على هامش محاكمة حميد المهداوي

17 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 11:35 (توقيت القدس)
+ الخط -

أعادت محاكمة الصحافي المغربي حميد المهداوي النقاش حول حرية التعبير والنشر في المغرب، وهو بطبيعة الحال نقاش دائم ومستمر، ويُستعاد بقوّة في مثل هذه المناسبات التي تتكرّر. 

دائمًا ما اتسمت العلاقة بين الصحافة والنظام الحاكم في المغرب بالتجاذب، إلى حدّ أن وصف أحد الصحافيين المخضرمين هذه العلاقة بسوء الفهم الكبير، بما يجعلها عرضة للسقوط في الكثير من المطبات، آخرها محاكمة الصحافي حميد المهداوي.

حميد المهداوي معروف بانتقاده اللاذع لرجالات الدولة، والكثيرون لا يتفقون مع خطّه التحريري، وآخرون يصفون خطابه بالشعبوي. ومع ذلك لا يمكن أن نزج بصحافي في السجن، لأنّ ما حوكم بسببه يدخل ضمن نطاق حرية التعبير. ويجب ألّا يفهم من هذا الكلام أنّ الصحافي فوق القانون، فمن حقّ أيّ مواطن شعر بأنه مستهدف من طرف صحافي ما أن يلجأ إلى القضاء، لكن العقوبة يجب أن لا تكون سالبة للحرية أو من نوع الغرامات الفلكية بالنظر للوضعية المالية الهشّة للصحافيين المغاربة. 

كذلك فإنّ النظام يتحمّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية لما آل إليه قطاع الصحافة من تدهور، حتى بشهادة المشتغلين فيه. ولعل النقاش الحاد الذي رافق مصادقة الحكومة والبرلمان على القانون الجديد للمجلس الوطني للصحافة، ورفض مجموعة من الصحافيين لهذا القانون، ما يدل على ذلك. 

هناك تضخم فيما يخصّ المنابر الإعلامية، مقابل قصور على مستوى القيمة المضافة

هذا التجاذب بين المشتغلين في الصحافة والدولة ليس وليد اللحظة، بل هو صراع مستمر منذ الاستقلال، المحرّض عليه رغبة الدولة في ضبط القطاع، وقد نقول رغبتها الراسخة بالسيطرة عليه، وهي دائمًا ما كانت تلجأ إلى سياسة العصا والجزرة، لمواجهة الأقلام المُنفلتة. 

كنّا نتمنى أن تسمح بداية تسعينيات القرن الماضي مع بداية تجربة ما سمّي آنذاك بالصحافة المستقلة التي لا تتبع للدولة (الصحافة الرسمية) أو الصحافة الحزبية أن تفرز مشهدًا إعلاميًا متنوّعًا، وخصوصاً إعلامًا مهنيًا، يفرزه تراكم كمي ونوعي في التجربة الصحافية المغربية، وبالتالي تصبح لنا تقاليد إعلامية كما هو الحال في الدول الرائدة في هذا المجال، إلا أنّ هذه التجربة أُجهِضَت، وذلك بمحاصرتها والتضييق عليها على المستوى السياسي، والمالي أيضاً.  

مع الانفجار المعلوماتي، اختلط الحابل بالنابل، ونتج مشهد إعلامي أقلّ ما يقال عنه أنه ضحل، فهناك تضخم في ما يخصّ المنابر الإعلامية، مقابل قصور على مستوى القيمة المضافة، لأنّ الهدف من الإعلام أساسًا تنوير الرأي العام من خلال توفير المعلومة الصحيحة وتطوير النقاش العمومي بالسماح لجميع الأطياف السياسية بالإدلاء بوجهة نظرها في ما يخصّ السياسات العمومية المُنتهجة من طرف الماسكين بمقاليد تدبير الشأن العام. بدل ذلك نجد أنفسنا أمام إعلام يبحث عن الإثارة للرفع من نسب القراءة والمشاهدة. 

وعلى العموم، الحقل الإعلامي في المغرب (ولا أعتقد أنّ الوضع يختلف عنه كثيراً في باقي البلدان العربية) أشبه بحقل ألغام، لا يعرف المشتغلون في رحابه متى ينفجر أحدها تحت أقدامهم.