عن معاداة المجتمع والحكايات الكبيرة وأفضل الشعر

30 سبتمبر 2020
+ الخط -

ـ "يُشيِّد المرء حكايات كبيرة، هذا هو الواقع، وفي وسعه أن يستمر سنيناً، وهو مؤمن بها، غير عابئ كم هي جنونية ومخالفة للحقيقة، إنه يحملها على كاهله، وحسب. بل إننا نفرح بأشياء من هذا القبيل. نفرح، ونحسب أن ذلك لن ينتهي أبداً، ثم يوما ما يحصل أن يتهشم شيئ، في قلب وسيلة التحايل الرائعة، تاك، دونما أي سبب، يتهشم فجأة وتظل أنت هناك، دون أن تفهم لماذا تلك الحكاية الخيالية لم تعد فوقك، بل أمامك، كما لو أنها حماقة شخص آخر، وهذا الآخر هو أنت، تاك. في بعض الأحيان، يكفي لا شيئ، حتى مجرد سؤال واحد، إذ يبرز إلى السطح، يكفي هو أيضاً."

من رواية (البحر المحيط) لـ ألساندرو باريكّو ترجمة أمارجي

ـ "كل الشعر الذي أعرفه والذي لا أعرفه، والذي لم يُكتب بعد، لكنه سيكون أفضل الشعر عندما يُكتب، في العالم الذي تشرق عليه الشمس وتغرب كل يوم، ويذهب الناس لعملهم في صباحه دون أن يفكروا في الانتحار، وتعبر فيه القطط الصغيرة الطرق السريعة سالمة، ويكتب مراهقون القصائد الرديئة لزميلاتهم في الدرس، وتُغير الأهداف في الوقت بدل الضائع كل شيئ، وينجو طالب من الرسوب بفرق نصف درجة دون أن يعرف، ويجد رجل عجوز مقعداً خالياً من المترو من أول محطة، ويكتشف ثالث أن إمام المسجد الجديد له صوت عذب هادئ، والمطر الذي لم يتوقعه أحد، وكل الأشياء الجميلة بشكل عام التي لا أعرف أنها موجودة، والخيل والليل والبيداء، والسيف والرمح والقرطاس والقلم، كل هذا يخطر لي عندما تمرين أمامي، وبدلاً من أن أقول لكِ شيئاً..
أرتبك
وأمثل أني مشغول بهاتفي
كأنه أروع شيئ في العالم" 

من كتاب (صبار) لـ فريد عمارة

ـ "قضيت فترة من الزمان أعيش أحلاماً عظيمة فأتخيل نفسي محققا مكاسب غريبة وباستمرار.. انتكاسات كبيرة وفقدان للحماس يجعلاني أضع قدمي على الأرض، ففي الانتكاسات توجد لحظات سعادة عظيمة (مرة أخرى المشرط الذي يجرح ويشفي في نفس الوقت) فعندما أكون مقتنعا بأنه إذا لم يكن عندي ما أخسره، فأنا أستطيع أن أخاطر بكل شيئ، مثل هذه الأحلام عادة توجِد علاقة بالمشروعات الروائية، فعند تخيل هذه المشروعات تكون المتعة شديدة تقضي على أية إمكانية لإنجازها، فيجب عليّ دائما أن أقي نفسي من هذا، فتوجد حكايات تقتحمني، تملأ ليلي ونهاري دون الوصول إلى شيئ، ودون أن تتحول لشيئ، ودون الشعور بأنها مناسبة".

من رواية (العالم) لـ خوان خوسيه مياس ترجمة شيرين عصمت

ـ "خلاف معظم الهوايات لا تكلف الكتابة شيئاً يُذكر، فلا معدات لازمة ولا تقنيات معقدة ولا متطلبات خاصة، بل قلم وورقة، لوحة مفاتيح ونسخة أوفيس مضروبة، لذا فرُخص مدخلاتها يتناسب مع شح المكاسب. الكتابة رياضة شعبية، لا تعدك بالانضمام إلى فرقة أو فئة حصرية. الكتابة مع ذلك متطلبة، تهدر الوقت وتستهلك الجهد وتزيد التوتر وتأكل الأظافر وتعصر الذهن وتهرس المؤخرة وتثني الظهر.

الكتابة مفضوحة، مهما تستتر بالكنايات والتشبيهات واللغة المزركشة، تظل منفرجة عارية، وتظل ترى بكل تفصيل عيوبها وضحالتها. قلما استطاعت التخفي بين طيات المجاز متعدد المعاني، أو الجماليات حمالة الأوجه. الكتابة جبانة، يتسربل بها العاجزون عن التحدث، الجبناء وبطيئو التفكير والإدراك، منعدمو البديهة والفطنة والتلقائية، وثقيلو الظل والمتلعثمون والبلهاء، حتى إن سقراط الذي كان يبغض الكتابة يقول عنها إنه: "مع الكتابة لن تصبح المعرفة حكراً على المتعلمين، بل مرتعاً للعامة، سوف يتساوى بسببها الجميع ولن تدرك الفصيح من الأبله". الكتابة ضيف ثقيل لا يتحرك مع الزمن بخفة ورشاقة، بل يظل متلقحاً أمامك حتى تدرك كل خيباته. الكلمة نهاية، ينقضي فور نطقها كل خيال."

من رواية (أحمر لارنج) لـ شارل عقل

ـ "وفقاً لأفلاطون، نحن لا نتعلم أي شيئ، روحنا سبق وأن عاشت حيوات عديدة جعلتنا نعلم كل شيئ، المعلمون والتعليم فقط يذكرونا بما كنا نعلمه أصلاً. بؤسنا. هذا القمع لعقولنا المنطقية هو مصدر للإلهام، الوحي. ملاكنا الحارس. المعاناة تأخذنا بعيداً عن عقلانيتنا لضبط النفس كي تدع القناة الإلهية تعبر من خلالنا.

... وفقاً لأفلاطون، نحن نعيش مسلسلين بداخل كهف مظلم. نحن مسلسلين لدرجة أن كل ما يمكننا رؤيته هو الجدران السوداء للكهف. كل ما يمكننا رؤيته هو ظلال تتحرك هناك. يمكنها أن تكون ظلال شيئ ما يتحرك خارج الكهف. يمكنها أن تكون ظلالاً لأناس مسلسلين أمامنا. ربما الشيئ الوحيد الذي يستطيع أي منا رؤيته هو ظلنا الخاص. كارل يونج يطلق على هذا "ظله يعمل". هو قال إننا لا نرى الآخرين أبداً. بدلاً من هذا، نحن فقط نرى جوانب من أنفسنا تنعكس عليهم. ظلال. انعكاسات. تواصلاتنا.

بنفس الطريقة التي يجلس بها الفنانون القدامى في غرفة مظلمة صغيرة ليتعقبوا مشهداً ثابتاً خارج النافذة الصغيرة في ضوء النهار الساطع.

الرسم عبر مشهد كاميرا.

المشهد ليس دقيقاً، يمر مقلوباً أو معكوساً، مشتتاً بمرآة أو بعدسات، يمر عبرها. إدراكنا الشخصي المحدود. جسم خبرتنا الضئيل، تعليمنا نصف المكتمل.

المشاهد يحكم المشهد، وكأن الفنان ميت. نحن نرى ما نريد، كيفما نريد، نحن فقط نرى أنفسنا. كل ما يستطيع الفنانون فعله هو أن يمنحونا شيئاً لننظر إليه".

من رواية (يوميات) لـ تشاك بولانيك ـ ترجمة أحمد مختار عاشور

ـ "تثقلها ذكرى السنوات الماضية، ذكرى بؤسها، تشعر في أعماقها بأنها محظوظة ككل الناجين من المجازر الذين يشعرون بأن حياة جديدة ولدت تحت جلودهم، لكن بعد فترة من الزمن يتحول هذا الشعور إلى مرض وكآبة مزمنة لأنهم نجوا وحدهم بينما منازل طفولتهم احترقت وجثث أحبتهم أصبحت وباءً. لا يكفي نجاتك لتكون محظوظاً بل تشعر بعطب حقيقي، لا ينجو منك أي شيئ، رغم أنك تتنفس وتأكل وتشرب، إنها رحلة تيه لا يمكن تقدير ألمها كما لا يمكن تلخيصها أو الحديث عنها بخفة".

من رواية (لم يصل عليهم أحد) لـ خالد خليفة

ـ "إن إحدى مزايا هذا العصر هي أنك لست مضطراً إلى أن تتحلى إلا بالقليل من البراعة، وتذكر هذا: لم يتبق هناك متلقون للبراعة في المجتمع. لست في حاجة إلا إلى القليل من البراعة والقليل من اللطف، وإذا زاد عن ذلك تثير الشبهات والغضب، ويربك النظام الذي يدير البلد، ذلك لأن آليات المجتمع مصممة على قياس الحمق والكسل، وإذا لم تكن هكذا في هذه الأيام يعني تعريفاً أنك معادٍ للمجتمع". 

من رواية (أُطفِئت الأنوار في بلاد العجائب) لـ د. بي. سي. بيير ترجمة أسامة منزلجي.