عن الوجه الخفي الآخر للموت في غزّة

24 يوليو 2026
+ الخط -

يقول الشاعر العباسي ابن نباتة السعدي:

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

تعدّدت الأسباب والموت واحد.

ولكن للموت في غزة خصوصيته. كأن لا نموت من القصف والنار، وإنما من النزوح والجوع والخوف الذي يجلب المرض. كأن نموت من هذا الهواء الذي يعجّ برائحة البارود بعد كل غارة؛ ذلك الموت الناعم البطيء.

وربما أصعب ما في هذا الموت أنه لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل إلى تفاصيلنا الصغيرة؛ إلى أجساد أنهكها الانتظار، وإلى أرواح فقدت قدرتها على الدهشة، وإلى قلوب باتت تخاف من الأخبار أكثر مما تخاف من القصف نفسه.

في غزة، كل القصص تدخل في نطاق العجائب. كثيراً ما أفكر: لو أن أحداً أراد أن يكتب عن عالم العجائب، فعليه أن يكتب من قلب غزة المحاصرة.

يحدث أن نلبي دعوة زفاف لفتاة، وبعد أشهر قليلة فقط نستيقظ على خبر تأبين هذه العروس لزوجها. لكن هذه الفتاة لم تكن مجرد اسم عابر في خبر. كنت أعرفها.

في بداية الحرب، التقيتها للمرة الأولى في مكتب والدتي في أونروا. كانت والدتها زميلة لوالدتي، وخلال الأيام الأولى من الحرب، حين كنا نحاول استغلال أي لحظة تتوفر فيها الكهرباء والإنترنت لإنجاز دراستنا وأعمالنا، كنا نجلس هناك وكأننا نتمسك بأي نافذة صغيرة تُبقينا على صلة بالحياة. كانت تأتي برفقة والدتها.

أتذكرها جيداً. فتاة جميلة، هادئة، تحمل ذلك الوهج الذي يميز من يقفون على عتبة بداية جديدة. كانت قد أنهت الثانوية العامة للتو، وكأي فتاة لديها أحلامها: كأن تسافر، وتكمل تعليمها خارج البلاد، وأن ترى عالماً أوسع من حدود القطاع المحاصر.

ثم نزحنا من دير البلح إلى الزوايدة، ومضت الأيام الثقيلة.

ذات يوم، وصلتنا دعوة من والدتها لحضور زفاف ابنتها. للحظة جعلت أتساءل: ما الذي يجعل فتاة في مثل عمرها، تحمل كل هذه الأحلام، تختار الزواج في هذا الوقت تحديداً؟ كيف يمكن لإنسان أن يفكر في بناء حياة جديدة بينما كل شيء من حوله ينهار؟

الحرب لا تقتل من يقع تحت القصف فحسب، بل تقتل أيضاً أولئك الذين حُرموا من أبسط حقوقهم في النجاة، حيث يتسلل الموت البطين إلى أجساد أنهكها الانتظار وأرواح فقدت قدرتها على الدهشة

ذهبنا. لقد كان حفل زفافها من أكثر الأشياء التي بقيت عالقة في ذاكرتي. أول مناسبة سعيدة بعد عامين من الحرب. كانت دهشتي في أنه كيف يمكن أن يحدث كل هذا وسط كل هذا الخراب، فتاة ترتدي فستاناً أبيض، وتحاول استعادة شيء طبيعي من حياة سُرق منها كل شيء.

ما زلت أتذكرها بفستانها الأبيض وعينيها الزرقاوين. أتذكر ابتسامتها، وزوجها الذي بدا لي إنساناً خلوقاً وهادئاً. للحظة شعرت أن الحياة، رغم كل شيء، استطاعت أن تفتح نافذة صغيرة. ولكن غزة لا تمنحنا دائماً وقتاً طويلاً للفرح.

بعد مدة، رأيت والدتها في مستشفى شهداء الأقصى. لم أدقق كثيراً في وجه المريض الذي كان بجانبها. ربما لأن المستشفيات في غزة أصبحت أماكن ندخلها محملين بالخوف، فنحاول أحياناً ألا ننظر طويلاً إلى التفاصيل.

لكنّني صُدمت عندما عرفت لاحقاً أنه زوج ابنتها. ذلك الشاب الذي رأيته يوماً في ليلة فرحه، اكتشف مرضه بالسرطان بعد عدة أشهر فقط من زواجه. ولم تكن هذه بداية المأساة فحسب، بل بداية سلسلة أخرى من الأوجاع.

لأنه لم تكفه هو وزوجته صدمة الخبر، وأبعاد القدر الأخرى من استحالة العلاج في القطاع، لأن المنظومة الصحية مدمرة بالكامل. كلا، كان على العروس المكلومة والعريس الذي كان يأمل الشفاء المستحيل ليواصل الحياة إلى جانب زوجته بفتات الأمل، أن يموت مرتَين؛ مرة بحرمانه من الحق في العلاج، ومرة أخرى بتشخيص طبي خاطئ.

لقد كانت جرعة كورتيزون واحدة، أُعطيت عن طريق الخطأ، كفيلة بإنهاء حياة شاب كان قد بدأ حياته للتو، وعروس كانت تأمل بحياة هانئة، أخيراً بعد عامين من حرب الإبادة.

فالحرب لا تقتل من يقع تحت القصف فحسب، بل تقتل أيضاً أولئك الذين حُرموا من أبسط حقوقهم في النجاة.

لقد أُصبت ذلك الصباح بالذهول من وقع الخبر. وكلما تذكرت هذه العروس ليلة زواجها بفستانها الأبيض، وذلك الشاب الذي كان يأمل أن يكمل حياته إلى جانبها، جعلت أفكر في قسوة الحياة.

تؤلمني حكايات الزوجات الحديثات اللواتي يفقدن أزواجهنّ على غفلة من الزمان. أفكر في قدرهنّ، وما سيواجهنه بعد هذا الفقدان. أقول: "يكبرن فينسين، فالزمن كفيل بأن يُنسي". ولكنّني سرعان ما أنعت نفسي بالقسوة فأوبخها. كيف ينسين أحلامهن الأولى؟ وهل مثل المرة الأولى من كل شيء؟

كأن تستيقظ إحداهن على صوت الحبيب، وتغزل أحلامها في ظل رجلها الأول، ثم في لحظة ما تضطر إلى أن تكمل الطريق وحدها، دونه.

كلما تخيلت، بكيت بشدة. أن تعتاد... ثم تفقد.

أفكر في الصباح الأول دون الحبيب، وأول رشفة قهوة مُرّة، والطريق الذي سيكمله هذه المرة أحدهما دون الآخر. أفكر في الأحلام التي لن تكون. أفكر كيف يمكن أن ينتهي كل شيء في غمضة عين، وأستنكر، ثم تقذفني الحياة في صدمة أخرى. صدمة تلو الأخرى، لأن ما يحدث لا يثير سوى جنوني وبكائي. ولا قدرة لي حتى على إنكار واقع لا أقوى على تغييره.

ثلاثة أعوام، كان أقسى ما فيها صدمة الخبر، الدقائق الأولى منه. كان خبر فقدان البيت أولى الغصات التي تلقيتها في الحرب بحرقة. لاحقاً، جعلت أستقبل خبر فقدان أساتذتي الجامعيين وزملائي، وكل من أعرفهم.

في البداية، كانت الصدمة ممزوجة بالغصة. ثم بدأت أستقبل الأخبار كلها بفيض من اللامبالاة، وأعترف وأقرّ بأن ما يحدث ليس في نطاق المعقول. أي إنه ليس من الطبيعي أن يستقبل الإنسان الفاجعة بفيض من اللامبالاة، لكنها حالة ربما فرضها الواقع لشدة قسوته.

كأنّ القلب، بعدما عجز عن حمل كل هذا العدد من الخسارات، اختار أن يخفّف عن نفسه بعض الألم بالصمت.

في كل منزل أدخله، من شمال القطاع إلى جنوبه، لقص قصة أو إنجاز تقرير، أفكر طوال الطريق بشكل المكان. أتخيل أصحابه، وأتساءل: كم من فقد زار هذه العائلة على مدار العامين؟ أفكر في كل التفاصيل، وأشعر بالحرج لأنّني بعد قليل سأطرق جراح مجموعة من الناس عندما أهمّ بالحديث إليها.

نجلس في باحة خيمة أو فناء بيت رثّ في أحد مخيّمات القطاع المحاصر. للحظات أفكر: كيف يعيش هؤلاء الناس فوق مرّهم؟

متناسيةً حقيقتي المُرّة، وهي أنني أشبه هؤلاء الناس في المأساة نفسها، لكنني ربما استطعت أن أتقن فن الهرب من هذا الواقع. ففي كل مساء أرسم أحلامي على ورقة بيضاء، أضعها تحت وسادتي، وفي الصباح أطرحها أمامي وأقول لنفسي: "يوم آخر... تملكين أثمن ما يمكن أن يملكه إنسان: الصحة. فلتبدعي أيتها الجميلة".

أحمل حقيبتي، وأمشي أميالاً تحت لهيب تموز/ يوليو، أقطع المسافات من لقاء إلى آخر، وقلبي يئنّ بكاءً من ثقل الحكايا التي أحملها في قلبي، وكل الأصوات التي أشعر بها تلاحقني.

أحب غزة. أحب هذه المدينة على الرغم من كل مرّها ووجعها الممتد... فغزة بالنسبة لي ليست رقماً في نشرات الأخبار، ولا ساحةً لصراع بين أطراف متنازعة. غزة وجوه أعرفها، وبيوت دخلتها، وحكايات حملتها في حقيبتي مع كل تقرير كتبته.

ربما لهذا يبدو الموت في غزة مختلفاً. ليس لأنه يأتي من القصف فحسب، بل لأنه يتسلل إلى تفاصيل الحياة، إلى مريض ينتظر علاجاً لا يصل، وإلى أمّ تفقد زوجها، وإلى صحافي يعود من قصة محمّلاً بقصص لا يعرف أين يضعها.

ومع ذلك، وسط كل هذا الخراب، يبقى الإنسان يحاول أن يعيش. أن يحب، وأن يحلم، وأن يكتب، وأن يفتح كل صباح نافذة صغيرة نحو الحياة، حتى لو بدا أن النجاة نفسها أصبحت معجزة.

ريما القطاوي
ريما القطاوي
ريما القطاوي، كاتبة روائية، وباحثة في الشأن العام عمومًا، والفلسطيني خصوصًا، تدور اهتماماتها البحثيَّة حول القضايا العامَّة المعاصرة ودورانها في عوالم الصحافة، صدر لها رواية "كلنا على سفر".