عن الأكثر مبيعاً والأسرع نسياناً

27 سبتمبر 2020

في فبراير/ شباط 2015 طلب مني الروائي الجميل الصديق نائل الطوخي أن أشارك بشهادة في ملف ستنشره صحيفة "أخبار الأدب" عن الكتب الأكثر مبيعاً وما يدور حولها من جدل نقدي وإعلامي، فشاركت بهذه الشهادة المليئة بالتهيؤات والتي أظنها لا زالت تهيؤات صالحة للنشر:

يتهيأ لي والله أعلم، أنّ جزءاً كبيراً من أسباب العركة التي لا تنفض حول مسألة الكتب الأكثر مبيعاً، والقول بخطرها على ذائقة القراء ودورها في حرمانهم من الأدب الجاد، له علاقة بأنه لا يوجد لدينا أصلاً قاعدة كبيرة من القراء، تتعدد أذواقهم وتتنوع وتتباين، بحيث تحقق كل أنواع الكتب رواجاً يقلل أسباب العداوة بين الكتاب، وتحقق التصور المثالي بأن يكون تحت الشمس متسع للجميع.

يتهيأ لي أنك لست محتاجاً لتذكيرك بالأرقام المؤسفة لعدد الكتب المباعة والمطبوعة في مصر، مقارنة بدول أقل بكثير في عدد السكان وليس لديها تاريخ عريق في النشر، مع أنّ السنوات الأخيرة شهدت دخول عدد كبير من القراء خصوصاً من الأجيال الشابة، وهو ما زاد أيضاً من حدة الصراع على هؤلاء "الزبائن المحتملين" الذين يغضب البعض من كونهم دخلوا إلى سوق القراءة من الباب الغلط، عبر مجموعة من الكتّاب الأقل تميزاً في رأيهم لكنهم الأكثر رواجاً، وهو رأي يشترك فيه كثيرون، من بينهم كتاب يرون أنفسهم أحق بالقراءة من الكتاب الرائجين الذين توصف أعمالهم بالتفاهة والانحطاط، أو نقاد وصحافيون ومثقفون ـ بالمعنى الشائع ـ يحزنهم أن يضيع القارئ وقته في قراءة أعمال تافهة بدلاً من أن يتجه للأدب الرفيع مباشرة، وهو حزن مشروع له ما يبرره، بمجرد إلقاء نظرة سريعة إلى أرقام توزيع كثير من الكتب الرائجة الآن، وأرقام توزيع كتاب رائعين من أجيال مختلفة، تستقر كتبهم على أرفف المكتبات تسأل الله حق النشوق.

يتهيأ لي أن حدة هذا الصراع ستقل عندما يكون هناك اتساع في قاعدة القراءة، بحيث "يُرزق الكل" بالمعنى التجاري الشعبي، لا أدّعي أنني خبير في سوق الكتاب في بلد كالولايات المتحدة الأميركية، لكنني لاحظت منذ بدأت التردد عليها قبل أعوام واشتركت في أكثر من صحيفة ومجلة متخصصة في الكتب والنشر، أنّ هذا الصراع لا يوجد على صفحات تلك المجلات بنفس الحدة هناك، أو على الأقل هذا ما لمسته على حد متابعتي، لا أذكر أنني قرأت في ملاحق وصفحات الكتب في تلك المجلات وعلى رأسها مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" الشهيرة، تحقيقات مطولة تشكو من انهيار ذائقة القراء، لأنّ هناك روايات تجارية قامت بتحطيم الأرقام القياسية، مثل رواية "فيفتي شيدز أوف غراي" بأجزائها الثلاثة واعتمادها على الجرأة الجنسية التي يراها البعض فجة، أو رواية "غون غيرل" التي أخذ عنها فيلم شهير والتي استمرت لأكثر من 170 أسبوعاً في قائمة الأعلى مبيعاً في صحيفة "نيويورك تايمز".

وفي اعتقادي أنّ ذلك ليس له علاقة بالتسامح النقدي والصحفي، فبالتأكيد هناك نقاد وصحافيون يهاجمون مثل هذه الأعمال، لكن ما لا أستطيع تجاهله أنّ قائمة الأعلى مبيعاً في صحيفة "نيويورك تايمز" وهي الأشهر على الإطلاق، كان فيها طيلة الشهر الماضي أسماء تجارية شهيرة مثل جون غريشام وستيفن كنغ ونورا روبرتس، لكن كان فيها أيضاً أسماء رفيعة أدبياً مثل مارلين روبنسون وريتشارد فورد الذين أصدرا روايتين جديدتين ومارغريت أتوود وهيلاري مانتل اللتين أصدرتا مجموعتين قصصيتين، ولأنني أكتب الآن من الذاكرة، فما لفت انتباهي أنّ هناك فارقاً في عدد النسخ المباعة لصالح الروايات التي توصف بأنها "تجارية"، لكن ذلك لم يمنع الاحتفاء الجماهيري بأعمال كتاب متميزين كالذين ذكرتهم، لاحظ أيضاً أنه برغم أنّ دخول سوق النشر في الولايات المتحدة ليس سهلاً أبداً، لكنك ستشهد كل فترة احتفاء بكاتب جديد يقدم مستوى فنياً متميزاً، كما تشهد رصداً لظهور كتاب تجاريين جدد يتحولون إلى ظواهر لافتة، وتقرأ في نفس الوقت تحليلات لأسباب احتفاء الجمهور بها، ودلالات ذلك الاجتماعية والاقتصادية، لكنك لا تلحظ وجود اتجاه صحافي جماعي يحمل اتهاماً للجمهور بالانحطاط وإلقاء اللوم عليه لأنه يشجع هذه الأعمال.

يتهيّأ لي، لو اتسع لدينا سوق النشر بشكل حقيقي، وهو أمر مرتبط بعشرات العوامل على رأسها تحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والقيام بإصلاحات تشريعية وقانونية وضريبية تساعد الناشرين وتحسّن أوضاعهم، ربما تخف حدة الصراع بين الأكثر مبيعاً والأقل مبيعاً. بالمناسبة أنا من الذين يرون أنّ كثيراً من الأعمال الأقل مبيعاً وخصوصاً في الأعمال الأدبية، هي أكثر قيمة فنية وأكثر أهمية بل وأكثر إمتاعاً، وأظن أنها ستعيش أطول بكثير من أعمال كثيرة تبيع عدداً أكبر من النسخ الآن لكنها على ما أظن سيتم نسيانها بسرعة بعد فترة، أعتقد أنه صار من المبتذل الاستشهاد بمثال روايات إسماعيل ولي الدين ونجيب محفوظ، وكيف كانت روايات الأول تبيع أكثر من روايات نجيب محفوظ وأغلب كتاب جيل الستينات، ثم تغير ذلك مع الوقت، وهو أمر ليس ضرورياً أن يتكرر مع روايات جادة، لكنها ثقيلة الظل ومكتوبة بشكل سيئ، مع أنّ بعضها حاصل على جوائز، فيتهيأ لي إذا كنا قد تعلمنا شيئاً فهو أنه لا توجد قاعدة لأي شيئ، في الكون بشكل عام، وفي هذا البلد بشكل خاص.

حاولت كثيراً خلال تجربتي في برنامج "عصير الكتب" وفي ما أكتبه من مقالات عن الكتب، أن أعبّر عن انحيازي لكتب لم تكن من الأكثر مبيعاً، لكنها ترضي ذائقتي كقارئ، مع أنني بالمناسبة من الذين تصنّف كتبهم ضمن الأكثر مبيعاً، صحيح أنني غالباً كنت أوجد في المنتصف أو قرب ذيل القائمة، لكن فضل وعدل، "مش هانهب يعني"، وكون أن أغلب كتبي كانت تباع كثيراً يمكن تفسيره بسهولة، لأنّ الناس تقبل عادة على الكتب التي يتصورون أنها ساخرة وممتعة، وربما لذلك كان من أقل كتبي مبيعاً كتابان مختلفان عن أغلب كتبي، هما كتابا "في أحضان الكتب" و"فتح بطن التاريخ"، اللذان ربما ظن القارئ أنهما يحتويان مضموناً أقل إمتاعاً، خاصة أنّ نشرهما جاء مترافقاً مع ظروف يفضل فيها القراء شراء كتب ممتعة أكثر، وأعتقد من ردود الفعل التي أقرأها حتى الآن على موقع "غود ريدز" أنّ استقبال القراء للكتابين اختلف كثيراً وبشكل إيجابي عن استقباله لهما وقت صدورهما.

يتهيأ لي إذا كنا قد تعلمنا شيئاً فهو أنه لا توجد قاعدة لأي شيئ، في الكون بشكل عام، وفي هذا البلد بشكل خاص

على أية حال، لا أدري إذا كانت كتبي ستستمر تباع بشكل جيد، لكنني قطعاً سأحزن إذا توقف الناس عن الإقبال عليها، ولذلك أستغرب جداً عندما أقرأ أحياناً حوارات لكتاب يقولون أنهم لا يهتمون بأن تباع كتبهم، وبرغم أنّ بعضهم يمكن أن نصدق موقفه المتسق مع موقفه من الحياة بشكل عام، لكنني دائماً أرى أن ذلك الموقف لا يمكن الحكم عليه بشكل نهائي إلا إذا لقيت كتبه رواجاً، لنعرف بعدها هل سيفرح بذلك الرواج أم لا؟ إذا كان لا يزال حياً طبعاً. تخيّل كيف سيكون موقف كافكا وبيسوا لو عرفا يوم القيامة مثلاً يعني بالإقبال المتزايد على كتبهما بعد رحيلهما، يستحق الأمر التساؤل الساذج والله.

يتهيأ لي أنه يمكن تفهّم موقف من يعلن عدم اهتمامه بوجود إقبال على كتبه، لكن ما لا أفهمه حقاً هم من يحصلون على مبيعات جيدة لكتبهم، ومع ذلك يستمتعون بالترزيل على الكتب التي لا تبيع جيداً، خصوصاً التي يدركون ـ لو كان لديهم بعض من الضمير ـ أنّ مستواها الفني أعلى من كتبهم. هذا أمر يحتاج إلى تحليل نفسي، ولو أنّ هناك تفسيراً شعبياً مقنعاً يمكن أن نجده في نظرية "كل واحد بيبص للقمة غيره"، لذلك يطمع أصحاب الكتب الأعلى مبيعاً في التقدير النقدي والجوائز والدراسات التي تقرظ أعمالهم، ويطمع أغلب من يحصلون على التقدير النقدي في أن تصل كتبهم لأكبر عدد ممكن من القراء، ولو حتى ليساعدهم ما قد يحصلون عليه من دخلها في التفرغ للكتابة، إن وجدوا ناشراً ابن حلال لا يأكل مال النبي.

يتهيأ لي أيضاً أن الذين يطالبون بالتوقف عن مهاجمة ظاهرة الأكثر مبيعاً مخطئون في ذلك، لأنّ هذا الهجوم في رأيي ينبغي أن يكون مستمراً بل وشرساً، طالما كان حقانياً وبه مجهود و"معمول بشكل حلو فنياً"، لأن ذلك يصب في مصلحة القارئ الذي يجب أن يجد من ينبهه إلى الأعمال الأكثر تميزاً، ويصده عن أعمال يمكن أن يضيع فيها وقته. المشكلة في رأيي أنّ كثيراً من الهجوم الذي نقرأه على أعمال رائجة، لا تشعر فيه بجدية تناقش مشاكل العمل نفسه، بقدر ما تركز على نقد شخص مؤلفه، ومع أن ذلك مشروع ومهم أيضاً، ولا يوجد كاتب لم يقم به ولم يتعرض له، لكن مشكلة التركيز على شخص الكاتب، أنه يعطي انطباعاً للقارئ بوجود مشكلة شخصية، خصوصاً مع وجود إيمان عام بكليشيه "حزب أعداء النجاح"، لذلك نحن محتاجون إلى نقد شعبي ذكي يقوم بتفصيص الأعمال الأكثر مبيعاً، ليشرح للقارئ مشاكلها وعيوبها، وفي نفس الوقت يساعدنا على فهم الأسباب الاجتماعية التي تجعل عملاً كهذا ينجح، وخصوصاً أن الفترة الماضية شهدت وجود أعمال كثيرة حققت مبيعات قياسية، وأصحابها أسماء ليسوا أصلاً على خريطة الصحافة الثقافية فيما يخص نشر الأخبار والحوارات، فضلاً عن عدم وجود اهتمام نقدي بتحليل أعمالهم.

يتهيأ لي ألا يصح أن أنهي شهادتي دون أن أتوجه بالشكر لاثنين من كتاب أسوأ الروايات التي قرأتها في حياتي، والتي ينتمي أحدها إلى فئة روايات الرعب والأخرى يطلق عليها رواية رومانسية، والتي جعلتني ألعن سنسفيلهما، لأنهما يكتبان كلاماً فارغاً لا أدري كيف تم نشره وكيف حقق كل تلك المبيعات، ثم فوجئت في الشهرين الماضيين أنّ تلك الروايتين وأعمال أخرى لنفس الكاتبين وكتاب آخرين مشابهين، قامت بإنهاء أزمتي مع ابنتي الكبرى ـ 11 عاماً ـ التي تملصت في السابق من كل محاولاتي لتشجيعها على قراءة أعمال كنت أتصور أنها ستحبها حين تقرأها، مثلما أحببتها حين كنت في نفس عمرها، لكنها أحبت القراءة من خلال أعمال هذين الكاتبين، وبدأت الآن تقرأ للدكتور أحمد خالد توفيق عدداً من أعماله، وأنا واثق أنني سأحقق حلمي في أن أراها تقرأ لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وابراهيم أصلان وبهاء طاهر وماركيز وميلان كونديرا وغيرهم، بعد أن كدت أفقد الأمل في ذلك، وأنها بعد فترة ستعيد تقييم ما أحبته من قبل، وربما يحدث لها مثل ما حدث لي، فيزيد حبها لنجيب محفوظ وإبراهيم أصلان وماركيز، ويقل انبهارها بيوسف إدريس وبهاء طاهر وكونديرا، وربما لا تنبهر بأي منهم ولا تحبه على الإطلاق، وربما سخرت من نفسها لأنها أعجبت من قبل بروايتَي الكاتبين اللذين أدخلاها إلى عالم القراءة، لكنها يتهيأ لي، من المؤكد ستظل مدينة لهما بالشكر، مثلي بالضبط.