صفحات من يوميات لم تكتمل (8)

صفحات من يوميات لم تكتمل (8)

20 يوليو 2021
+ الخط -

ودعت حمدي عبد الرحيم وعدت إلى البيت بصحبة الجرائد، فار دمي لأن مصطفى بكري واصل تجاهل نشر مقالي عن فهمي هويدي للأسبوع الثالث، (30) فار دمي أكثر لأن أحد الشباب الذين أتيت بهم ليساعدوني في إعداد البرنامج التلفزيوني (مع نشوة الرويني)، نشر في إحدى الصحف المنحطة تفريغاً سيئاً للحلقة الأخيرة التي قمنا بعملها قبل أشهر عن التطبيع والتي حدثت فيها مواجهة مثيرة ومهمة بين صلاح عيسى وعلي سالم، (31) ووضعوا اسمي بشكل غير لائق داخل الموضوع، يعني كنت أتمنى لو لم يذكروا اسمي أصلاً طالما ما نشروه غير دقيق ويعطي انطباعاً خاطئاً عن الحلقة. ما هو الصعب في أن تقوم بتفريغ حلقة لديك شريط تسجيلها، لو كان التفريغ قد تمّ على الهواء كنت عذرت من قام به، المشكلة ليست في الاختصارات التي تتطلبها المساحة، بل في نشر كلام عكس ما قاله الضيوف، كلام صلاح عيسى كان أهمّ بكثير مما نشرته الصحيفة. حتى كلام علي سالم الذي لست موافقاً عليه تم اجتزاؤه بشكل متعسف.

فار دمي أكثر حين قرأت إعلاناً يقول إن صلاح عيسى سيكتب في هذه الصحيفة من الأسبوع القادم، ما الذي يفعله عمنا صلاح؟ لماذا يهين قلمه بالكتابة في صحف حقيرة كهذه؟ أفهم أن يكتب مقالاً أسبوعياً في صحيفة (الجمهورية) التي كانت بيته الصحفي منذ البداية. لكن لماذا يكتب لكل من هب وتهبب من الصحف؟ حين سألته ذات مرة عن ذلك ذكّرني بأنه كان يكتب معنا في (الدستور) ثم في (الجيل) ولولا ذلك لما تعرفت عليه وتواصلت معه، وأن المسألة بالنسبة إليه فيها حرص على التواصل مع الأجيال الجديدة من الصحفيين والقراء أيضاً. منطق مفهوم، لكن إيش جاب لجاب؟ وكيف يمكن مساواة (الدستور) و(الجيل) بكل ما فيهما من عيوب بهذه الصحف المنحطة؟ بصراحة، ملعون أبو الزمن الذي لا يعطي هذا الرجل حقه لكي يتفرغ لكتابة مشاريعه التي تدهشني كلما حكى عنها.

اتصل بي البسيط حمدي بسيط، حين حكيت له ما دار بيني وبين أشرف، أخذ يشجعني على أن أوسع مراوحي وأصبر حتى يرى أول فيلم لي النور، قلت له إنني مختلف معه لأن ظهور أول فيلم لا ينبغي أن يكون هدفاً في حد ذاته، فلو خرج بصورة سيئة سيكون أول وآخر فيلم، قال لي إنه يراهن على موهبتي، وعاد ليؤكد أن من المهم أن أنتقل في الوقت الحالي من خانة الصحفي إلى خانة السيناريست، لأنه يرى من هم أقل مني موهبة يحصلون على مكانة لا يستحقونها. جميل وعذب هذا الرجل، أنا مدين له بالكثير من التشجيع، لكن ما زلت مقتنعاً بأن الحذر واجب في هذه الفترة مهما كانت المغريات.

مزاجي عِكِر هذه الأيام بسبب النوم المتقطع. نصحني أكثر من صديق بأخذ حبوب تساعد على النوم. أخاف على نفسي من دخول هذه السكة الغامقة التي أعلم أنني سأغرز فيها لو دخلتها

قلّبت الجرائد قليلاً فلم أجد فيها ما يسر الناظرين، شاهدت فيلم In and Out، فيلم جميل، قررت أن أقرأ قليلاً قبل أن أنام، وبعد أن أنهي هذه اليوميات، أتمنى أن ألحق بكل مواعيدي غداً، ربما، يا ريت، هل أخطأت حين قلت لعم صلاح السعدني إنني سأسافر معه إلى الإسكندرية، هل أنا حِمل تضييع الوقت في مرحلة كهذه، لكن ألا أستفيد من صحبتي لهذا الرجل بشكل مدهش؟ هل يعتبر ذلك تضييعاً للوقت؟ بالطبع لا، كل جلسة معه أتعلم منها الكثير، فما بالك بسفرية ستستمر عدة أيام، من المؤسف أنه ينفر من أي محاولة لتسجيل ما يقوله أو كتابته، منذ أن قال لي: "عايزك تختار، هل عايز تبقى صحفي ولا تبقى صَحَبي"، اخترت الثانية طبعاً، وقررت أن أكتفي بالتعلم من صحبته، لذلك لست نادماً على قرار السفر معه، لكن ما أتمناه فعلاً أن أتوقف عن حالة العبث الهلامية بعد عودتي من السفر، يا مسهل يا رب.

الاثنين 28/2، الثلاثاء 29/2، الأربعاء 1/ 3/ 2000: 
أيام لا معنى لها ضاعت في العبث بين محاولات لكتابة لم تكتمل، وتقليب عبثي في قنوات الديكودر، وفرجة على أفلام جميلة تثير الحسرة بإلهامها وأفلام خرائية تزيد الإحساس بوطأة الأحوال، ورغي ليس له لازمة مع أصدقاء وأعدقاء، قرأت بنهم، هذا صحيح ولكن so what.

مقابلات متوالية لا جديد فيها مع عماد العبدالله وأشرف فايق وأشرف عبد الباقي واتفاق على ملاحظات ستُعاد كتابتها في سيناريو (سيد العاطفي)، سحب أشرف عبد الباقي فكرة الإمضاء على ورقة التعديلات بعد أن شعر بأن تمسكه بها سيؤدي إلى تطفيشي من المشروع. في المقابل، تعهدت بأن أكون مرناً بقدر الإمكان، لكني في الحقيقة لست متفائلاً بمستقبل المشروع.

سهرة جميلة مع الأساتذة رجاء النقاش وعماد العبدالله وعبد القادر حميدة والزميل أيمن الحكيم، سهرنا في بيت الأستاذ رجاء، كان كريماً ولطيفاً كعادته، تجنب الحديث عن مشروع جريدة (القاهرة) لكني شعرت بأنه توتر حين جاءت سيرتها، هناك شيء ما لا أعرف ما هو، لكنه سيتضح، بالتأكيد لم يحب أن تأتي سيرة الموضوع أمام عماد العبدالله، أول مرة أسهر فيها مع الأستاذ عبد القادر حميدة، كنت قد رأيته مع الأستاذ رجاء في (الكواكب) قبل ذلك، لطيف وخفيف الظل وقليل الكلام، انبسط حين أبديت له إعجابي بكتابه (نجوم وحكايات) الذي اشتريته من سور الأزبكية، وحين سألته لماذا لا يعيد طبعه، هزّ رأسه بعدم اكتراث، وتحدث الأستاذ رجاء عن مشكلة الكسل التي يحاول أن يغيرها فيه منذ أن عرفه في الستينيات، فكرت في عمل حوار معه لكي أسأله عن شهادته على الوسط الثقافي والفني، شخص مثله لا بد أن يكون لديه الكثير من الخبرات والتجارب، ولكن أين سأنشر هذا الحوار؟ ومن أين سآتي بالحماسة لإجراء الحوار في أيام خرائية كهذه؟

حين عدت إلى البيت وجدت عبد الله في انتظاري، بات عندي واستمتعت بصحبته كالعادة. (32)

الخميس 2/3/ 2000:
أيقظتني أم محمد، كالعادة نسيت أن اليوم موعد قدومها للتنظيف وعمل الأكل، تركت لها الشقة ونزلت مسرعاً لكي ألحق بموعدي في آخر الدنيا. كل مرة أسأل نفسي هل تركها وحدها في الشقة قرار سليم، هي أمينة ومحترمة، وبعدين تعال هنا ما الذي سيحدث يعني لو لم تكن أمينة؟ هل ستطمع في الكتب والمجلات التي حيلتي أم في شوية القمصان والكلوتات، اتنيِّل بلا خيبة. في الحقيقة، ما أخشاه من وجود أم محمد في الشقة وحدها، أن يضايقها جاري التافه الأستاذ سعيد أبو شخّة المولع بتربية القطط ولعب دور حامي حمى الديار ورئيس مجلس إدارة الضمير العام للعمارة، كل مرة أذكّر نفسي بأهمية عدم الدخول معه في مشاكل لكي أتمكن من إقناعه بالجلوس معه ليحكي لي حكايته لأني أشعر بأنها ستكون مادة لرواية عظيمة، لكن مجرد رؤية سحنته يدفعني إلى إلغاء الفكرة.

مزاجي عِكِر هذه الأيام بسبب النوم المتقطع. نصحني أكثر من صديق بأخذ حبوب تساعد على النوم. أخاف على نفسي من دخول هذه السكة الغامقة التي أعلم أنني سأغرز فيها لو دخلتها.

...

هوامش على اليوميات: 
ـ30ـ: لا أذكر الآن بالتحديد ما الذي كنت قد كتبته عن الأستاذ فهمي هويدي، ربما كنت أتضامن معه ضد منع بعض مقالاته في صحيفة (الأهرام)، وربما لم يرغب مصطفى بكري في نشر المقال لكيلا يغضب إدارة مؤسسة (الأهرام) التي كانت صحيفته تطبع فيها. لكن ما أنا متأكد منه، أن عدم نشر المقال هو الذي دفعني إلى عدم إرسال مقالات جديدة إلى صحيفة (الأسبوع) التي نشرت فيها قبل ذلك أربع مقالات وقال لي مصطفى بكري إنها لقيت ترحيباً من قراء صحيفته وشجعني على الاستمرار في الكتابة، وحين شعرت بأنه لن ينشر إلا ما يوافق مزاجه ومصالحه، توقفت عن التعامل مع صحيفته تماماً.

ـ31ـ: عُرض برنامج (مع نشوة الرويني) على قناة MBC، وكنت قد أعددت منه عدة حلقات ناجحة، كان من أبرزها حلقة عن التطبيع شارك فيها الأساتذة صلاح عيسى وعلي سالم، وأذكر الآن أن الأستاذ عبد القادر ياسين كان من ضيوف الحلقة، وكنا نصور الحلقات في ديكور بسينما ريفولي في وسط البلد، على ما أذكر، وكان البرنامج بداية لصداقة قوية مع المذيعة نشوة الرويني التي كانت من نجمات MBC وقتها، وقد دعتني بعد ذلك بأشهر للعمل معها في مكتب القناة في القاهرة، برغم أنني لم أكمل العمل في مهنة الإعداد التلفزيوني لأنها كانت ثقيلة جداً على قلبي وأعصابي، وكنت أرغب في ألا يمنعني شيء من التركيز على كتابة السيناريو. لم أعد أذكر من هو الشاب الذي تحدثت عنه بغضب شديد، وإن كنت أذكر بالخير بعض الشباب الذين شاركوني في إعداد البرنامج مثل مطاوع بركات وباهر السليمي وحسن الزوام، وأعتقد أن الصحيفة التي كنت أتحدث عنها هي صحيفة (الميدان) التي كتب فيها الأستاذ صلاح عيسى في ذلك الوقت، قبل أن يتولى بعد أشهر منصب رئيس تحرير (القاهرة)، وقد عاونته في إصدارها لعدة أشهر، ولفت نظري أنه لم يتوقف عن الكتابة لكل الصحف والمجلات التي كان يكتب فيها من قبل، برغم أن ذلك كان يستهلك الكثير من وقته، ويمنعه من إنجاز مشاريع رائعة ظهر بعضها فيما بعد مثل كتاب (رجال ريا وسكينة) و(البرنسيسة والأفندي)، ولم ير بعضها الآخر النور.

ـ32ـ: للأسف، لم أقم بعمل الحوار مع الأستاذ عبد القادر حميدة، ولم أره بعد تلك الجلسة، وإن كنت قد سهرت في منزل الأستاذ رجاء مرتين أو ثلاثة عقب تلك السهرة الجميلة. عبد الله الذي أتحدث عنه صديق شاب من شبرا الخيمة، كتبت قصته قبل ذلك في أحد فصول كتابي (السكان الأصليين لمصر) بعنوان "عبد الله سيتا ابموسيبل"، وسأعيد نشرها قريباً في هذه المدونة. للأسف، لم أعد على اتصال به منذ سنوات، ومن يدري؟ ربما قرأ هذه السطور وتواصل معي عبر بريدي الإلكتروني belalfadl@hotmail.com

...

نختم غداً بإذن الله