عن شجاعة، لكنها قابلة للكسر

15 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 17 نوفمبر 2025 - 12:52 (توقيت القدس)
+ الخط -

"من تابيراما". كانت تلك الجملة اوّل ما سمعته بصوت تانيا صالح، الفنانة المُتعدّدة المواهب، والتي "اكتشفتها"، بعد سنوات من رؤيتها تشارك بأداء غنائي "تصويري" لمسرحية زياد الرحباني "بخصوص الكرامة والشعب العنيد".

كانت تانيا تقف إلى جانب الكورال والأوركسترا الموسيقية في "الحفرة" التي أمام خشبة المسرح، والتي يعني وجودهم هناك أنّ الموسيقى في المسرحية تؤدّى "لايف"، وهو شيء كان قد أصبح نادراً نظراً إلى الكلفة المادية العالية على الإنتاج، لكن زياد كان يصرّ عليه لتمسّكه بالإتقان.  

كان ذلك في العام 1993، في مسرح البيكاديللي البيروتي العريق الذي شهد العصر الذهبي للمسرح اللبناني، والذي، للأسف، تأكل البراغيث والجرذان اليوم ما تبقى من ديكوره ومقاعده، كما تقرض حشرات الفساد وجرذان "التطبيع" مع العدو الهمجي البلاد بكاملها. 

كانت تانيا تؤدي، رفقة آخرين، تلك الجملة المأخوذة من إعلان تلفزيوني لمتجر سجاد وبياضات منزلية شهير، كان يُعرض بكثرة "مؤذية" لدرجة رسوخه برغم سخافته، في ذهنك، فلا يكفّ، نكاية بك وبذوقك الفني، عن تكرار نفسه إلى ما لا نهاية. استخدم مصمّم العمل زياد الرحباني الجملة بوصفه عنصراً من عناصر أخرى كوّنت "جو" المسرحية الذي "مثّل" المناخ "الثقافي" والاجتماعي والسياسي للزمن اللبناني الذي كانت تقدّم فيه المسرحية. 

لم أكن أعرف، كوني لم أكن في لبنان في تلك السنوات، أنّ تعاوناً، أو لنقل نوعاً من تبنٍّ، كان قائماً بين تانيا وزياد. فقد كانت الصبية قد أصدرت ألبومها الأوّل، غير المُعنون، والذي شارك فيه زياد بالعزف على البيانو في أغنية "خلّصو الدفاتر" بحسب ما عرفت فيما بعد. وبمعرفتي بزياد، يمكنني القول إنّه لم يكن ليقوم بمثل هذا التعاون، لو لم ير "شيئاً ما" في هذه الشابة الواعدة. ولقد كان على حقّ.

لا تستطيع تانيا صالح أن تُمتّع من دون أن تستمع، وهذا بالضبط ما تجلى في الكثير من أعمالها

جرت مياه كثيرة بين ذلك اليوم وبالأمس، حين أصدرت تانيا صالح، المغنية والملحنة وكاتبة الأغاني والرسامة ومصمّمة الفيديوهات والغرافيك (نعم كل هذا) ألبومها العاشر "قابلة للكسر"، تيمناً بالعبارة التي تلصق على بعض الأغراض حين نسافر، لتجنيبها "الخبيط" الذي يقوم به عمال شحن الحقائب. 

لكن، يبدو أنّ تانيا ألصقت العبارة على نفسها، حين قرّرت أن تهاجر من لبنان منذ حوالي السنة إلى باريس، بعد أن تعبت من انتظار أيّ قدر من الاستقرار في لبنان، تستطيع فيه مواهبها أن تزهر باطمئنان، فتمتّعنا بعد أن تمتّع نفسها. ذلك أنّ تانيا لا تستطيع أن تُمتّع من دون أن تستمع، وهذا بالضبط ما تجلى في الكثير من أعمالها. 

تكاد تانيا بهذا العنوان تقول للغربة التي أجبرت نفسها عليها: "ترفقي بي" ولا تعامليني بفظاظة فأنا هشّة كما البسكويت. 

في معظم ألبوماتها، تغني تانيا تقريباً كما تتحدّث بلغة اليومي، مع أصدقاء أو بائع الخضار أو السرفيس. لدرجة أنك لو كنت قد استمعت إلى أغانيها، ثم سمعت صوتها تكلّم أحدهم، ستعرف أنّها تانيا ولو كنت لا تعرفها شخصياً. 

لا تصنّع أو افتعال أو حتى جهد ظاهر في تصوّر كلام أغانيها، أو بالأحرى، هكذا يبدو كلام تلك الأغاني للمُستمع: منساباً بلطف كما لو كان حديثاً من صديق إلى صديق، ولو وقع أحياناً في فخ العادي بالمعنى السلبي، فالسياق والمكان في متن النص حسّاسان كثيراً. لكن المثابرة على التجريب تغفر تلك الهنات الهينات.

تستخدم تانيا صالح في شعر أغانيها العامية اللبنانية اليومية، وهذا جذّاب للأذن المحلية. لكن إتقانها للفصحى لا يقلّ براعة، لفظاً ومخارج حروف وكتابة شعرية.

وتانيا أيضاً من مدرسة زياد في الإخلاص للإتقان في هذه "الصناعة" الفنية، وأعني بذلك شقّها التقني. فتحاول أن تؤمّن للعمل أفضل الشروط عبر التعاون مع موسيقيين مُجيدين، أو استديوهات محترفة ولو اضطرت إلى السفر والتكلفة. هكذا فعلت مرّات عدّة مع ألبومات تعاونت فيها مع جهات نرويجية أو ألمانية وفرنسية كما مع ملحنين وشعراء عرب. ويعتريها القلق فتحاول أن تستشير من تثق بذوقهم وتذوّقهم للفن بكلّ تواضع وإنصات إلى آرائهم. 

تستخدم تانيا صالح في شعر أغانيها العامية اللبنانية اليومية، إن صح القول، وهذا جذّاب للأذن المحلية. لكن إتقانها للفصحى لا يقلّ براعة، لفظاً ومخارج حروف وكتابة شعرية.

هي من مدرسة زياد، ولكنها أيضاً ليست كذلك، تماماً كما يُفترض بمن ينتمي إلى هذه المدرسة. أي إنّها من تلك المدرسة التي تشجّع على "الشخصي" المختلف، وعلى استقاء الشعر وموضوعه من الحياة اليومية، ومن الناس العاديين، بلغتهم وتعابيرهم البليغة، ومشكلاتهم وجمالهم وبشاعتهم التي تصبح جميلة حين تُستخدم في سياق فني موفق. تكتب تانيا الشعر العامي، وتزيدك من الشعر بيتاً، فترسم لألبوماتها، إن كانت للأطفال، كما في ألبومها الأخير المُخصّص لهم "لعب ولاد زغار"، أو في أغانيها المُخصّصة للكبار كما فعلت في العديد من أعمالها وآخرها "قابلة للكسر". 

تتمرّد تانيا على الكليشيهات، جاعلة من نفسها عنصراً في تصميم جو الأغنية الذي يمنحها بعداً إضافياً بصرياً يعطي للفيديو كليب قيمته

اللافت في الفيديوهات المرافقة للأغاني، أنّها بعيدة كلّ البعد عن الكليبات السخيفة التي تستعرض "جمال" المُغنية أو تجميع كليشيهات الرومانسية الزائفة، كما في صور المغني وهو يمشي "سلو موشن" بجانب البحر أو عند "الفسق" على رأي عادل إمام. تتمرّد تانيا على الكليشيهات، جاعلة من نفسها، كما فعلت في مسرحية زياد التي أشرت إليها بداية المقالة، "أداة"، عنصراً في تصميم جو الأغنية الذي يمنحها بعداً إضافياً بصرياً يعطي للفيديو كليب قيمته. وهي كونها خريجة معهد الفنون الجميلة، لا توفّر أسلوباً فنياً يخطر ببالها إلا وتستخدمه: من المونتاج إلى الرسم وفن الخط، أو لصق الصور واللوحات بأسلوب الرسوم المتحرّكة. 

هكذا، تصبح فيديوهات أغانيها كما لو أنّها "عمل وحده"، وليست "ديكوراً" للأغنية. 

غامرت تانيا برسم طريق لها وحدها في زمن، كان يهيمن عليه الظلّ الهائل لزياد الرحباني على الساحة الفنية والذائقة الموسيقية والسياسية لجيل الشباب الذين كانت تانيا، واحدة منهم وتتوجّه إليهم في آن. 

ربما كان زياد يدرك ذلك. لهذا حاول أن يساعد الكثيرات والكثيرين من الموهوبين على الظهور، عبر تقديمهم في أعماله، تاركاً للجمهور أن يلاحظهم، خصوصاً من كانوا مثل تانيا، قادرين على قول شيء مختلف. 

واليوم، دارت الأيام، رحل زياد عن "بلاد تابيراما"، وهاجرت تانيا بعيداً. نجت بنفسها من اللازمة سيئة الذكر التي تصوّر ذائقة لا تنفك تتدهور. وها هي تغني للمطرح الذي تركته بكلام ولحن مؤثرين، يتردّدان في العقل مذ سمعت الأغنية. أما أنا فلقد انتهيت أسكن فوق المتجر الشهير شخصياً. 

ضحى شمس
ضحى شمس
كاتبة وصحافية لبنانية.

مدونات أخرى