دراسته، واللحاق بركب المسافرين لتحسين وضعه المعيشي، وإنجاز مهمّة كان قد بدأها بإكمال عقد زواجه من قريبته حصّة التي يُحبها، ما دعاه إلى التردّد إلى أبواب السفارات في العاصمة بهدف الحصول على تأشيرة سفرها.. وبعد جهد جهيد تمكّن نايف من الحصول على تأشيرة سفر إحدى الدول الأجنبية والتوجّه إليها، وقضاء سنوات من عمره حتى تمكن من توفير مهر عروسه التي كانت تنتظر قدومه، ليعقد عليها تحت مرأى أهل القرية التي يعيش فيها مع أهله وأصدقائه.

أيام وتعقد الأفراح التي طال غيابها في القرية، وقد استعد شبابها للاحتفال بعرس صديقهم نايف الذي يحبونه وفرحوا أيّما فرح بخطبته، وها هم اليوم يشاركونه فرحته بالزواج من ابنة خالته حصّة التي تصغره بست سنوات.

كان عبد الهادي، والد حصّة، من الرجال الأشداء.. عصبي المزاج، سريع الغضب والانفعال، وإن كان طيّب القلب. فهو لا يعرف أحداً عندما يستشيط غضباً، ما يعني أنّه لا يمكن لأي كان، سواء من أقاربه، أو حتى أصدقائه أو جواره أن يوقفه عند حدٍ معين، فالكل يقف منه موقف المتفرج حيال أي مشكلة تعترض طريقه، فهو يقوم على حلها بنفسه ولا يحب أن يتدخل أحد فيها مهما كانت صغيرة وتافهة. إنّه رجل ذو بأس شديد، وتصعب معاشرته!

وصل عبد الهادي بصحبة ابنه وابنتيه الاثنتين إلى القرية قادمين من المدينة التي ذهبوا إليها مع إشراقة شمس الأصيل، وقضوا فيها ساعات وهم يتنقلون من محل إلى آخر لإنهاء مهمتهم واللحاق (بالبوسطة).. واسطة النقل الوحيدة العاملة على خط سير القرية التي يقيمون فيها.. وهي السيارة التي يعتمد عليها أهالي القرية في السفر فيها إلى المدينة، وفي حال فاتهم موعد سفرها المحدد التي تنطلق فيه من المدينة باتجاه القرية التي يقيمون فيها، فهذا يعني بقاءهم في شوارع المدينة بلا مأوى، لا سيما أنه لا يوجد لهم أي قريب يمكنهم المبيت عنده لليوم التالي، ما يجعلهم يُعجلون الخطى في إنهاء شراء ما يلزمهم بسرعة قصوى للحاق بركب (البوسطة)، السيارة التي تقوم بنقلهم إلى مكان إقامتهم، وإلّا فاتهم الموعد المحدّد لها.

وبعد أن انتهوا من شراء ما يلزمهم توجهوا بسرعة إلى المكان الذي تقف فيه السيارة التي ستقلهم إلى القرية، آملين الوصول إلى دارهم قبل غروب الشمس. وبعد أن حطوا رحالهم في أرض بيتهم، مع بضاعتهم التي اشتروها لجهة زواج حصّة بنت العشرين ربيعاً، دخل عليهم جارهم فواز إلى الغرفة التي يقيمون فيها، وكان الطقس في وقتها حارّاً جداً، والمروحة الكهربائية الوحيدة التي يملكها عبد الهادي كانت معطلة تماماً، أضف إلى ذلك انقطاع الكهرباء.

كان عبد الهادي في موقف لا يحسد عليه. كان بادياً عليه التوتر بسبب الطقس الحار، ووقف أهل بيته صامتين تجاهه خشية البوح بأي كلمة أو أي تصرف مشين قد يبدر من والدهم، ما دفعهم إلى الخروج من الغرفة التي يقيم فيها، وتوجه كل واحد منهم إلى المكان الذي يُفضله.. وفي هذه الأوقات الحرجة دخل الغرفة جارهم فواز وبيده سيجارته اللعينة التي يكرهها عبد الهادي، وبعد أن تبادلا التحيات، بدأ فواز بطرح الأسئلة المبطنة الخبيثة. أسئلة كثيرة مثيرة للجدل لم يرتح لها عبد الهادي الذي طلب منه التوقف عنها في أكثر من مرة، وإرجاء ذلك إلى وقت آخر.. إلا أنّه استمر في إلقاء الأسئلة التي تركت صداها بالنسبة إلى عبد الهادي الذي قام بدوره، من شدّة غضبه وانفعاله، بطرد جاره، بعد أن وجه له عدداً من الكلمات النابية، وهذا ما دعا جاره للخروج بكل هدوء من الغرفة التي لم يمكث فيها طويلاً، والتوجه إلى بيته احتراماً لشخصه وتحسباً من حدوث أيّ مشكلة قد تحدث هو بغنى عنها. وهذا لم يشفِ غليل عبد الهادي، بل إنّه خرج من غرفته واستمر في إلقاء الكلمات المهينة بحق جاره الذي لم ينبس ببنت شفة، وقال له:

ـ عيب عليك يا رجل. أنت إنسان بالفعل لا تخجل من كلماتك. أرجوك رجاءً حاراً عدم التدخل في ما يخصني. أنا رجل حر في زواج ابنتي من عدمه. سأزوجها لمن أحب. هذا (مو شغلك).!.

وردد عبد الهادي بنرفزة حادّة كلمات قبيحة خرجت من فمه:

ـ اتركنا من (سوالفك)، وتصرفاتك. أنت بالفعل رجل خرف!.. لعنك الله ولعن كل من (جاورك). اخرج من بيتي لا أريد أن أراك فيه مرةً ثانية هنا، وأتمنى ألا تزورني في المرات القادمة مهما كانت الظروف التي أمر بها، حتى لو سمعت بموتي، وهذه وصيتي لأولادي من بعدي. أنت رجل نحس، وحشري وإنسان بغيض، وما تستحي!.

هكذا كانت ردّة فعل عبد الهادي على جاره فواز الذي تدخّل في زواج ابنته، ووصف عريسها بكلمات لا تليق به. فأكد عليه أنه إنسان غير مرغوب فيه. إنّه صاحب سوابق، وله علاقات مشبوهة مع أشخاص يقومون بين فترة وأخرى في فك وكسر وسرقة المحال التجارية في المدينة. لا يغرّك كلامه اللطيف معك. يمكنك السؤال عنه.

هذا حديث فواز لعبد الهادي الذي على ضوئه استشاط غضباً، وطرده على أثره من بيته، ظاناً أنّه سيخلف عبد الهادي بوعده ويفسخ عقد زواج ابنته من نايف، التي انتظرت طويلاً أملاً بالزواج من الإنسان الذي تحبه وترغب فيه.. والمعروف بأخلاقه الطيبة ومدى تحليه بالرقّة وبالبساطة، وخفّة دمه، فضلاً عن حبّه لعمله، واجتهاده في دراسته.

سمعت حصّة صوت والدها العالي الذي وصل إلى عدد من بيوت القرية المجاورة لبيتهم.. فأسرعت في تهدئته، لا سيما أنّه كان يودها جداً، وهي الابنة الوحيدة من بين أفراد أسرته التسعة التي يحترم كلمتها، ولم يسبق له أن كسر بخاطرها يوماً، أو ردّ لها طلباً ما.

 وبعد أن هدأ عبد الهادي من غضبه، أرسل في طلب عريس ابنته، وطلب منه أن يُعجل في الزواج منها خلال الأيام العشرة القادمة، وأن يقتصر الاحتفال بالعرس تحسباً من أي طارئ قد يحدث لا سمح الله، والعودة إلى ساعة الصفر.

بدأ نايف استعداده تحضيراً للزواج، وبترتيب ما يمكن بإرسال الدعوات إلى جميع المعارف والأقارب والأصدقاء لحضور حفلة الزفاف، والتي تسبقها وليمة العرس التي حضّر لها بشكل جيد، وإن كانت مكلفة جداً، وهذا ما يتطلب جهوداً مضنية لقاء تجهيزها، وهي ما تعرف (بالصُبحة).

توافد المعارف والأصدقاء إلى حضور العرس في ليلة من ليالي الصيف المقمرة.. وكان الناس فرحين بزواج العريسين بعد انتظار طويل على خطوبتهما، وبينما كانت حفلة الدبكة عامرة على أشدّها، والحضور مبتهجين بالعروسين، أطلق فالح ابن عم فواز، شاب في الثالثة والعشرين من عمره، طلقة من بارودة صيد كانت بيده باتجاه نايف أرداه قتيلاً، فصعق الحاضرون من هذا التصرف الأرعن، وفرّ فالح هارباً فلحق به بعض شباب القرية وأمسكوا به.

حاول الحضور إسعاف نايف الشاب الوسيم، ابن الستة والعشرين عاماً، إلّا أنّه فارق الحياة، وما كان من حصّة سوى الإمساك بمسدس والدها الذي كان قريباً منها، وأطلقت النار على فواز الذي كان حاضراً الحفلة، وفارق الحياة هو الآخر نتيجة هذا الموقف الذي لم يشف غليلها إلّا برد الدين إلى جارهم الخبيث الذي هو من أشعل فتيل الفتنة .. وعلى أثر ذلك دخلت حصّة السجن، بعد أن فارق خطيبها الحياة كما فارق فواز الحياة هو الآخر، ودخول فالح الذي غرّر به السجن، وما كان على عبد الهادي الرحيل إلى خارج القرية التي يقيم فيها امتثالاً لعادة الثأر التي لا تطفئها إلّا الرصاصة القاتلة، انتقاماً لروح العريس نايف الذي قتل ولحق بالدار الآخرة، بدون ذنب اقترفه...

دلالات