عالم ما بعد انكشاف المركز
في الأيام القليلة الماضية، استقال ثلاثة من أبرز أساتذة جامعة ييل الأميركية، من بينهم المفكر المعروف أستاذ الفلسفة الاجتماعية والسياسية جيسون ستانلي، مؤلف كتابي "كيف تعمل الفاشية" و"محو التاريخ" وغيرهما، حيث قرر مغادرة الولايات المتحدة والتدريس في جامعة تورنتو الكندية برفقة أستاذي التاريخ مارسي شور وزوجها تيموثي سنايدر، حيث أوضح ثلاثتهم أن الانتقال إلى التدريس في كندا سيمنحهم فرصة للدفاع عن الديمقراطية، ومواجهة الفاشية الأميركية الصاعدة، والتدريس دون خوف من الانبطاح الأكاديمي للبيت الأبيض.
ولا تعد هذه الخطوة مجرد انتقال أكاديمي روتيني، بل احتجاجا سياسيا صريحا، يعبّر عن قلق عميق من المناخ السياسي الأميركي، الذي يراه كثيرون اليوم على حافة تحول فاشي واضح المعالم. ستانلي قالها بوضوح إنه اتخذ هذا القرار "من أجل أن يربي أطفاله في بلد لا يتجه نحو الدكتاتورية الفاشية"! ومن متابعتي لأعمال البروفيسور ستانلي، فإن كان ثمة أمراً يعرفه الرجل حقّ المعرفة، ويملك القدرة على تشخيصه متى برزت علاماته، فهو الفاشية دون ريب.
لكن هل ما نشهده اليوم من صعود للفاشية الأميركية بصيغتها الترامبية الشعبوية الصاخبة هو مجرد حادث عرضي في مسار ديمقراطي متين؟ أم أننا إزاء لحظة تاريخية تُمثّل انكشافًا لنظام ظلّ لعقود يُخدّر العالم بخطاب الحقوق والحريات، بينما يُمارس على الأرض سياسات الهيمنة والتفوق والإقصاء عبر الفاشية المقنّعة؟
فعليًا، من أوباما إلى بايدن، ومن بوش إلى ترامب، لم يكن النظام الأميركي سوى آلة واحدة، تتبدل ملامح القناع الذي يغطي وجهها، لكن دون أن يتغير جوهرها. نظام يقوم على تصدير نفسه كمرجعية أخلاقية للعالم، بينما يشنّ حروبًا ويقتل مئات الآلاف تحت شعارات الحرية والازدهار، ولا يخجل من التحالف مع الاستبداد حين تقتضي المصلحة. فلم يكن ترامب انحرافًا عن هذا المسار، بل هو مجرد تكثيف فجّ له، نزع القناع دون أن يغيّر المضمون، لينكشف النظام الفاشي الأميركي بعد خلع برقع الحياء وجلد الحرباء.
وهنا تبرز المفارقة. ففي انكشاف هذا النظام بلا مواربة وإعلان فاشيته وتطبيقها صراحةً، قد يكمن شكل غير متوقع من الخير، لا بوصفه انتصارًا سياسيًا، بل كنوع من التحفيز لليقظة العالمية. فانكشاف النظام وتَسيُّد الفاشية الصريحة المشهد الأميركي قد يخلق فراغًا يسمح بالتغيير حول العالم. وقد قال المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي يومًا: "العالم القديم يحتضر، والجديد يكافح من أجل أن يولد، وفي هذه الأثناء تظهر الوحوش". وربما ما نراه اليوم ليس إلا لحظة الوحوش، اللحظة التي تشير إلى نهاية حقبة ما، وبداية محتملة لما لم يُسمَّ بعد.
اللحظات الأكثر ظلمة في التاريخ غالباً ما أنتجت حركات التحرر الأكثر راديكالية، والأكثر صدقاً، فلم تولد حركة الحقوق المدنية في أميركا من ترف المؤسسات، بل من سياط القمع
بالتأكيد وحوش غرامشي قد تتسبب في كثير من البلاء على المدى القصير ولربما الطويل، وفي لحظات كهذه، لا تصبح المدافعة عن الحريات ترفًا، بل ضرورة وجودية للأميركيين خصوصًا، والعالم عمومًا، فأكثر ما يخيف في هذه المرحلة ليس فقط تغوّل السلطة التنفيذية، بل اعتياد الناس على هذا التغول. حين يصبح الاستثناء قانونًا، والعنصرية وطنية، وانتهاك الخصوصيات، وحتى التعذيب، دفاعًا عن الأمن، والتضليل حرية رأي، عندها سيغرق الجميع في عمق العطالة الأخلاقية، ومن هذا العمق بالذات ستنبثق أسئلة جديدة حول العالم، أسئلة حول الهويّة، من نكون حين تنكشف أكاذيب الحرية والديمقراطية الغربية؟ وهل تبقى لنا ذاتٌ مستقلة بعد سقوط الأيديولوجيات المهيمنة؟ ما الذي يستحق البقاء من القيم والمؤسسات التي أُزيحَت أقنعتها؟ هل ننبذ كل شيء، أم ننقّب بين الأنقاض عن نوى صادقة للكرامة والتحرر يمكننا البناء عليها؟
حين تسقط مرجعياتنا الكبرى، كالحكومات والنخب والإعلام التقليدي وشيوخ السلاطين والأكاديميا، من يتبقى لنثق به؟ هل نلجأ للحكومات البديلة؟ للمجتمع المدني؟ أم نعوّل على الأمل الإنساني المشترك؟ ربما يكون انهيار الوصاية الأميركية فرصةً تاريخية للجنوب العالمي كي يبحث عن ذاته ومصالحه ضمن تحالفات جديدة، ويصنع مصيره بعيدًا عن أوهام الآلهة المزيفة القديمة.
اللافت أن اللحظات الأكثر ظلمة في التاريخ غالبًا ما أنتجت حركات التحرر الأكثر راديكالية، والأكثر صدقًا، فلم تولد حركة الحقوق المدنية في أميركا من ترف المؤسسات، بل من سياط القمع. ولم ينهض الوعي الفلسطيني من بيانات الأمم المتحدة، بل من قلب المجازر وخيام الشتات. الوعي لا يولد من الانسجام، بل من الصدمة، من التناقض، من الإحساس بأن ما نراه لم يعد يمكن احتماله، وأن ما اعتدنا ترديده فقد معناه.
وفي العالم العربي، حيث طال الانتظار وتراكمت الخيبات، قد يُشكّل انهيار المركز أو انكشافه لحظة مناسبة لإعادة تعريف العلاقة مع الغرب. لم تعد شعوب العالم ترى في "الديمقراطية الغربية" نموذجًا، ولا في خطابه مصدرًا حقيقيًا للخلاص. ولعل في هذا التحرر الرمزي بداية لفعل سياسي واجتماعي جديد، يتجاوز التبعية، لا ليقع في انعزالية قومية مفرغة، بل ليصوغ من الهامش سرديته الخاصة ويعيد تشكيل وجوده الأصيل والمختلف.
ولعل في اضطراب تبديل جلد النموذج الأميركي وتقوقعه نحو الداخل فرصة أيضًا لتعدد المراكز العالمية. ليس لأن القوى الصاعدة أكثر عدلًا بالضرورة، بل لأن غياب المركز الواحد يمنح الفراغ لسرديات أخرى ولرؤى أخرى ولأطر أخلاقية أخرى لم تأخذ فرصتها من قبل. ومع غياب من يفرض التعريف الوحيد للحرية، قد تبدأ فكرة الحرية نفسها في التحرر من أطر الغرب البالية.
الكرامة هنا لا تُمنح من نظام أو خطاب، بل تُنتزع من لحظة الوعي. حين تتصدع الأسطورة، ويظهر التاريخ كما هو، عندها قد تتاح لنا الفرصة لنكون أكثر صدقًا، أقل انبهارًا، وأكثر جرأة في قول ما لم يكن يُقال. ربما لا يكمن الخير في النظام نفسه، بل في انهياره وصعود نماذج أكثر عدلًا مهما كانت الولادة من الخاصرة مؤلمة. وربما لا يُصنع التاريخ على يد من يملكون السلطة، بل على يد من، في أشد لحظات العتمة، قرروا أن يروا ويغيروا.