الجزيرة السورية بين التحوّل السياسي وإعادة تعريف المسألة الاجتماعية

31 يناير 2026
+ الخط -

مع دخول القوات الحكومية إلى معظم مناطق الجزيرة السورية وبسط السيطرة على الجزء الأكبر من جغرافيتها، تبدو البلاد عموماً، والشرق السوري خصوصاً، أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات. هذا التحوّل لا يمكن قراءته في إطاره العسكري أو الأمني فحسب، بل يتجاوز ذلك ليطاول البنية الاجتماعية والاقتصادية لمنطقة شكّلت، لعقود، أحد أعمدة الثروة الوطنية، وفي الوقت نفسه إحدى أكثر المناطق تهميشاً.

الجزيرة السورية، بما تحمله من ثقل زراعي ونفطي وبشري، لم تكن يوماً هامشاً جغرافياً، لكنها حُوِّلت إلى هامش سياسي وخدمي طوال سنوات طويلة. فعلى الرغم من وفرة الموارد الطبيعية وتنوّعها، ظلّ سكان المنطقة يعانون من ضعف البنية التحتية، وتدنّي مستوى الخدمات الأساسية، وغياب خطط تنموية حقيقية، ممّا ولّد فجوة عميقة بين ما تنتجه المنطقة وما يعود على أهلها من عائدات وفُرص.

اليوم، ومع استعادة الحكومة السيطرة شبه الكاملة على الموارد الاستراتيجية في المنطقة، بما في ذلك حقول النفط والغاز والمرافق الحيوية، تبرز فرصة نادرة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والجزيرة السورية، ليس من زاوية الإدارة فحسب، بل من منظور العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة. فالتحكّم بالموارد لا يكتمل أثره ما لم يُترجم إلى سياسات عامة تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية الأولى لأيّ استقرار مُستدام.

مخيم الهول: اختبار أخلاقي للدولة والمجتمع

تُعدّ السيطرة على مخيم الهول محطة مفصلية في هذا السياق. فالمخيّم، الذي شكّل لسنوات واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في المنطقة، كان مرآة لفشل جماعي: محلي ودولي. آلاف النساء والأطفال عاشوا في ظروف قاسية، وسط غياب شبه كامل للحلول، وتحويل المُخيّم إلى مساحة خارج الزمن والقانون.

التحكّم بالموارد لا يكتمل أثره ما لم يُترجم إلى سياسات عامة تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية الأولى لأيّ استقرار مُستدام

إنّ التعاطي مع ملف مخيّم الهول اليوم يضع السلطات أمام اختبار أخلاقي وإنساني حقيقي. فنجاح أيّ مسار تهدئة أو استقرار لا يُقاس بإنهاء الفوضى الأمنية فحسب، بل بقدرة الدولة على تفكيك المأساة الإنسانية، وإعادة إدماج الضحايا في المجتمع، خصوصاً الأطفال الذين لم يعرفوا من الحياة سوى الأسلاك الشائكة والخوف والحرمان.

ولا يمكن فصل مأساة المخيّم عن مأساة السجون، حيث يقبع آلاف المُعتقلين في ظروف غامضة، بينما خرجت قصص عن أطفال خرجوا من داخل السجن. هذه الوقائع ليست مجرّد ملفات أمنية، بل جروح اجتماعية مفتوحة، ستظلّ تنزف ما لم تُعالَج بمقاربات قانونية وإنسانية شفافة.

التهميش المزمن وغياب العقد الاجتماعي

عانى سكان الجزيرة السورية، بمختلف مكوّناتهم القومية والدينية، من تهميش مزدوّج: تهميش اقتصادي ناتج عن غياب الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وتهميش سياسي قائم على ضعف التمثيل والمشاركة في صنع القرار. هذا الواقع ساهم في هشاشة النسيج الاجتماعي، وفتح الباب أمام صراعات وهُويّات فرعية، كثيراً ما استُخدمت كبدائل قسرية عن هُويّة وطنية جامعة.

 لا يُفرض الاستقرار بالقوّة، بل يُصان حين يشعر المواطن بأنّ الدولة حاضرة في حياته اليومية، لا في أوقات الأزمات فحسب

إنّ إعادة بسط السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة استعادة الثقة. فالثقة تُبنى عبر سياسات طويلة الأمد تُعالج اختلالات الماضي، وتعيد صياغة عقد اجتماعي جديد، قوامه المواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص، والاعتراف بتنوّع الجزيرة السورية بوصفه عنصر قوّة لا تهديداً.

البعد الاجتماعي: مفتاح الاستقرار الحقيقي

الجزيرة السورية ليست مجرّد خريطة موارد، بل فضاء اجتماعي شديد التعقيد، تتداخل فيه العشائر، والقوميات، والذاكرة التاريخية، وأنماط العيش الريفية والحضرية. أيّ مقاربة تتجاهل هذا البعد الاجتماعي محكوم عليها بالفشل، مهما بدت ناجحة أمنياً في المدى القصير.

من هنا، تبرز أهمية السياسات التي تعطي أولوية لإعادة الخدمات الأساسية، والتعليم، والرعاية الصحية، وخلق فرص العمل، بوصفها أدوات لإعادة دمج المجتمع بنفسه أولاً، ثم بالدولة. فالاستقرار لا يُفرض بالقوّة، بل يُصان حين يشعر المواطن بأنّ الدولة حاضرة في حياته اليومية، لا في أوقات الأزمات فحسب.

تقف الجزيرة السورية اليوم عند مفترق طرق تاريخي، فإمّا أن تكون المرحلة الجديدة امتداداً لأنماط إدارة قديمة أثبتت فشلها، أو أن تشكّل بداية لمسار مختلف، يعيد الاعتبار للإنسان، ويحوّل الثروة من عبء صراع إلى رافعة استقرار. إنّ نجاح هذا التحوّل مرهون بقدرة الدولة على الإصغاء، والمراجعة، وتحويل السيطرة إلى مسؤولية، والموارد إلى تنمية، والتهدئة إلى سلام اجتماعي حقيقي.