عن إيقاع الزمن وغدر النهر والانشغال بالحب

24 يناير 2021
+ الخط -

ـ "الحضارة نظام سياسي مصون من خلال العرف والأخلاق والقانون، ونظام اقتصادي مصون من خلال استمرار الإنتاج والتبادل، وهي إبداع ثقافي من خلال الحرية وتسهيلات إنشاء الأفكار والآداب والأساليب والعادات والفنون والتعبير عنها واختبارها وتثميرها، وهي نسيج متشابك ومعقد وغير ثابت من العلاقات الإنسانية، نسيج يتسم بالجهد في صنعه والسهولة في تدميره".

من كتاب دروس التاريخ لـ ويل ديورانت وزوجته إريل، ترجمة علي شلش 

ـ "كان الزمن قد مضى، ولكن ألا تراه يتخذ مجاري مختلفة بالنسبة لكل إنسان؟ إن الزمن أشبه بنهر، يجري أحياناً بسرعة، وأحياناً أخرى بإيقاع أبطأ، بل يتفق له أيضاً أن يكف عن الجريان وأن يأسن في موضعه، ولئن كان الزمن الكوني يجري سوياً لجميع الكائنات البشرية، فإن كل إنسان يتحرك ضمنه وفق إيقاع خاص به".

من رواية (حزن وجمال) لـ ياسوناري كاواباتا، ترجمة د. سهيل إدريس

ـ "لم يجد لنفسه مكاناً من الغل، غلّ على المرأة وعلى نفسه وعلى العيال وعلى الدنيا كلها. الإنسان لا يهدأ لحظة واحدة منذ أن يطل من بطن الأم. لا يطوي بليّة حتى يستقبل أخرى. من حرب الجَرَب إلى حرب الطليان. من ألم العطش إلى عذاب الجوع. ومن تقريع الوالد إلى كراهية الزوجة. من قسوة الصحراء إلى قرحة المعدة. وهكذا بالتناوب، لا تهدأ بلايا الدنيا حتى تبدأ بلايا ذوي القربى"

من رواية التبر لـ إبراهيم الكوني

ـ "نسير فوقك أيتها السعادة التي أدركنا

كما نسير على حد النصل

أنت الوميض الذي يترنح في العيون

وعند سفح المدى الثلجي وهو يتصدّع

إذن لا يلمسك من يحبك أكثر.

إذا ما أدركت النفوسَ التي اجتاحها

الحزن وأضأتِها، فصباحك

لطيف ومثيرٌ كالأعشاش في الأطناف

لكن ما من شيء يعوّض بكاء طفل

هربت كُرَتهُ بين الجدران"

قصيدة (أيتها السعادة) من ديوان (عظام الحبّار) لـ أوجينيو مونتالي، ترجمة عز الدين عناية ومحمد الخالدي

ـ "إلا أني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكلٌ لسخيف المعاني، وقد يُحتاج إلى السخيف في بعض المواضع، وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل الفخم من الألفاظ، والشريف الكريم من المعاني، كما أن النادرة الباردة جداً قد تكون أطيب من النادرة الحارة جداً، وإنما الكرب الذي يختم على القلوب ويأخذ بالأنفاس، النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا باردة، وكذلك الشعر الوسط، والغناء الوسط، وإنما الشأن في الحار جداً والبارد جداً."

الجاحظ من (البيان والتبيين)

ـ "أنتم يا سكان المدن لا تعرفون ما هو النهر، ولكن يكفي أن تسمع صياداً ينطق بهذه الكلمة: النهر. فهو بالنسبة له عالم تكتنفه الأسرار، عالم عميق مجهول، فهو موطن الخيالات والأشباح، حيث يرى المرء في الليل أشياء غير كائنة ويسمع أصواتاً لا يعرفها قط، ويرتجف دون أن يعرف لذلك سبباً، فيكون كالذي يمر بمقبرة، وهي في الواقع أكثر المقابر كآبة، تلك التي لا يوجد بها لحد واحد. إن الصياد يرى الأرض محدودة، أما في الظلام، وعندما يأفل القمر، فهو يرى النهر بغير حدود، أما البحار فلا يشعر بذات الشيء نحو البحر، فصحيح أن البحر قاسٍ أغلب الوقت وعنيف ولكنه يصيح ويزمجر. إنه صادق ذلك البحر الشاسع بينما النهر صامت وغادر فلا هدير له ويجري دائماً في صمت، وإن تلك الحركة المستمرة للماء وهو يجري لتخيفني أكثر من أمواج المحيط العالية."

من مجموعة (الخوف وقصص خرافية أخرى) لـ غي دي موباسان، ترجمة سحر سمير يوسف، مراجعة سلوى لطفي

ـ "ما يحتاج إلى التجديد بشكل خاص هو مفهومنا للقيم بالذات، فحب الحقيقة والعدالة والحرية ليس غريزة فطرنا عليها، أو مجرد مبادئ راسخة ثمة من يخرج عليها أو ينحرف عنها، وإنما هي بُنى وعلاقات تحتاج إلى الرعاية الدائمة، لأنها تصنع وتُبنى باستمرار. فالأحرى إذاً أن نقلب الآية، فلا ننطلق من البدايات المثالية أو الفردوسية حتى لا نصل إلى النهايات الكارثية أو العدمية، بل ننطلق من الواقع البشري، حيث الأصل هو الهوى والطمع والتميز والصلف والتكالب والشراسة والعدوانية، فنعترف به وننطلق منه ونعمل عليه، على سبيل التحليل والتركيب أو التحويل والتبديل، لصوغ قيم وقواعد تتيح العيش المشترك والتقدم الحضاري، بأقل التكاليف استبداداً وفساداً وعنفاً، وبأكثر ما يمكن إنصافاً وعدالة في توزيع الخبرات المشتركة، ومع ذلك لا وجود لشيء نهائي في مجال الحقوق والحريات، التي يمكن التراجع عنها، تماماً لا وجود لحقيقة نهائية في هذا العالم".

من كتاب (ما بعد الحقيقة: من تزييف الحقائق إلى خلق الوقائع) لـ علي حرب

ـ "صلاة إلى الديّان

لو أن لهم عيوناً فعسى ألا تراني

لو أن لهم أيادي فعسى ألا تمسك بي

لو أن لهم أقداماً فعسى ألا تلحق بي

لا تأذن لهم بأن يباغتوني من الخلف

ولا تأذن بموتي موتاً عنيفاً

ولا تأذن بسفك دمي

إنك، وأنت العالم بكل شيء

تعلم بآثامي

وكذا تعلم بإيماني

فلا تتخلّ عني

آمين"

افتتاحية رواية (روساريو) لـ خورخي فرانكو، ترجمة مارك جمال

ـ "كي نهدئ أنفسنا في الشوارع الصاخبة، لا بد أن نثق أن من يصدرون تلك الجلبة لا يعرفون شيئاً عنا، ينبغي أن نضع حاجز حماية بين الجلبة في الخارج، والإحساس الداخلي بعقاب مستحق، ولا ينبغي أن نغرق في سيناريوات تتضمن تأويلات تشاؤمية بشأن دوافع الآخرين، بهذا لن تكون الجلبة مبهجة على الإطلاق، ولكنها لن تتسبب بإغضابنا."

من كتاب (عزاءات الفلسفة كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة) لـ ألان دي بوتون، ترجمة يزن الحاج

ـ "النضال المسلح طويل الأمد، خصوصاً عندما لا يهتدي بنظرية وممارسة ثوريتين متلاحمتين، قد يجر أيضاً معه الكثير من الشقاق بين الأشقاء، كما أن الثورات التي تستمر طويلاً ضد خصم قاس شديد البأس، تودي عادة بحياة أكثر العناصر موهبة وتفانياً وشجاعة وبُعد نظر في صفوفها: بعبارة أخرى، حياة الذين يكون بناء المجتمع الجديد بعد الثورة في مسيس الحاجة إليهم."

من كتاب (خروج العرب من التاريخ) للدكتور فوزي منصور، ترجمة ظريف عبد الله وكمال السيد

ـ "إن ما يقوله القديس أوغستينوس عن الزمن يسري بالدرجة نفسها على الحب، كلما قللنا من تفكيرنا به، تبدّى لنا أكثر بداهة، ولكن حالما نمعن التفكير فيه، نغوص في مطبخ الشيطان. وما يؤكد هذا الوضع الغريب حقيقة أن الإنسان كفنان منذ فجر التاريخ الحضاري والإنسان كشاعر منذ عهود أورفيوس لم تشغله سوى موضوعات معدودة مثل انشغاله بموضوع الحب وبهذا الإصرار. فالشعراء كما هو معروف لا يكتبون عما يعرفونه حق المعرفة، بل عما لا يعرفونه حق المعرفة، وهذا لأسباب هم أيضا لا يعرفونها حق المعرفة، ولكنهم يريدون بكل تأكيد أن يعرفوها حق المعرفة. إن حالة عدم المعرفة أو حالة (أنا ـ لا ـ أعرف ـ ما ـ يعنيه ـ هذا) هي الحافز الأساسي الذي دفعهم للإمساك بالقلم أو الريشة أو القيثارة. (الغضب، الحزن، فيض العاطفة، المال وإلخ تأتي كلها بالدرجة الثانية). لو كان الوضع مغايراً، لما وجدت قصائد وروايات ومسرحيات، بل تصريحات وحسب"

من كتاب (عن الحب والموت) لـ باتريك زوسكيند، ترجمة د. نبيل الحفار.