عن سؤال الجدوى

01 ديسمبر 2020
+ الخط -

من حين لآخر أتلقى أسئلة عن جدوى الكتابة في الشأن السياسي، ولماذا لا أخصص كل ما أنشره في هذه المدونة وفي صفحتي على "فيسبوك" للفن والثقافة والتناتيش والنغابيش والكتابة عن الأفلام والكتب، وهي أسئلة مشروعة أتفهم دوافعها، لكنني أختلف مع سائليها بشدة، وإذا كانوا مصرّين على الإجابة فربما يجدون بعضاً منها في السطور التالية:

"بعضنا لا زال يحتاج إلى أن نصرخ في وجهه "إيه لازمة الغتاتة يا أخي؟".

تخيل أنني عرفت عنوان بيتك بشكل أو بآخر، وقررت أن ألبد لك أسفل بيتك لأنتظرك كل صباح وأنت تستعد للخروج إلى عملك ليرزقك الله كما يرزق الطير تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً، وفور مغادرتك لباب عمارتك أهبُّ أنا بكل غتاتة الدنيا ورخامة الكون لأقول لك "شغل إيه اللي إنت رايحه يا أخي.. إنت خدت إيه من الشغل.. هتستفاد إيه.. هي دي فلوس اللي بتاخدها.. وحتى لو كانت فلوس استفدت إيه بقى.. ما انت ممكن شركتك تقفل أو تطلع معاش مبكر أو يلفقوا لك بلوة ويودوك في ستين داهية.. بلاش ده كله ممكن دلوقتي تخبطك عربية أو يقع عليك تكييف أو ييجي لك وباء يجيب أجلك"، سأكتفي بهذا القدر من الغتاتة على أمل أن يكون قد وصلك المعنى الذي أرغب في إيصاله. لم يصلك بعد؟ طيب دعنا نكمل إذن، خلاص، لن أكمل عشان خاطرك، مع أن تعداد الكوارث التي يمكن أن تقع عليك في بلادنا الحبيبة أمر لا يحتاج إلى مجهود كبير.

هذه هي الكتابة بالنسبة لي، قد لا تهدم السجن، وقد تدخل صاحبها إلى السجن، لكنها ستظل دائماً وأبداً ثقباً في جدار الصمت، يُبقي حلم الحرية حيّاً لدى المساجين

ما كنت أريد أن أقوله لك بتلك الطريقة الغتيتة، هو محاولة استعطافك أن تعتقني لوجه الله من ذلك اللون من الغتاتة الذي لن ترضاه لنفسك، ومع ذلك ترضاه لي، أعني إذا كنت واحداً من الذين يقرأون ما أكتبه فيبادرون فور انتهائهم منه إلى المسارعة بإرسال رسائل من نوعية "ياعم انت بتنفخ في قربة مقطوعة.. دي بلد ما منهاش رجا.. انت بتتعب روحك على إيه.. ما فيش فايدة من الكلام اللي بتقوله.. ريّح نفسك كان غيرك أشطر"، وما إلى ذلك من الكلام السقيم الذي يظن من يكتبه أنه يلعب دور زرقاء اليمامة التي أحيطت علما ببواطن الأمور، فقرّرَت أن تساعد الحمقى من أمثالي لتوفِّر عليهم مشقة الكتابة ووعثاء التفكير.

انتظر لحظة، هل تظن أنني الآن أملي عليك ما يجب أن تكتبه لي؟ لا سمح الله، هل أتزلف منك طبطبة أو تشجيعاً أو مساندة؟ حاشا لله، بالعكس أرجوك أوسعني معارضة وهجوماً واستهزاءً وقدحاً وذماً بل وشتيمة إذا سمحت أخلاقك الكريمة، ولكن أرجوك، كله إلا تكسير المقاديف، شاركني فيما شئت من آراء أياً كان تطرفها وشططها وحدتها، لكن أرجوك احتفظ فقط لنفسك بآرائك النيرة عن عدم جدوى الكتابة وحتمية خراب مصر، صدقني لست أطلب منك أن تؤمن مثلي بأن الكتابة مجدية، ولا أن تدرك أن مصر لن تخرب إلا بسبب الذين يعتقدون أن الكتابة نفخ في قربة مقطوعة وأن الأفضل أن نسلم البلد للفاسدين والظلمة ونستمر نحن في اللطم والعويل، حاشى لله أن أفرض رأيي عليك، أنا فقط أطلب منك ألا تقف تحت بيتي لتكسر مقاديفي على الصبح، فهل هذا كثير؟

شوف يا سيدي، في روايته القصيرة المكيرة "أسطورة جبل آغري" يحكي الكاتب التركي العظيم يشار كمال عن سلطان طاغية طلب من معماري بارع أن يبني له سجناً في قصره، كان المعماري العبقري قد جرب قسوة السجن قبل ذلك، فقام كما تروي الأسطورة، بتصميم سجن يوجد في كل زنازينه ثقب يتيح للسجين أن ينظر من خلاله بحرية وأن يدخل النور إلى زنزانته ليبدد وحشتها، وبعد أن انتهى من بناء القصر اختفى تاركاً رسالة للسلطان كتب فيها "من يحاول سد هذه الثقوب سيهدم القصر من أساسه فقد بنيته اعتماداً على ضوئها وستنصب عليه الكوارث ولن ينقذه حسبه ونسبه وطغيانه أبداً".

هذه هي الكتابة بالنسبة لي، قد لا تهدم السجن، وقد تدخل صاحبها إلى السجن، لكنها ستظل دائماً وأبداً ثقباً في جدار الصمت، يُبقي حلم الحرية حيّاً لدى المساجين، ستظل النور الأسطوري الذي يبدد وحشة الزنازين ويقهر على الدوام كل طواغيت الأرض، فإذا كنت عاجزاً عن توسيع ثقبك بيديك، فلا تستكثر على أمثالي محاولة توسيعه، لعلنا يوما نخرج من سجن العجز إلى دنيا الله، ويا سيدي إذا كان لديك فائض من يأس فابخل به علينا، "وايأس قدّام باب بيتكم".

يبقى أن تعرف أنني كتبت هذه الإجابة ونشرتها في عام 2008، ولا زلت أتمسّك بها مع أنك يمكن أن تعتبرها سبباً مشروعاً للمزيد من الغتاتة ومواصلة التساؤل عن جدوى الكتابة.