عذراً حمورابي
يجول في خاطري سؤال يؤرقني، وتعتصر به الروح: هل كانت بابل مجرّد حلمٍ باهتٍ من الماضي، أم واقعاً أبدعته أيادي أجدادنا العظيمة، ثم تلاشى مع مرور الزمن؟
لا تزال ذاكرة أيّام الدراسة حيّةً في وجداني، ونحن نصغي بإجلالٍ إلى أستاذ التاريخ، وعيناه تفيضان فخراً وعزّة، وهو يروي لنا حكايات تلك الحضارة السومرية التي ترعرعت بين دجلة والفرات، ثم ازدهرت في أحضان البابليين. كانت بابل، بين عامي 1792 و1750 قبل الميلاد، عاصمةً لجزءٍ كبيرٍ من بلاد الرافدين، واشتهرت بمدنيتها الفريدة، حيث ارتقت فيها العلوم والمعارف والفنون إلى أوجها. وظلّت هذه المدينة، حتى عهد الملك الكلداني نبوخذ نصر الذي حكم ما بين 626 و539 قبل الميلاد، منتعشةً ومتطوّرة، منارةً تُضيء دروب البشرية. لكن تلك الحضارة العريقة، التي طالما تمنّت أمم العالم لو أنها قامت على أرضها، أصبحت اليوم مجرّد ذكرى تتمنى الذاكرة أن تتشبّث بها.
كانت رحلتي الأخيرة إلى بابل، من البصرة الفيحاء، حلماً يراودني منذ زمنٍ بعيد، لا لمجرّد الترفيه، بل كرحلة معرفية أستقي منها عبق التاريخ وأستشعر عظمة الماضي. انطلقتُ محفوفاً بشوقٍ عارم، ولهفةٍ لا تُوصف لرؤية مهد الحضارات. تجاوزنا مشقة الطريق وتعب السفر، ونحن نحمل في قلوبنا أمنياتٍ عذاباً، وأملاً بأن نلتقي بعبق التاريخ، ونشهد بأعيننا ما سطّرته الأيّام عن عظمة البابليين. وعندما لاح لنا نخيل بابل باسقاً، يلامس زرقة السماء، ويُغازل نسيم الفجر العليل كلّ زاوية من المكان، أيقنتُ أنني على موعدٍ مع زمنٍ آخر، زمنٍ يشعرك بإبداع الأجداد، ويزرع في أعماق قلبك الاعتزاز بهذا الوطن المعطاء، الذي أهدى الإنسانية كنوزاً لا تُقدّر بثمن.
حضارة أضاءت للعالم دروب العلم والفن والعمران ماضياً، وها نحن ندمرها، لا بالحرب والخراب، بل بالإهمال واللامبالاة
ترجلنا من السيارة في مكانٍ مخصّص، أنزلنا طعامنا، وافترشنا الأرض العذراء قرب النهر، والسعادة تغمرنا بجمالٍ يأسر الألباب. فطقس هذه المدينة العتيقة يبعث في الروح طمأنينةً وسكينةً لا تُضاهى. بعد استراحة قصيرة، انتفضنا بنشاطٍ وهمّة، نتوق لزيارة هذا الصرح العظيم الذي طالما سمعنا عنه الكثير. عبرنا بوابة الحضارة، حيث التقطنا الصور التذكارية بفخرٍ واعتزاز، ثم توجّهنا بلهفة نحو لافتة تشير إلى "متحف الملك نبوخذ نصر". ولكن سرعان ما تبدّدت ابتسامتنا المشرقة، لأن الغرفة كانت مغلقةً بإحكام!
سألنا عن السبب، فكان الجواب صادماً، كوقع الصاعقة على رؤوسنا: "أغراض المتحف غير موجودة". كانت هذه خيبة الأمل الأولى، التي ألقت بظلالها على صفاء رحلتنا.
واصلنا السير بضع خطواتٍ متثاقلة، وها نحن ندخل إلى قلب البناء، لكن المفاجأة كانت أقسى وأشد وطأة. لم نرَ سوى الطابوق الأصفر، الذي بُني به هذا الصرح العظيم. لا تماثيل شاهقة، لا نقوش تحكي قصصاً من عمق التاريخ، لا أثر لأيّة معالم تُذكرنا بأن هذه كانت يوماً ما حضارةً عريقة. صُدمنا أكثر لغياب الدليل السياحي الذي يرشدنا، ولا توجد لافتات توجيهية، فقط طابوق أصفر صامت، كأنه يشهد على إهمالٍ موجع. الأسوأ من ذلك، تناثرت هنا وهناك بعض النفايات، علبة عصير فارغة، وعلبة سجائر مهملة، تُشوّه جمال المكان وتُلطخ قدسيته.
تسلّلت الصدمة إلى أعماقنا ونحن نواصل التجوال في هذا الصرح العظيم، الذي كان من المفترض أن يملأنا بالرهبة والإجلال. وفي مشهدٍ مؤلمٍ آخر، تفاجأنا ببعض الشباب وقد نصبوا أجهزة "دي جي" عالية الصوت، يرقصون على أنغامها الصاخبة التي اخترقت صمت التاريخ. أين الحضارة؟ أين عبق الماضي؟ كيف لهذه الأصوات المتنافِرة أن تتناغم مع صمت الأجداد وتُبَدِّد روح المكان؟ كان هذا المشهد مؤلماً حقاً، فقد بدّد ما تبقى فينا من أمل في أن نجد شيئاً من المجد الغابر.
كنزٌ لا يُعوّض، ولكنه يئن تحت وطأة الإهمال
لم يتبقَ لنا سوى رؤية أسد بابل، ذلك الرمز الشامخ للقوّة والعراقة، فتوجّهنا إليه بخطىٍ يملؤها مزيجٌ من الأمل والخوف. وما أن وصلنا، حتى رأينا مشهداً آخر يدمي القلب ويُشعل في النفس غضباً صامتاً: بعض الشباب يعتلون الأسد، يلتقطون الصور، أحدهم يقف بقدمه على رأس الأسد، يضحكون بملء أفواههم ويسخرون من أسد بابل، وكأنهم يُمزّقون صفحةً من كتاب التاريخ بأفعالهم تلك.
لو علم البابليون بما سيفعله أحفادهم، لما بنوا، ولما سكنوا هنا، ولما أورثونا هذا الإرث العظيم. التقطنا بعض الصور التذكارية قرب الأسد، والأسى والحزن يملآن قلوبنا على حال هذه الحضارة، وإهمال الدولة لها، كأنّها ليست جزءاً من هُويّتنا ووجودنا.
تساءلتُ في نفسي بحسرة: لو جاء سائحٌ من مكانٍ بعيد، قاطعاً آلاف الأميال ليرى الحضارة، فماذا سيرى؟ وماذا سيقول؟ إنّ مردود هذه الحضارة المادي هائل لو فكّرت الدولة قليلاً، لو أدركت أن هذا الإرث كنزٌ لا يُعوّض، ولكنه يئن تحت وطأة الإهمال.
عذراً يا حمورابي، وعذراً يا نبوخذ نصر. لقد بنيتم أروع حضارة في الماضي، حضارة أضاءت للعالم أجمع دروب العلم والفن والعمران، وها نحن ندمرها، لا بالحرب والخراب، بل بالإهمال واللامبالاة. إنها حكاية حضارةٍ عريقة، تبكي على أمجادها، وتنتظر من يعيد لها رونقها وتألّقها، قبل أن تصبح مجرّد ذكرى عابرة في صفحات النسيان.