عن آفة الحنين وكذب الصور وعيب الكتب

عن آفة الحنين وكذب الصور وعيب الكتب

26 سبتمبر 2021
+ الخط -

ـ "في مصر الأفق مكشوف، لا شيء يحجبه عن العين، لا شيء يعترض المسير إليه، لو وقفت في أول الصحراء أو في منتصفها أو في آخرها لو كنت في حقل أو في طريق، لو كنت في مدينة أو في قرية، فعيناك تريان دائما إلى آخر المدى، فتصبح الحركة بلا فائدة، والخطوات بلا معنى، لا شيء جديد يصادفك والمناظر لا تتغير سواء مشيت خطوة أو مشيت آلاف الخطوات... هنا مع كل خطوة تشاهدين أفقا جديدا، مع كل خطوة تتغير صورة العالم، قمة جبل تظهر، غابة تختفي، وادٍ يصادفك، هنا الطبيعة مليئة بالمخابئ والأسرار. يخيل إليّ وأنا مسافر أني أبحث عن ملجأ في الطبيعة، أبحث عن مأوى، أو أريد أن أفر من مأوى، هذا الشعور لن تجديه أبدا في مصر، الطبيعة هناك مكشوفة متجردة، ولا يمكنها أن تأويك أو تحاصرك، إنها عراء بلا خبايا، بلا أسرار.

فسألته جوليا هامسة: وإذا أردت أن تهرب فإلى أين؟

قال: المهرب الوحيد داخل نفسك، في بلدي تسقط الناس في آبار عميقة داخل نفوسهم، كل الخبايا والأسرار والضباب الذي تجدينه في الطبيعة هنا، تجدينه داخل النفوس في بلدي."

فتحي غانم من رواية (الساخن والبارد)

ـ "لا تظهر في الكتب الأمور المرتبطة بالحاضر، وإنما الماضي والمستقبل، وهذا عيب كبير فيها. لا بد أن يُبتكر أحدهم كتاباً يخبرك فيه عما يحدث في اللحظة التي تقرؤه فيها. يبدو أن هذا أصعب من تأليف كتب تستشرف فيه المستقبل وتتنبأ به، وظني أن هذا هو سبب عدم وجود كتب عن الحاضر، لذا على المرء دائماً أن يذهب بنفسه ويتحقق من الواقع.".

خوان بابلو بيالوبوس من رواية (حفل في الوكر) ترجمة محمد الفولي

ـ "لا تصدقي الصور ولا تأخذي الحياة من على السطح، خلف كل صورة قصة لم تروَ، وصراعات لا تنتهي، الصورة ثابتة وليست سيلا متدفقا من الأحداث مثل المسلسلات في التلفزيون، لذا فهي كاذبة، تمنحنا لمحة واحدة عن الواقع، إن كنتِ تريدين الحقيقة، فخذي عشرات الصور في دقيقة واحدة، وشاهدي تبدل الابتسامة لحزن، والنور إلى ظلام، والحب إلى كراهية، والقرب إلى البعد".

نورا ناجي من رواية (أطياف كاميليا)

ـ "الموت أمر شخصي يثير الحزن أو اليأس أو الحماس أو الفلسفة الجافة. أما الجنازات فهي بالعكس مهمة اجتماعية. تخيل الذهاب إلى جنازة دون أن تلمع سيارتك أولاً، وتخيل الوقوف بجوار القبر دون أن تكون مرتدياً أفضل بذلة سوداء لديك وأفضل حذاء أسد جميل اللمعان، تصور أنك ترسل زهوراً إلى جنازة دون أن ترفق بها كارتاً لتثبت أنك قمت بالواجب على الوجه الصحيح. ليس هناك تقاليد سلوك اجتماعية أكثر رسوخاً في أمة من مراسم الجنازات. تصور السخط إذا غيّر القسيس عظته أو تلاعب بتعبيرات وجهه. تصور الصدمة إذا استخدمت في سرادق الجنازة كراسي غي رتلك الكراسي الصفراء الصغيرة ذات القاعدة الخشبية الخشنة غير المريحة، لا، فاحتضار الإنسان قد يعني حبه أو كراهيته أو الحزن عليه أو الشعور بفقده، ولكن إذا مات أصبح المحور الرئيسي لاحتفال اجتماعي رسمي معقد."

جون شتاينبك من رواية (تورتيلا فلات) ترجمة سيد جاد

ـ "من جرّب داء الحنين إلى الأوطان وحده يدري طبيعة الجنون ويستطيع أن يتسامح فيغفر الجنون. فالوفاء هو الخصلة التي لا يملك الحقّ في أن يطعن فيها. الحب فيها معبودٌ فوق الشكوك. الحب هو الساحر الذي لا يخفى. كل ما هنالك أن الحنين كان في حياتها الساحر الأدهى. الحنين فتنة الشعراء. الحنين أفيون النفوس التي وجدت نفسها في الصحراء بلا حول، لأنها لم تنتمِ يوماً إلى جنس الخليقة التي تدبّ في الصحراء. الحنين لغة الغرباء الظامئين إلى الوطن المفقود، ولكنهم لا يملكون إلا أن يسقطوا هذا الظمأ على أوطان الوجود تعبيراً عن يأسهم في العثور على الوطن المنشود. الحنين آفة الممسوسين. آفة الموسوسين الذين لم يولدوا، ولكنهم بُعثوا، ولو خُيِّروا لما وُلدوا، فلا يملكون إلا أن يتشبثوا بتلابيب الحنين إلى الأوطان، لا لكي يسكنوا فيها، ولكن لكي يعبروا منها، يعبروا منها إلى البر الوحيد الآمن، يعبروا منها إلى الوطن المفقود دوماً، لأنه لم يكن ليكون وطن الله لو لم يكن مفقوداً."

إبراهيم الكوني من رواية (ناقة الله)

ـ "الذاكرة ليست أوهاماً بل هي جوهر وتر طويل يلتف حول الواقع وتعلّقه بصور بعيدة تنبسط رعشاتها وتنقل تيارها إلى التشعبات العصبية للجسد."

جان لوكليزيو من رواية (ثورات) ترجمة بشرى أبو قاسم

ـ "لماذا نحن بحاجة إلى معاجم جديدة؟ من أجل تمرير التجارب التي تحملها اللغة من جيل لآخر. نحن نعود دائماً إلى المعجم وما ذُكر فيه. لكن إلى ماذا نعود عندما نتناول المعجم بين يدينا؟ هل نعود إلى الأصل؟ هل نرجع إلى صحيح اللغة؟ هل نَحِنُّ إلى الماضي؟ نحن نعود إلى المعجم لأننا على الأغلب وقعنا في أزمة، وأصبحنا بحاجة إلى مساعدة، فالكلمات كما نعرفها لم تعد تعني شيئاً. نحن نقوم بالبحث عن معنى شارد تركه أحدهم ولم نلتفت إليه من قبل، أملاً في أن نعثر على مَخرج من أزمتنا. هذا المعنى الشارد أو البعيد أو حتى المهجور ليس ابتكاراً جادت به قريحة أصحاب المعاجم، وإنما هو خبرة مدفونة في هذه الكلمة أو تلك، أو كما نحب أن نسميه نُدبة لم تعد تُرى بالعين المجردة، وعندما نعود إلى ترك الجراح والندوب فإننا لا نفعل ذلك لأننا نقدس لغة الماضي، وإنما لأننا نبحث عن لغة جديدة. العودة إلى المعجم تشبه عمل المؤرخ الذي تحركه لحظة خطر أو أزمة، فيهرع إلى الماضي لكي يقرأ فيه ما يفيد محاولات النجاة من الخطر المحدق، إنه يصل الصراع الحالي بصراع أقدم. كل معجم جديد هو أمل في لغة جديدة، موجّه نحو المستقبل."

هيثم الورداني من مجموعته القصصية (ما لا يمكن إصلاحه)

ـ "أوه! ليت شبابي كان حلماً أبدياً! فلا تتيقظ روحي حتى يجيء شعاع الأبدية بالغد. نعم! فبالرغم من أن ذلك الحلم الطويل كان حزناً بائساً، كان أفضل من الواقع البارد لحياة يقظة، عند ذلك الذي يجب أن يكون قلبه ولا يزال على الأرض الجميلة فوضى من العاطفة العميقة، منذ ميلاده، لكن إذا مُنح ذلك الحلم المستمر أبداً كأحلام حدثت لي في صباي المبكر على هذا النحو، فمن الحماقة مع ذلك آن آمل في سماء أعلى."

إدجار آلان بو من الأعمال الشعرية الكاملة ترجمة غادة الحلواني، مراجعة إدوار الخراط.

دلالات