عن كشف الهراء وعلاج الإدمان ومعركة العمر

27 أكتوبر 2020
+ الخط -

ـ "على الجبل ترتفع قباب القلعة الصخرية العتيدة، حبلى بالإثم والزنازين، مآذنها الرفيعة ترتفع في السماء، توحي بالقسوة والجمال، بينما نمرق وسط التلال، الشريط الأسود يتلوى كالثعبان، وعلى يميني المدافن، والمقابر حيث يسكن الأحياء، صور في الذهن تمر سريعة في استعراض للتاريخ والحياة، مدينة تنمو كالعملاق، تبتلع الإنسان تسحقه تحت الحجر، والعجلات. أشعر بالضعف، والخوف. ماذا يستطيعه الإنسان في مواجهة الجبروت، أحياناً يبدو لي كالجدار المتين، وأحياناً كالسور الضعيف الهش، ماذا يستطيع الفرد أن يفعله في مواجهة القهر، الملايين وحدها هي القادرة على دحر الطغيان، ولكن متى تنتظم؟ ومتى تثور؟ كل يوم يمر يأتي بالهزائم، ويقوي الأخطبوط، معركة قد تستغرق العمر كله، وتنتزع أغلى التضحيات".

من رواية (الشبكة) لـ شريف حتاتة

ـ "عندما تنفجر المجاري، وتلفظ أقذارها،
يجب أن يستسلم طريقنا للروائح الكريهة، 
سوف يتجمع الأطفال مرفرفين دون جلبة، 
لكي يتراكضوا ويعبثوا بالقذارة، 
والآن يتقوّض المجتمع تحت قوانين مشابهة، 
يُلفظ الظُرف، والحقيقة، والعقل كالبول، 
وعندما يمتدّ المستنقع على أرضياتنا، 
لا نعود نُرى راكضين ولا عابثين: 
هذا الغياب للشغف يُنزل العار بزماننا، 
لذلك يناشدنا التاريخ أنت وأنا: 
أن اشهدوا! فلنشجب هذا الانحطاط المتهور، 
ولنمرح في آخر إفراز الإمبراطورية"

من رواية (أُطفِئت الأنوار في بلاد العجائب) لـ د. بي. سي. بيير ترجمة أسامة منزلجي

ـ "في سيارتي، المسّاحات الأمامية لا تطول الزجاج بكامله، الأركان دائماً تفلت منها، تماماً مثل قلبي، فيه مساحات مظلمة، دائماً تفلت مني، وتبقى مظلمة."

من كتاب (صبار) لـ فريد عمارة

ـ "مهمة صعبة ومتعبة هي مهمة جدولة الممنوعات، ووصف ما كان يجب أن يحدث ولم يحدث، والحديث عن السلبي وغير المفرح، لأن النثر سيكون عملاً مفجعاً، والكتابة ستعتبر مؤسفة ومرهقة، والروائي لا يستطيع أن يهرب من الحقيقة، ويخفي البشع والمحزن، ويخرج من هنا ليحقق المكاسب، ويقول إن دانيلو قد وضع كذا ليلوي كذا، وهو في الحقيقة قد اجتاز طريقاً مليئة بالحجارة والعثرات، ومشى على حافة الخطر، واجتاز رمال الصحراء، وعانى الجوع والعطش، وأُطعِم الخبز والماء: قليل من الخبز وقليل من الماء".

من رواية (حرب الأوهام) لجورجي أمادو ترجمة عوني الديري

ـ "في أحد أيام الثلاثاء الوحيدة في القاهرة، التي لم أعرف ماذا أفعل خلالها، بدأت بغير أمل في أي إنجاز جاد تدوين ما تيسر من هذه التجربة، محاولاً تسجيل سحر بعض هذه اللحظات، وبؤس بعضها بينما لا تزال حيوية، لحظات لم تستطع توثيقها أي أجهزة تسجيل أو كاميرات، ولم تثبت بغير هيئتها المكتوبة على أي شريط ذاكرة، ولكي أضع الأمور في نصابها وأتفحصها بتدقيق وأحللها، قمت بالنشاط الأكثر كشفاً للهراء، وهو الجلوس والكتابة".

من رواية (أحمر لارنج) لـ شارل عقل

ـ "إن كنت قد أردت أن أتخذ لنفسي خاتماً، لاخترت خاتماً منقوش عليه "لا شيئ يزول"، فأنا أعتقد أن لا شيء يزول إلا ويترك أثراً، وأن كل خطوة صغيرة نتخذها تؤثر على حياتنا الحاضرة وعلى المستقبل".

من رواية (حياتي ـ حكاية رجل من الريف) لـ أنطون تشيخوف ترجمة يوسف نبيل

ـ "ولكن لا يمكن أن يكون صحيحاً انتقاله من واقع إلى آخر، مستقلاً عن منطق الزمن. هذا مستحيل. أنت مصنوع من الزمن. وهو القوة التي تخبرك من أنت. أغمض عينيك واشعر به. إن الزمن هو الذي يحدد وجودك. ولكن هذا هو المهم، أنه يتراكب ويتسرب، بصورة ما إلى مواقع أخرى من الوجود، إلى حيوات زمنية أخرى، وهذا أحد أوجه حيرته وألمه.... لعل الفكرة هي أن ننظر إلى الزمن بطريقة مختلفة" تقول هذا بعد قليل، "أن نوقف الزمن أو أن نطيله أو نفتحه. أن نصنع حياة ساكنة حية، وليست مرسومة، وحين يتوقف الزمن، نتوقف نحن أيضاً. نحن لا نتوقف، لكننا نتعرى، نصبح أقل ثقة في أنفسنا، لا أدري في الأحلام أو خلال الإصابة بالحُمّى الشديدة أو تحت تأثير المخدرات أو الشعور بالانقباض، ألا يبطئ الزمن إيقاعه أو يبدو أنه قد توقف. ماذا تبقى؟ من بقي؟".

من رواية (فنانة الجسد) لـ دون ديليليو ترجمة أسامة منزلجي

ـ "في جو الوفرة لا يجد المرء لنفسه عزاءً إذا عاش فقيراً على فتات الأرض، واللا جدوى هي أسوأ ما يمكن أن يعانيه إنسان، إنها تشبه وجودك في غرفة مظلمة في مكان موحش فلا تعرف ماذا تفعل ولا إلى أين تمضي، هكذا كان يفكر جيفاي الذي كانت متعته الخاصة أن يوقد مصباحاً صغيراً في تلك الغرفة".

من رواية (ظلال وأزهار) لـ بن أوكري ترجمة رعد زامل

ـ "لا وجود لحلول أحادية أو قصوى، لأنه لا وجود لحقيقة مطلقة أو نهائية. الأجدى هو التعامل مع القضايا بلغة البعد المتعدد والفكر المركب والعقل الجامع القادر على حشد الطاقات والتأليف الخلاق بين مختلف العناصر والقوى والفاعليات في مجتمع من المجتمعات، أتوقف هنا عند البعد الثقافي، لأقول بأن السعادة لا تُفرض على أحد، ولذا فالنظريات والنماذج التي نعتقد بأنها صالحة أو صحيحة، لا تثمر ما لم تتحول إلى ثقافة عامة، وما لم يتم تعديلها وإعادة إنتاجها من جانب من يقتنعون بها أو يتداولونها".

من كتاب (ما بعد الحقيقة: من تزييف الحقائق إلى خلق الوقائع) لـ علي حرب

ـ "مجرجراً أذيال الهزيمة، كالحيوان الذي شعرتُ بأني قد صرتُ إليه، عدتُ إلى البيت. لم أضطر إلى التفوه بحرف، إذ كان في وسع الناظر أن يقرأ على وجهي كل شيئ، ولا بد أن ما كُتب على وجهي كان يدعو إلى الرثاء، فبدلاً من التعنيف قوبلت بابتسامات ذاهلة وربتات على ظهري، مع أن شيئاً لم يخفف عني شعوري بالغم. أحسست وكأني اصطدمت بالجدار وأنا أسير بسرعة فائقة، فذهلت إلى حد أعجزني عن توصيف مشاعري، وعن فهم الوضع الذي أفضى إلى تلك الصدمة الهائلة، حاولت ترتيب أفكاري من أجل تشخيص الداء الذي أصبت به، التشخيص الذي نجح في التوصل إليه أحد أفراد أسرتي، لا أنا، حين طُرِحت المسألة على مائدة الحديث، فقال: "لستَ مدمناً على المخدرات، بل على الخراء".

السكوت علامة الرضا، وأنا اضطررت إلى السكوت. آلمني الاعتراف بذلك، على الرغم من صحته. لم أتحل بالجرأة اللازمة لسؤالهم كيف يُشفى المرء من تلك العادة؟ وما العلاج؟ وأين؟ ومن يستطيع مساعدتي؟ وفكرت أن الوقت قد حان لكي تبدأ البشرية في إقامة أمكنة متخصصة في علاج ذلك الداء بطريقة ما، إن لم يكن لها وجود بالفعل، ذلك أن الشيئ الذي كنت متأكداً منه أني لست الحالة الوحيدة، بل تُقدّر أعدادنا بالملايين، نحن "آكلي الخراء"، نحن الذين نضطر للتماثل إلى الشفاء في صمت، أو نحتضر بجرعة مفرطة من الخراء، كما جرى في مرات كثيرة جداً وعلى الرغم من ذلك، قلت لنفسي معزياً: "لا بد أن الاستفادة من كل هذا الخراء ممكنة، فهو يستخدم سماداً".

من رواية (روساريو) لـ خورخي فرانكو ترجمة مارك جمال