عن الاستقرار وهندسة الحكم
في الفلسفة السياسية المعاصرة، لا تُقاس قوّة الدول بترساناتها العسكرية وحدها، بل بالمصدر الأخلاقي والسياسي الذي تستمدّ منه السلطة شرعيتها. فالشرعية ليست نصّاً قانونياً جامداً، وإنّما هي الركيزة التي يقوم عليها العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وهي التي تمنح المؤسسات قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات والضغوط. ومن هنا تتجلّى العلاقة العضوية بين الشرعية والديمقراطية؛ فالانتخابات الحرّة لا تمثّل مجرّد آلية لاختيار الحاكم، بل تؤسّس لمنظومة مُتكاملة من الرقابة والمُساءلة والتداول السلمي للسلطة، وتحوّل القرار السياسي من إرادة فردية إلى نتاج توازنات مؤسساتية مُستقرّة.
ولهذا، تكون الأنظمةُ التي تستمدّ شرعيتها من الإرادة الشعبية غالباً أكثرَ قدرةً على حماية استقلال قرارها الوطني، لأنّ استمرارها يرتبط بثقة مواطنيها، لا برضى القوى الخارجية أو تقلّبات التوازنات الإقليمية والدولية. وفي المقابل، تظلّ السلطةُ التي تنشأ خارج سياق التفويض الشعبي مُحاطةً بأسئلة المشروعية، مهما امتلكت من أدوات القوّة أو حققّت من كفاءة إدارية. فغياب الشرعية الانتخابية يقود عادة إلى تركيز الصلاحيات في يد السلطة التنفيذية، وإلى تحويل عملية اختيار النخب العسكرية والأمنية والسياسية إلى جزء من منظومة تهدف إلى حماية النظام نفسه، بما يفضي إلى إضعاف المؤسّسات المستقلة وتضييق دائرة صنع القرار.
ورغم أنّ هذا النموذج قد يمنح الدولة سرعة في اتخاذ القرار، يربط مصيرها بإرادة النخبة الحاكمة ومصالحها، ويجرّدها من شبكات الأمان الدستورية التي تُميّز الأنظمة الديمقراطية. كما أنّ تجارب التاريخ الحديث تكشف أنّ الدول الكبرى لا تدير علاقاتها مع الأنظمة السياسية وفق اعتبارات أخلاقية، بل وفق حسابات المصالح والأمن والنفوذ. فالعلاقات الدولية محكومة ببراغماتية صارمة، تتقدّم فيها اعتبارات الجغرافيا السياسية على شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان كلّما تعارضت معها.
السلطة التي تنشأ خارج سياق التفويض الشعبي تظلّ مُحاطة بأسئلة المشروعية، مهما امتلكت من أدوات القوّة أو حققّت من كفاءة إدارية
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم كيفية تعاطي القوى الدولية مع "الملف السوري". فخلال أربعة عشر عاماً من الصراع ولا تزال، تحوّلت سورية إلى ساحة تتشابك فيها مصالح قوى إقليمية ودولية مُتعدّدة، لكلّ منها تصوّرها الخاص لمستقبل البلاد، لكنّها تتفق جميعاً على أولوية حماية مصالحها الذاتية. وفي ظلّ هذا التشابك، لم يعد مستقبل النظام السياسي السوري الشرعي مُرتبطاً بالإرادة الداخلية وحدها، بل أصبح جزءاً من شبكة واسعة من التوازنات الدولية والإقليمية، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والمحور العربي.
وبناءً على ذلك، يصعب فصل أيّ نقاش حول مستقبل الدولة السورية عن طبيعة المصالح الخارجية وحدود النفوذ المُرتبطة بها. ومن هذا المنطلق، يبدو أنّ عدداً من القوى الفاعلة لا ينظر إلى قيام "نظام ديمقراطي" كامل الصلاحيات في سورية بوصفه خياراً ينسجم مع مصالحه بعيدة المدى. فالسلطة المُنبثقة عن انتخابات حرّة تكتسب شرعية تجعلها أكثر استقلالية في قراراتها الداخلية والخارجية، وأكثر التزاماً بالمطالب الوطنية التي أوصلتها إلى الحكم، وهو ما يحدّ من قدرة الأطراف الخارجية على التأثير المُباشر في سياساتها.
يصعب فصل أيّ نقاش حول مستقبل الدولة السورية عن طبيعة المصالح الخارجية وحدود النفوذ المرتبطة بها
أمّا الأنظمة التي تفتقر إلى هذا السند الشعبي، فإنّ استمرارها يصبح مُرتبطاً بالتوازنات التي سمحت بقيامها. ولذلك، تبقى أكثر هشاشة أمام تبدّل التحالفات والبيئات السياسية. وعلى العكس، تضرب السلطة المُنتخبة جذورها في المجتمع، ويصبح استهدافها استهدافاً للإرادة الشعبية ذاتها، لا مجرّد تغيير في الأشخاص أو الحكومات. كما أنّ وجود برلمان مُنتخب، وقضاء مستقل، ومؤسّسات دستورية فاعلة، يجعل تداول السلطة عملية محكومة بالقانون، لا بموازين القوّة.
ومن هنا يمكن تفسير تمتّع الأنظمة الديمقراطية بدرجات مرتفعة من الاستقرار المؤسسي، حتى في أوقات الأزمات الاقتصادية أو الانقسامات السياسية. فالشرعية الشعبية تمنح النظام السياسي القدرة على تجديد نفسه عبر صناديق الاقتراع، وتوفّر للمجتمع آلية سلمية لتصحيح الأخطاء وتغيير الحكومات من دون تهديد وجود الدولة. أمّا في غياب هذه الآليات، فإنّ أيّ أزمة سياسية تتحوّل سريعاً إلى أزمة شرعية تهدّد الدولة بأكملها.
وفي المقابل، تجد السلطات غير المُنتخبة نفسها في حاجة دائمة إلى إنتاج مصادر بديلة للمشروعية، سواء عبر تحقيق إنجازات اقتصادية أو فرض الأمن أو بناء توافقات هشّة. وإذا أخفقت في ذلك، تتسع دائرة المُشكّكين في مشروعيتها، وتتراجع قدرتها على مواجهة الأزمات، ولا سيما عند تغيّر الظروف الإقليمية أو تبدّل مواقف الحلفاء.
كلّما اتسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع، ازدادت حاجة الدولة إلى الدعم الخارجي أو إلى استخدام القوة لضمان بقائها
إنّ جوهر المسألة لا يتعلّق بالأشخاص بقدر ما يتعلّق بطبيعة النظام السياسي نفسه. فالدولة التي تقوم على المؤسّسات وسيادة القانون والانتخابات الدورية تمتلك أدوات ذاتية لتجديد شرعيتها وتصحيح أخطائها، بينما تظلّ الدولة التي تعتمد على موازين القوّة وحدها أكثر عرضة للاهتزاز كلّما تبدّلت تلك الموازين.
ولهذا، ليست الشرعية رغداً سياسياً أو شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل هي الضمانة الأساسية لاستقرار الدولة واستقلال قرارها الوطني. فكلّما اتسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع، ازدادت حاجة الدولة إلى الدعم الخارجي أو إلى استخدام القوّة لضمان بقائها. وعلى العكس، كلّما تعزّزت العلاقة بين الحاكم والمحكوم عبر الإرادة الشعبية الحرّة، ازدادت قدرة الدولة على حماية سيادتها وصياغة قرارها الوطني بعيداً عن إملاءات الخارج وتقلّبات المصالح الدولية.