عن احتجاجات "جيل z" في المغرب

08 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 19:06 (توقيت القدس)
+ الخط -

منذ زمن بعيد أصبحت الاحتجاجات الشعبية طقسًا يوميًّا في المغرب، بحيث لا يمرّ يوم من دون أن يخرج المغاربة في مظاهرة أو احتجاج أو مسيرة على الأقدام؛ احتجاجات مهنية أو مناطقية أو مطلبية. أمّا السلطات الأمنية، فقد راكمت خبرة في التعامل مع هذه الاحتجاجات، والدليل على ذلك أنّه يتم السماح لها بالانعقاد، وتمرّ من دون حوادث تذكر، إلا فيما ندر.

الجديد في الاحتجاجات الحالية أنّها شبابية بالأساس، بمعنى أنّ الداعين إليها غير معروفين لدى السلطات العمومية، والكثير منهم لم يشتغل قط في المجال العام، وأنها سياسية النزعة، وإن كان المحرّك لها اجتماعيًّا عبر المطالبة بتحسين خدمات قطاعي الصحة والتعليم ومحاربة الفساد. هي أيضًا عفوية، بمعنى أنها غير مؤطّرة، ولا ترفع شعارات واضحة. وربما أخيرًا، بحسب زعمي، تشمل مجموع التراب الوطني. وعلى هذا الأساس، تمّ منعها في البداية. إلا أنّ هذا المنع، مع ما رافقه من احتكاكات حادة بين المتظاهرين السلميين والقوات الأمنية، وبعض المشاهد الصادمة التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، تحوّلت إلى أعمال شغب وتخريب وانزلاقات خطيرة ومرفوضة في بعض الأماكن (وقد لا تكون هناك أيّ علاقة بين المعطيين)، حيث تبيّن للسلطات الأمنية أنها أخطأت التقدير، فعادت إلى جادة الصواب، بأن سمحت للمتظاهرين الشبابيين السلميين بالخروج من جديد. 

المهم الآن، أن نركّز جهودنا على قراءة مناسبة لهذه الاحتجاجات الشبابية التي بيّنت على أنّ نظرتنا، نحن الأجيال السابقة لهذا الجيل، كانت في معظمها خاطئة، أخذًا بالاعتبار التعبيرات الاجتماعية والثقافية والفنية التي أنتجها هذا الجيل. فكنّا نعتقد أنّه جيل غارق في التفاهة واللامبالاة بكلّ شيء، ابتداءً من السياسية إلى الثقافة إلى الفكر.. على العكس من ذلك، بهذه الاحتجاجات، أظهر الجيل الحالي أنّ له حساسية والتزامًا كبيرين بمستقبل البلاد.

أظهر الجيل الحالي أنّ له حساسية والتزامًا كبيرين بمستقبل البلاد

إنّ هذه الاحتجاجات، وبعيدًا عن التحليلات التبسيطية، لا تُسائل الدولة أو النظام، إنّها تُسائلنا جميعًا، أفرادًا وجماعات، مسؤولين ومواطنين، آباء ومربين.. تُسائل في المقام الأوّل الحكومة التي لم تف بوعودها الانتخابية التي أوصلتها إلى سدّة الحكم. تُسائل الأحزاب السياسية بجميع تشكيلاتها من اليمين إلى اليسار، لأنّ المكان الطبيعي لهؤلاء الشبان هو الأحزاب السياسية، أحزاب لم تستطع أن تقنع الشباب بالانخراط في صفوفها بما أنّها غارقة في البيروقراطية العقيمة والخطابات البالية التي لم يعد أحد ينصت إليها. تُسائل النخب السياسية التي تعضّ بالنواجد على المناصب القيادية ولا تريد التخلّي عنها، فأصبحت كمُستحثات متكلّسة وديناصورات عظمية مكانها الطبيعي متاحف العلوم الطبيعية. كما أنّها تُسائل المجتمع لأنّه لم يهيّئ الظروف المثالية لشبان مُقبلين على الحياة، تمّ دفعهم إلى حالة من اليأس والإحباط، حتى إنّ غالبيتهم لا تحلم إلا بالمغادرة للعيش تحت سماوات أكثر رحمة بهم.

علينا النظر بإيجابية إلى هذه الاحتجاجات، رغم الأحداث المؤسفة والمعزولة التي عرفتها، وأن لا نتوجّس خيفة منها، ونعتبرها حالة صحية تعني أنّ المجتمع المغربي، رغم حالة السكون الظاهرة، لديه دينامية متسارعة، ونتمنى أن يكون (المجتمع المغربي) قادرًا على هضمها، وتوجيهها في الاتجاه الصحيح الذي يخدم البلاد والعباد، خاصة شبابه التواقين إلى الكرامة والعدالة والإنصاف.