عن ومن تحولات الأستاذ إبراهيم عيسى (1/2)

12 أكتوبر 2020
+ الخط -

أرسل لي صديق تغريدة مضحكة مبكية كتبتها إحدى متابعات الكاتب الكبير الأستاذ إبراهيم عيسى، تتهمه فيه بأنه أعاد الحياة إلى السلفيين والإخوان قائلة: "بأمارة دفاعك عن السيد بلال مفجر كنيسة القديسين وتكذيب حبيب العادلي لما قال إنها خلية إخوانية حمساوية، ده غير مساعدتك الكثير من الإخوان للنجومية ككتاب في جورنالك: بلال فضل والمخزنجي وعمر طاهر و.. مش كفاية كده، صدقناك فكذبت".

لم أستغرب مثل هذه التغريدة التي لا تعبر عن شخص بمفرده، بل تعبر عن عقليات الكثير من الأشخاص الذين تأثروا بمناخ التخوين والتكفير الوطني، الذي ساهم في صنعه كثيرون خلال السنوات الماضية، وكان على رأسهم للأسف الأستاذ إبراهيم عيسى بمقالاته وبرامجه التلفزيونية والإذاعية، حيث كان عقب إطاحة حكم جماعة الإخوان في 2013 من أوائل من تبنوا وروجوا لاستخدام تعبير "الطابور الخامس" في وصف المعارضين لما جرى في مصر منذ لحظة التفويض اللعينة، وله في ذلك الصدد مقالات ومقولات مؤسفة يشق تذكرها على من يحبون كتابته ويعترفون بإنجازاته الصحفية والإعلامية ويقدرون مواقفه المشرفة.

وأزعم أن أغلب هؤلاء يتمنون لو اعتذر عن كثير مما كتبه وقاله منذ تلك اللحظات الكريهة وحتى الآن، لأن إسهامه في دعم نظام عبد الفتاح السيسي كان له تأثير بالغ على كثير من مؤيدي ثورة يناير الذين صدقوا أكذوبة أن عبد الفتاح السيسي سينقذ مصر، ولا زلت أحتفظ ببعض الرسائل التي يقول لي فيها بعض هؤلاء إن علي أن أتعلم الوطنية من أستاذي وصديقي، بدلاً من أن أمارس خيانة الوطن برفض صناعة طاغية جديد وإدانة ما يجري من قمع دموي في حق الإخوان، حتى ولو كانت إدانة من باب "أُكلت يوم أكل الثور الأبيض"، وقد اعتذر لي بعض هؤلاء الأصدقاء بعد أن وقعت الفأس في الرأس، لكن الأستاذ إبراهيم عيسى لم يعتذر لنفسه ولا لقرائه حتى الآن.

سأكتفي هذه المرة بتذكيره بما سبق أن كتبه عن إدخال الدين في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وهو جوهر الرؤية التي تتبناها تيارات الشعارات الإسلامية، والتي تقول دائماً إن نصر أكتوبر لم يتحقق إلا بفضل رجوع السادات إلى الدين

المضحك المبكي أن تلك المواطنة كتبت سطورها المتّهِمة للأستاذ إبراهيم تعليقاً على تغريدة كتب فيها ما نصه: "تحقق النصر في ستة أكتوبر 73 حين لم يكن في مصر سلفيون يكفرون البلد وكان قيادات الإخوان في السجون أو هاربين خارج البلاد وكانت الجماعة نفسها عدة عائلات متناثرة تخفي ولاءها الإخواني. حين تمكن السلفيون من مصر وعاد الإخوان فيها وإليها كان القتل والدم والاغتيال في 6 أكتوبر 81"، وكعادة الكثير مما يكتبه الأستاذ إبراهيم، لست في حاجة لأن تبذل مجهوداً للرد عليه، بل عليك أن تطلب من الأستاذ إبراهيم نفسه أن يرد على نفسه، وهو ما فعلته حين قمت باستخدام شهادته التي تتهم مبارك بقتل المتظاهرين أمام النائب العام عقب إطاحة مبارك في 2011 للرد على شهادته المخزية المبرئة لمبارك من تهمة قتل المتظاهرين، ونص المقالة التي تحمل عنوان "من أقوالكم سلط عليكم" موجود على بوابة الشروق الإلكترونية لمن أراد.

لن أذكّر الأستاذ إبراهيم عيسى بالمقالات الملحمية التي كتبها في مديح جماعة الإخوان في صحيفة (الدستور) قبل خلع حسني مبارك بسنوات، وهو مديح كان يحمل الكثير من المبالغة والانحياز، وسأفترض أنه اكتشف الآن الحقيقة التي كان يجهلها قديماً عن الإخوان، مع أنه سبق وأن كتب عنهم الكلام الذي يدينه بهم الآن، في مقالاته في مجلة (روز اليوسف) في النصف الأول من التسعينات، وفي صحيفة (الدستور) في إصدارها الأول، لكنه على ما يبدو نسي تلك المقالات في الإصدار الثاني من (الدستور)، وتذكرها الآن.

لذلك سأكتفي هذه المرة بتذكيره بما سبق أن كتبه عن إدخال الدين في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وهو جوهر الرؤية التي تتبناها تيارات الشعارات الإسلامية، والتي تقول دائماً إن نصر أكتوبر لم يتحقق إلا بفضل رجوع السادات إلى الدين، ورفعه لشعار (الله أكبر) في مواجهة إسرائيل، وهو رأي أختلف معه بالكامل، وسبق أن كتبت عن هذا الموضوع من قبل في مقالة بعنوان (الملائكة لم تحارب معنا في أكتوبر)، ستجدها إن أردت على موقع "العربي الجديد".

في كتابه (اذهب إلى فرعون) الصادر عن مكتبة مدبولي يقول الأستاذ إبراهيم في صفحة 46: "لكن هذا كله يعني عندي خطأ ولعله جريمة إخراج أو استبعاد الدين من أسباب وحسبة الصراع مع إسرائيل كأننا نخشى دخول الدين المعركة حتى لا نوصم بالأصولية، رغم أن المعركة كلها تقف على أعمدة الدين الذي قد أرادها هكذا وأسنها كذلك هم اليهود مثلما يملكون تماماً الأسلحة النووية والذرية ويهددون بها العرب ثم يرفضون ويحاربون من أجل ألا يمتلك العرب سلاحا نوويا، إنهم يحاربون باليهودية ثم يصرخون لو حاربتهم بالإسلام، والمؤسف أن بعضنا يصرخ معهم دون أن يدرك الفاصل الهائل بين الدين كسلاح احتلال وعنصرية عند اليهود والدين كسلاح مقاومة وعدل عند المسلمين".

بعدها بثلاث صفحات يضيف الأستاذ إبراهيم عيسى قائلاً: "المؤكد أن الدين هو الذي يجعل هناك سلاحاً خالداً للنصر، لقد مات العرب صمتاً تقريباً حتى دخل شارون المسجد الأقصى، ولقد أنقذ الدين فلسطين من الضياع في كامب ديفيد حين لم يقدر كائن من كان أن يفرط في القدس والأقصى"، وفي صفحة 325 يكرر في مقالة أخرى نفس الفكرة قائلاً: "المهم أن هذه المعركة كما ينبئ بها الحديث ليست معركة وطنية ولا قومية، إنها معركة دينية" في مقالة أفردها للحديث عن حديث "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود".

ثم يختم الأستاذ إبراهيم حديثه بسطور تشعر أنها مقتبسة من إحدى مقالات الدكتور محمد عباس التي كان ينشرها قديماً في صحيفة (الشعب)، يقول فيها بالنص: "يبقى أن نشير بكل امتنان مذهل للحركة الإسلامية الساطعة في فلسطين، لكن المعركة لنصرة فلسطين ليست حكراً على جماعة أو فريق، والنصر قادم بإذن الله بتحالفنا جميعاً وإيماننا كلنا وراية الإسلام الدين والحضارة ترفرف فوقنا جميعاً وتحتها رايات الحق والعدل والعروبة والإنسانية، والصيحة الصحوة هي الإيمان المطلق بأن المعركة تدور اليوم ولا تنتظر يوم القيامة والحرب ضد إسرائيل هذه الساعة وليس يوم قيام الساعة".

...

نكمل غداً بإذن الله.