عدالة مناخية من أجل النساء

28 ديسمبر 2025
+ الخط -

يُقدّر البنك الدولي أنّ ما بين 68 مليوناً إلى 135 مليون إنسان إضافي سيقعون في براثن الفقر بحلول عام 2030 بسبب الآثار السلبية لتغيّر المناخ.

يخلط الكثيرون ما بين الإجراءات الحاسمة المطلوب إجراؤها لحماية البيئة وما بين العدالة المناخية، التي لا تعتمد فقط على نصائح وتوجيهات وبرامج مُلزمة للجميع، كلّ حسب موقعه ومقدرته، بل على قواعد واضحة ومُعلنة للمحاسبة وتحديد المسؤولية عن آثار التدهور المناخي.

يمكن تعريف العدالة المناخية بأنّها مفهوم يربط بين تغيّر المناخ والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. إذاً، تبدو العدالة المناخية هنا مساراً مُتكاملاً وشمولياً، يرتكز على الواقع بكلّ مآسيه الحاصلة والمُتجدّدة في ما يخصّ المناخ العالمي، ويربط هذه التغيّرات بأسئلة جوهرية كبيرة.

 التغيّر المناخي ليس حيادياً جندرياً، ولذا ستصبح العدالة المناخية غير مُحايدة جندرياً

لا تهدف هذه الأسئلة إلى التخفيف من آثار الاحترار والفيضانات والجفاف وتبدّل المناخ بصورة غير قابلة للتوقّع فقط، بل تهدف إلى توزيع هذه الآثار السلبية على الجميع بعدالة مُجتمعية حقوقية، بما يعني تقاسم المسؤوليات والواجبات، خاصّة أن يتحمّل المسؤولون عن الخراب المناخي المسؤولية المُستحقة عن جرائمهم المناخية عبر المشاركة بتمويل برامج لدعم المُتضرّرين ومحاولة تقديم يد العون للفئات الأكثر هشاشة، مثل النازحين واللاجئين وذوي الإعاقة والأطفال والنساء وسكان الأرياف النائية والعاطلين عن العمل.

حسب تقرير ليونيسف ومنظّمة الصحة العالمية، يعيش مليار وثمانمائة مليون إنسان دون إمدادات للمياه في البيوت، كما تنشغل نساء وفتيات أربعة بيوت من كلّ خمسة بيوت بنقل المياه من الصنابير العامة أو الآبار أو البحيرات والأنهار، وذلك في المناطق والمدن والأرياف التي تعاني من الجفاف ومن غياب خدمات توصيل مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي.

تستند العدالة المناخية إلى قاعدة أساسية فرضتها، وبقوّة، مقاييس الخسارات وحجمها، ومن الأكثر تأثّراً بها. تقول القاعدة، استنتاجاً، إنّ التغيّر المناخي ليس حيادياً جندرياً، وبالتالي ستصبح العدالة المناخية غير محايدة جندرياً. أي أنها ستسعى وستنشط من أجل، وبين النساء، اللاتي تؤثّر تغيّرات المناخ على حيواتهن وعلى تفاصيل معيشتهن، فقط لأنهنّ نساء.

على النساء الانخراط والوصول إلى المراكز القيادية في عملية إحقاق العدالة المناخية

تبدو مشاركة النساء في مسار العدالة المناخية وكأنها بالضبط رد تفصيلي على مسار التهميش المزمن للنساء وتأنيث الفقر وحرمان الفتيات من التعليم وتغييب النساء عن الحضور في الحيّز العام والمشاركة في رسم السياسات المؤدّية إلى المساواة في الوصول، كما في الآثار السلبية التي باتت تشكّل تهديداً فعلياً وقوّياً لمشاركة النساء وانخراطهن في الفعالية الاقتصادية وصون حياة النساء والعائلات. إذاً، لماذا ينبغي على النساء التوجّه نحو العدالة المناخية؟

من أجل تقويض عدم المساواة في التأثّر بنتائج تغيّر المناخ، فلطالما أرخت تلك الآثار ثقلها على النساء وعلى وقائع حيواتهن اليومية. 

تتوجّه النساء نحو العدالة المناخية أيضاً لتحقيق المساواة في المسؤولية، فبدلاً من أن تدفع الطفلات من أجسادهن الغضّة فواتير نقل الشركات العملاقة لصناعتها خارج حدودها طمعاً في موارد أقلّ تكلفة، وفي أيدٍ عاملة رخيصة، بلا حماية وبلا تأمين مادي واجتماعي.. والمحصلة تصبح الفتيات بلا تعليم وبلا مستقبل، خاصّة اللاتي يحملن وحيدات الأعباء الناجمة عن تغيّر المناخ العالمي. إنّ الحق في التنمية والحياة الكريمة هي حقوق أصيلة من حقوق النساء، لا يمكن الوصول إليها إذا لم تتقاسم الحكومات والشركات وكلّ الفعاليات الاقتصادية المخلّة بأمان الكوكب وبجودة المناخ المسؤولية الكاملة عن تجاوزاتها والمسؤولية الكاملة عن آثار تلك التجاوزات التي يكون واقع النساء مرآة كاشفة لها.

لطالما شكّل التصدي المُبدع والمسؤول للنساء لحماية حياة عائلاتهن وتأمين الموارد المُتاحة انطلاقة دفاعية لحماية الكوكب. لكن، وكي لا تتحوّل هذه الاندفاعة لقاعدة مدمّرة لحياة النساء، على النساء الانخراط والوصول إلى المراكز القيادية في عملية إحقاق العدالة المناخية، بدءاً من البيوت والمجالس المحلية وصولاً إلى المشاركة برسم السياسات العامة وضبط المسؤولية وتحقّق المساواة للمشاركة في التنمية المستدامة.

سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك
مدونة سورية تقيم في دمشق، تكتب مقالات وتحقيقات صحافية، وصدرت لها ثلاث مجموعات قصصية. تكتب في مواضيع النسوية والجندر وتهتم بقضايا العنف الاجتماعي.
سلوى زكزك