عمّار الأمير يكمش السوري متلبساً

06 يناير 2021
+ الخط -

يتوجس عمّار الأمير من كتابة القصة في وطنه الذي عصفت به حرب الأخوة الأعداء. إحساسه بالخوف يظهر جلياً في سطور قصصه التي جاءت مجموعة في كتاب بلغت صفحاته أزيد من مئة وخمسين صدر حديثاً عن دار "موزاييك" للدراسات والنشر في إسطنبول. ممّ يتوجس عمّار الأمير؟ وكيف استطاع أن يكمش السوري متلبساً بمصيبته؟ وكنتُ أظن أن فعل "كمش" عامي المصدر حتى وجدته من الفصيح في المعجمات العربية.

عمّار الأمير ككل السوريين يتوجس ضمن الحيّز الجغرافي الذي يعيش فيه، فتراه يُمعن في كتابة قصص تشبهه، فتظهر الرعشة في مفاصل القصص، خائفة، تلك القصص يا عمّار، متوجسة، مرتابة، من أمر ما، وهذا ليس عيباً فيها على كل حال، فهي مشغولة بإتقان ودراية، ولكنها تحاول التوازن، واقفة هي كالأشجار التي جف النسغ في شروشها فيبست في بلد يعيش الكثير من ناسه بلا أقدام. فقد شوهتهم الحرب وقطعت أطرافهم.

عمّار الأمير من المجتهدين في وطنه، كتب القصة القصيرة من سنوات، ونشر مجموعة من القصص القصيرة جداً. وها هو يحاول اليوم من خلال خمس عشرة قصة تألفت منها المجموعة القصصية الجديدة أن يلج إلى المسكوت عنه في حياته وحياتنا، وفي المحيط الذي يعيش فيه، فيختلط الخاص بالعام "خلطاً مُبرحاً". يُريد أن يقول شيئاً مهماً، ولكن اللسان يعجز عن البيان في بعض الأحيان، فيتلعثم من رهبة قديمة يصعب التخلص منها، لأن الخوف من الرقيب عشّش في مفاصل الكلمات، فلانت، وهانت، ومالت تعرج في سيرها، هي كالسائر في نومه لا يدري إلى إين المسير. هل هو عمق هذه المأساة التي يعيشها الإنسان السوري الذي "يكمشه" عمّار الأمير متلبساً بمصيبته؟

هل نحن كسوريين في الخارج والداخل نخاف على مصيرنا إن سخرنا من تلك السلطة الغاشمة في القصر الجمهوري؟

أنهيت قراءة المجموعة القصصية التي حملت عواناً لافتاً "جاسوسة الملائكة" في يوم واحد، وتساءلتُ في سري - حتى لا يُكشف أمري - وهل للملائكة جواسيس؟ أتعبتني القراءة، وأنا في أيام نقاهة من عملية جراحية في القلب الذي أتعبه الهجر والبعد عن الديار، وأنا المقيم بعيداً عن بيتي ومكتبتي وأهلي وناسي وأسكن في المرتفعات الجبلية لمدينة إزمير التركية على شاطئ بحر إيجة، فاسترحتُ لأيام، وبذلك ذهب الانطباع الذي تركته القراءة الأولى في النفس.

كنتُ أبحث في النصوص القصصية عن خيط يجمعها، عن مفاتيح الكلمات في النص القصصي، تلك التي تتسلل أحياناً في الرسائل الشفوية المتبادلة بين الشخصيات وفي خلفية الأحداث وأحياناً على لسان بعض الأشياء التي تتحدث بفصاحة، أبحث عن كيفيّة ترتيب الكلمات وأسلوب استخدامها في نصوص القصص.

قصص المجموعة تدور في بلد أظن أنني أعرفه، ولدت فيه، ثم اضطررت إلى مغادرته، وذاكرتي عنه أصبحت صوراً، يتلاشى بعضها، وبعضها الآخر يتضح ولا يتزحزح مثل عين الشمس، وأحياناً أعجز عن التفريق بين الحقيقي والمتخيل في القصص وفي الحياة. أحاول أن أبحث في القصص عمّا يشبهني، لا كناقد فظٍّ قليل الخبرة، ثقيل الدم، أو كاتب تفاهات وأحزان صغيرة وخيبات، أحزمها وأضعها في كلمات تنتظم في مقالات - أظنُّها ستُغيّر العالم - نعم، أُحاول ملكاً ضائعاً، وأترحّم على الملك الضليل، أبحث كقارئ مجتهد يحاول أن يكرّس وقته لمنتج فني يخاطبه ويكشف له عمّا نسيه أو تناساه.

في القصص ذاكرة مكان لا يغيب وكأننا ابتلينا بهذه الذاكرة من أيام عمنا الأديب السوري الكبير حسيب كيالية - زيتنا في دقيقنا - ورحنا نحمل "إدلب حسيب كيالي" هذا الإرث الثقيل، في حلنا وترحالنا ونحسبها من أجمل مدن العالم.. هل هي كذلك فعلاً يا عمّار أم نُبالغ في سعينا هذا؟

القصص تمسّ شغاف قلوبنا نحن القراء من جميع الأجناس والملل والنحل والسوريين على وجه الخصوص، لأنها تحكي حكايتهم، أو قُل مأساتهم، ربما نجا بعضهم من براثن الوحش الضاري، لكن الكثيرين منهم ومن غيرهم لم ينجوا، ويحق لنا أن نقرأ أي عمل أدبي يتحدث عنا وعن مصير ما بقي من ديارنا التي ولدنا فيها. هل نخاف على من بقي من أهلنا في بلادنا؟ نعم، نخاف عليهم بكل تأكيد، لذلك تجدني في هذه الكلمات أُعجم أكثر مما أُفصح. حتى في الغربة نخاف؟ نعم يا سيدي، حتى في الغربة نخاف.

والسؤال المهم: هل نحن كسوريين في الخارج والداخل نخاف على مصيرنا إن سخرنا من تلك السلطة الغاشمة في القصر الجمهوري؟

يا سيدي، اسخر كما تريد، ولكن باتزان على طريقة عمّار الأمير في قصصه، حاول أن تتوازن على حبل الوطن المشدود كي لا تقع فريسة بين براثن الوحش الفاتك الذي لن يرحمك إن وقعت فعلاً، سينهش لحمك ويمصّ عظمك، فاحذر أن تقع.

عمّار ينتظر مني أن أكتب نقداً أدبياً لمجموعته القصصية. هل تتوقع مني ذلك يا عمّار؟ وكوكب الشرق تُنشد من كلمات الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي: أعطني حريتي أطلـق يديـا/إنني أعطيت ما استبقيت شيئا/آه من قيدك أدمى معصمـي/لم أبقيه ومـا أبقـى عليّـا/مع احتفاظي بعهود لم تصنها/وإلام الأسـر والدنيـا لديّـا. وأتساءل في سري - من خوف قديم - لماذا يكره الديكتاتور الحرية فيصنع لها هذا القيد الثقيل الذي يحز المعصم حزاً مؤلماً؟ مع أن باب الحرية بكل يد مضرجة يُدق، وهذا كلام شعراء وأدباء، وهؤلاء يتبعهم الغاوون.