ضدّ التخوف من الفيدرالية في سورية
في النقاشات السياسية السورية المعاصرة، تكاد كلمة الفيدرالية تتحول إلى جدار من سوء الفهم قبل أن تكون موضوعًا صالحًا للنقاش. تُستخدم غالبًا تهمةً أو تهديدًا، لا صيغةً سياسية يمكن التفكير فيها بعقلانية وهدوء. ومع ذلك، ليست الفيدرالية، في معناها الأساسي، سوى محاولة لتنظيم السلطة بطريقة تسمح للدولة باستيعاب تنوّعها الواسع من دون أن تفقد وحدتها. هي إطار سياسي نشأ تاريخيًّا حين أدركت مجتمعات متعددة أن المركزية الصارمة ليست قادرة على إدارة اختلافاتها، وأن بقاءها ضمن كيان واحد يتطلب مساحة من الحكم الذاتي المحلي، بحيث لا تشعر أجزاء الدولة بأنها مُلحقة بالمركز أو مجرَّد تابع له. وفي دول كأميركا وسويسرا وألمانيا، لم تكن الفيدرالية مشروعًا نظريًّا مثاليًّا بقدر ما كانت استجابة لوقائع اجتماعية معقدة ومحاولة لتحويل السلطة من هرم جامد إلى شبكة تتوزع فيها الصلاحيات بحكمة.
إذا نظرنا إلى الحالة السورية بعمق، نجد أن التعدد القومي والديني والمناطقي الذي يميز البلاد ظلّ محصورًا في البنية الاجتماعية والثقافية ولم يُترجَم يومًا إلى بنية سياسية تعكسه. فالمركزية القوية التي حكمت البلاد لعقود شكلت علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع، علاقة عمودية تُدار من الأعلى إلى الأسفل، ولا تسمح لأبناء المناطق المتنوعة بأن يشعروا بأنهم شركاء حقيقيون في صنع القرارات التي تمس حياتهم اليومية. في مثل هذا السياق، تصبح الفيدرالية مقترحًا لإعادة توزيع السلطة بطريقة واقعية ومنسجمة مع طبيعة المجتمع السوري، لا بوصفها مشروعًا انفصاليًّا، بل صيغة توازن بين الانتماء الوطني والهوية المحلية، بحيث يشعر كل مكوّن أنه جزء من الكلّ من دون أن تُلغى خصوصيته أو تُهمَّش مطالبه.
ورغم هذا الفهم البسيط، تُشيطَن الفيدرالية في سورية عمدًا وبشدة مبالغ فيها. تُقدَّم للجمهور السوري والعربي بوصفها خطرًا على الوحدة الوطنية، وطريقًا للتقسيم، وأداة خارجية لضرب البلاد. غير أن مصدر الخوف الحقيقي ليس الفيدرالية في ذاتها، بل ما تعنيه من إعادة توزيع للسلطة والمحاسبة وتقييد احتكار القرار. القوى التي استفادت طويلًا من مركزية الدولة ترى في أي صيغة لامركزية تهديدًا لنفوذها، لأنها تقطع الطريق على إدارة البلاد بعقل واحد ورؤية واحدة ومصلحة واحدة، ولأنها تنقل جزءًا من القوة إلى المجتمعات المحلية التي طالما حُرِمت من حق المشاركة. ويشارك في صناعة هذا الخطاب التخويفي الكثير من الإعلاميين والاقتصاديين الذين ترتبط مصالحهم ببقاء مركز القرار مغلقًا وثابتًا. عند هؤلاء، ليست الفيدرالية نموذج حكم فحسب، بل إعلان نهاية بنية السلطة التي حافظت على امتيازاتهم طويلًا.
ولأن الديمقراطية مرتبطة بالوعي المعرفي، تُحارَب الفيدرالية بالطريقة نفسها التي يُحارَب بها التعليم السياسي والمشاركة الشعبية. في سورية، لم يُمنَح المجتمع فرصة كافية للتعرّف على نماذج الحكم المختلفة، بل تم استبدال المعرفة والتعرف بخطاب التخويف، وتحويل أي فكرة تتعلق بإعادة بناء الدولة إلى مؤامرة أو تهديد لوجودها. لم تُبنَ ثقافة المشاركة في القرار، ولم يُسمح للسوريين بالتفكير في معنى الدولة جهازًا قابلًا لإعادة التنظيم أو عقدًا اجتماعيًّا بين مكونات مختلفة. حين يُحرم المجتمع من أدوات المعرفة، يصبح قابلًا لرفض أي مقترح جديد قبل فهمه، ويصبح النقاش حول الفيدرالية انعكاسًا لمخاوف مصنوعة أكثر مما هو تعبير عن قراءة عقلانية.
القوى التي استفادت طويلًا من مركزية الدولة ترى في أي صيغة لامركزية تهديدًا لنفوذها، لأنها تقطع الطريق على إدارة البلاد بعقل واحد ورؤية واحدة ومصلحة واحدة
غير أن الحديث عن الفيدرالية في سورية ليس حديثًا عن حلّ جاهز، بل عن مستقبل الدولة نفسها. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت سورية ستبقى دولة مركزية صارمة تدير مجتمعًا شديد التنوّع بنمط واحد، أم ستصبح دولة تشاركية تُوزَّع فيها المسؤوليات بين مستويات الحكم المختلفة بحيث يشعر كل مجتمع محلي بأن له دورًا مباشرًا في إدارة شؤونه. الفيدرالية، بهذا المعنى، ليست نموذجًا أجنبيًّا يُفرض على سورية، بل خيار واقعي من بين خيارات عدة لإعادة بناء الدولة بطريقة تعكس التعدد السوري بدلًا من محاولة إلغائه. وهي ليست وصفة سحرية، لكنها إحدى الأدوات التي أثبتت فعاليتها في دول أخرى واجهت تحديات شبيهة، لأنها تسمح بتنظيم الخلافات وتخفيف أسباب الصراع وتحويل الهوية من ساحة للتنافس إلى مساحة للتعايش.
إن الخروج من دائرة شيطنة الفيدرالية يتطلب خطابًا سياسيًّا جديدًا يربطها بفكرة بناء دولة عادلة وفعّالة، ويضعها ضمن مشروع أكبر عنوانه المشاركة والمساءلة وإعادة توزيع القوة بشكل يضمن وحدة البلاد من خلال احترام تنوعها. فالفيدرالية ليست تهديدًا لوحدة سورية، بل محاولة لجعل هذه الوحدة ممكنة وقابلة للاستمرار. وكلما ازداد وعي السوريين بحقيقة هذه المفاهيم، تراجعت قدرة الخطاب التخويفي على السيطرة، وازدادت قدرة المجتمع على التفكير في دولة المستقبل بوصفها مساحة مشتركة تُدار بالشراكة لا بالاحتكار، وبالحوار لا بالهيمنة، وبالثقة لا بالخوف.
هذا هو جوهر الفيدرالية في السياق السوري: ليست مشروعًا لتفكيك البلاد، بل مشروعٌ لإعادة بنائها على أسس أوسع وأكثر عدلًا، بحيث يشعر كل مواطن بأن الدولة له وليست عليه، وبأن السلطة تُمارس معه لا فوقه. وعندما يتحول هذا الفهم إلى وعي عام، يصبح الحديث عن الفيدرالية جزءًا من نقاش وطني مسؤول حول شكل الدولة التي يريدها السوريون، ويصبح المستقبل نفسه قابلًا للتفاوض لا مفروضًا من الأعلى.