صفحة من تاريخ القيم الأسرية الأصيلة!

صفحة من تاريخ القيم الأسرية الأصيلة!

23 يونيو 2021
+ الخط -

"باكرهه عمى.. ربنا وعدني بمصيبة.. ده راجل قيحة.. م الهباب اللي بيتعاطاه.. أنا أشتغل في جهنم وأرعى عيالي بس بعيد عنه"، كانت هذه بعض العبارات التي رصدتها عفاف خلاف، محررة مجلة (اليسار)، خلال تغطيتها في مطلع تسعينات القرن الماضي لجلسة من جلسات النطق بالحكم في دائرة كلي شمال بمحكمة القاهرة للأحوال الشخصية، رأسها القاضي سمير عزت المهدي، وأصدر فيها اثني عشر حكماً بالطلاق لاثنتي عشرة سيدة، لتقدم تلك الجلسة مؤشراً على الأحوال التي وصلت إليها الأسر المصرية في ظل سيادة "القيم المصرية الأصيلة" خلال أزهى عصور الاستقرار.

في عددها الأول الصادر بتاريخ مارس 1990، نشرت المجلة التي كانت ترفع شعار (راية المستضعفين في الأرض) في باب (ديمقراط وأرستقراط) بعض تفاصيل القضايا التي حكم القاضي فيها بالطلاق. ففي القضية الأولى قالت السيدة "ه. م." إن زوجها يتعاطى الخمور والمخدرات ويشم الهيروين، وإن أولاده أصبحوا يفزعون منه حين يعود إلى البيت وهو سكران "طالع يلطّ ونازل يلطّش"، وإنها وإن كانت بلا شهادات ولا تعليم إلا أنها تعتزم الكفاح لكي تصون نفسها وتربي أولادها. أما في القضية الثانية فقد حصلت "ر.ع." على الطلاق لأن زوجها كان يزورها مرة كل شهر ثم انقطع لمدة سنوات، ولأنها شابة وتخشى على نفسها الفتنة فقد طلبت الطلاق وحصلت عليه.

في القضية الثالثة قالت "أ. م." إن زوجها كان يمنعها من الطبيخ ولا يحضر للبيت شيئاً غير الفول والطعمية في كل وجبة، اللهم إلا إذا زاره والداه أو أحد أقاربه، "ولو طلب منه ابنه شِلِن يا ويله، ولو أعطيته أنا شِلِن يا ويلنا نحن الاثنين، ولو زارنا حد يكشّر في وشه وفي وشنا كإننا ارتكبنا جريمة". ولم يكتف الزوج بكل ذلك الحرمان، بل قرر مرة واحدة أن يطفش من البيت ويحرم زوجته وابنه حتى من الفول والفلافل، لترفع زوجته قضية طلاق وترفض عرضه بالصلح، ويحقق القاضي رغبتها. ـ الشلن إشارة إلى العملة من فئة الخمس قروش، والتي كانت ورقية في تلك الفترة وكان يمكن أن تشتري بها الكثير من مبهجات ذلك الزمان ـ.

في القضية السابعة ظلت الزوجة "ع. ح." تسمع نصيحة الأهل والأقارب "ما تخربيش على نفسك" رغم تعرضها المستمر للضرب والإهانة حتى أمام أبيها

في القضية رقم 1185/88، قالت السيدة "نظاجه" إنه لو مر عليها يوم آخر مع زوجها فستصاب بالجنون، لأن زوجها مصاب بعقدة الشك، وإنه يشك حتى في أصابعه، ولم تفلح في محاولات طمأنته إلى أنها سيدة شريفة، وحتى لو اقتنع لحظات يعاوده داء الشك فيشتم ويضرب ويفتش حجرات البيت، ويفتح معها تحقيقاً يومياً عمن تحدثت إليه، وماذا قالت له وبماذا شعرت، مما أفقدها شعورها بالكرامة والثقة بالنفس، وأصبح يستحيل استمرار عشرتها معه بعد كل ذلك.

بطل القضية الخامسة رجل شديد الرومانسية، لكن رومانسيته ليست موجهة لزوجته، بل لمحبوبته الأولى التي فرقت أوامر أبيها بينه وبينها، لكنه برغم الفراق لم ينسها، ولذلك ظل يقارن بينها وبين زوجته في كل فعل ويراها دائماً الأجمل والأحسن بعكس زوجته، وحين بدأت الزوجة تعترض كان يرد عليها بالسب والضرب والتعنيف، لأنها أنجبت له أربعة أولاد لكي تربطه بها، ومع ذلك لم تطلب الزوجة "و. م." الطلاق إلا حين هجرها لمدة ثلاث سنوات تاركاً إياها بلا نفقة، ولذلك انحاز لها القاضي وحكم لها بالطلاق.

في القضية السادسة قالت "ن. م." إنها تطلب الطلاق لأن زوجها "بتاع أعمال حرة وبتاع جواز حر، مزواج يعني يا سيادة القاضي"، وقالت إنها تزوجته بضغط من أبيها برغم أنه أكبر سناً وصاحب عيال، لكنها برغم رضاها بالهم، فوجئت به يهجرها في السنوات الأخيرة تماماً ويمتنع عن الإنفاق عليها، "ولولا ولاد الحلال شافولي شغلة كنت انحرفت"، خاتمة شكواها أمام القاض بأمنية أن يعيد لها عمرها الذي ضاع هدراً، وهو ما لم يكن في مقدور القاضي الذي اكتفى بالحكم لها بالطلاق.

في القضية السابعة ظلت الزوجة "ع. ح." تسمع نصيحة الأهل والأقارب "ما تخربيش على نفسك" رغم تعرضها المستمر للضرب والإهانة حتى أمام أبيها، ولأنها كانت ترى في جلسات الصلح التي تعقد من حين لآخر كيف يقوم المجتمع بتحميل المسؤولية للزوجة أياً كان ما يحدث لها، فقد خافت من أن يحدث لها حين تتطلق، لكنها مع استمرار الضرب والإهانة أصبحت تطيق العمى ولا تطيق الاستمرار مع زوجها، ولذلك طلبت الطلاق ونالته.

صاحبة الدعوى 29199/88ـ لاحظ أن رقم هذه الدعوى والتي سبقتها يشير إلى أن القضايا ظلت منظورة أمام المحكمة لمدة عامين قبل الحكم بالطلاق ـ قالت إنها أصبحت من غلبها تحقد على كل من تراهم عائدين من الحدائق ودور السينما، أو من يمشون في الشوارع سعداء مع أسرهم، لأنها لم تعرف في الحياة الزوجية سوى الأذى والطرد وشتيمة العرض، قائلة للقاضي "يا ريتني اتجوزت راجل في قلبه رحمة، أنا وقعت في مصيبة ولازم تنقذني منها"، وهو ما قالته "ر. ح." التي قالت إنها تتمنى أن تجد هي وأبناؤها من يرعاهم مثلما تجد القطط والكلاب من يرعاهم، لأن زوجها من نوع "خلَّف وانسى"، متمنية أن تجد لأبنائها رجلاً يتزوجها ويرعاهم.

أما "م. ع." الموظفة بجهاز المحاسبات فقد اشتكت للقاضي من أن زوجها يشتمها ويحقرها أمام الناس ويشعرها بالنقص، بعد أن كان يحبها أيام الخطوبة، وحين غضبت لإهدار كرامتها قام بإنذارها بالطاعة بدلاً من أن يعتذر لها، ولذلك أصبحت تجد الحياة معه مستحيلة. أما "ن. م." فقد اكتشفت أن زوجها تزوج بأخرى بعد أربع سنوات من هجران بيته وأولاده، لذلك طلبت الطلاق لكيلا تظل زوجة على الورق. أما "أ. م." فقد خشيت من استمرارها مع زوجها الذي يمكن أن يكسر وِسطها بعد أن كان قد كسر ساقها وذراعها، أو يقوم بقتل ابنها في إحدى نوبات الغضب التي تنتابه، والتي وصلت إلى درجة ضربه لها على السلم ليصاب ابنها بنوبات فزع حرمته النوم، وجعلت طلبها للطلاق حتمياً.

بالطبع، لا يخلو مجتمع بشري من الطلاق والخلافات الزوجية، لكن تفاصيل القضايا التي لعلك قد سمعت ما يشابهها وأنت تنظر حولك، يقول الكثير عن أحوال مجتمعنا "المتدين بطبعه" الذي يستسهل الكثيرون فيه التشدق بالدين والقيم الأصيلة والحديث عن العيب والعار، لكنهم لا يجدون حرجاً في التعامل المنحط مع زوجاتهم وأبنائهم، وهو ما ستكشف قراءة أخبار الحوادث والقضايا لك أنه لم يتغير مع الأسف منذ ثلاثين عاماً حتى الآن...