صفحات من يوميات لم تكتمل (7)

صفحات من يوميات لم تكتمل (7)

19 يوليو 2021
+ الخط -

استمر أشرف فايق في حكاية وقائع عن تدهور الأحوال في السينما مع اشتداد المنافسة بين "النجوم الجدد" ولعب المنتجين عليهم لتفريقهم عن بعض وإشعال نيران منافسة بينهم لن يستفيد منها كل من له علاقة بالفن من مخرجين وكتاب سيناريو بل سيستفيد منها المنتجون وحدهم كالعادة وسيستفيد معهم كبار النجوم طبعاً، شدني كلام أشرف فايق لأنه جاء متماساً مع شعوري بالقلق الشديد على حظي في السينما في هذه الفترة، فنسيت موعدي مع عماد العبد الله الذي اتصل بي بعد فترة معاتباً على التأخير، فاضطررت لأن أكذب على عماد وأقول له إنني الآن في مدينة ستة أكتوبر وتأخرت في المواصلات، واتفقت مع عماد أنني سألتقي به بعد ساعة في الندوة الثقافية بباب اللوق.

ولكي يستأنف أشرف فايق الحديث الذي كان متحمساً له، وكأنه ما صدّق أن يجد من يفضفض معه، قرر أن يوصلني من القصر العيني إلى باب اللوق، ومع أن المشوار ليس بعيداً، لكن بسبب توقفه كل قليل ليأخذ راحته في الكلام بحماس وغضب، أخذ المشوار ساعة حتى وصلنا.

وحين وصلت وجدت عماد العبد الله واقفاً أمام سوق الحميدية مع الأستاذ فاروق عبد القادر والأستاذ محيي الدين اللباد، (26) ندمت لأنني لم أجيء مبكراً وإلا كنت جلست لمدة ساعة أو ربما أكثر مع الأستاذ اللباد، الذي أحبه كثيرا ولم تسنح لي فرصة الجلوس معه، فقط كنت أراه في مقر التجهيزات الفنية بصحيفة العربي، حين كان يعمل مع محمود رجب وإيهاب الزلاقي على تنفيذ مطبوعات كان قد صممها للأمم المتحدة كما أتذكر، كان يبهرني اهتمامه بأدق التفاصيل، كيف طلب مثلاً إعادة بروفة ما لأنه وجد فيها كلمة معلّقة. لم أفهم المصطلح في الأول، ثم فهمت أنه يقصد كلمة موجودة في سطر لوحدها بشكل يجعل شكل الصفحة أقل جمالاً ويجعل القراءة مربكة للقارئ ولو للحظة، وأصبحت فيما بعد خلال عملي كسكرتير تحرير والقيام بمراجعة بروفات صفحات (الدستور) أحرص على الكلمات المعلّقة وألا تظل وحيدة ويكون إلى جوارها من يؤنسها، لكني كنت أحرص على أن أحتفظ بتلك المهمة لنفسي، لأن إعلانها كان يجلب لي الكلام البايخ من المشغولين بسرعة الإنجاز.

تذكرنا ونحن نضحك موقفاً حصل قبل عامين حين كتبت في مجلة (الكواكب) عن خالد النبوي بعد أن أكل دماغي من كثر الإصرار على أن أكتب عنه

 

انصرف الأستاذ اللباد وعاد الأستاذ فاروق عبد القادر إلى جلسته في سوق الحميدية، جلست مع عماد في ركن قريب وتبادلنا حديثا طريفاً عن مشاهداته في القاهرة، ذهب عماد واتفقنا على موعد قادم غداً وحمدت الله أنه لم يغضب بسبب تأخري، عدت إلى قعدة الأستاذ فاروق التي لا تُملّ، جاء عصام السيد اللطيف الجميل صاحب الحضور الهادئ، (27) تذكرنا ونحن نضحك موقفاً حصل قبل عامين حين كتبت في مجلة (الكواكب) عن خالد النبوي بعد أن أكل دماغي من كثر الإصرار على أن أكتب عنه، وفوجئت بعد نشر المقالة بظرف يصلني حين كنت أعمل في صحيفة (الجيل)، فتحته فوجدت "كارت" عليه اسم عصام السيد مكتوب تحته مخرج مسرحي ورقم تليفونه، وفي ظهر الكارت كتب لي: "عزيزي بلال قرأت مقالك اليوم عن خالد النبوي، أرجو أنك تكون عرفت ليه الواحد بيضطر ساعات يشتغل في القطاع الخاص".

مت من الضحك حين فهمت قصده، فهو لم ينس انتقادي له من قبل حين شاهدت له مسرحية قطاع خاص لم تعجبني وكتبت أعاتبه وأذكره بأمجاده في القطاع العام وخصوصا مسرحيتي (أهلا يا بكوات) و (وداعا يا بكوات)، اتصلت به وأبديت انبهاري بقدرته على قراءة ما بين السطور، تقريبا هو الوحيد الذي فهم أنني كتبت المقال من غير نِفس، مع أن خالد النبوي نفسه طار بما كتبته عنه ولم يأخذ باله من وجود أي مشكلة في المقال، قلت لعصام السيد مدافعاً عن نفسي إنني لم أكتب سطر مجاملة لخالد، بل حكيت ما قاله لي عن رحلته، وأن هذا واضح في الصياغة، لكنني اعترفت له أن المقال لم يكن على قائمة أولوياتي في الكتابة عن شخصيات أحبها، لكنني اضطررت لكتابته للتخلص من إزعاج خالد الذي كان يلومني دائماً؛ لماذا لا أكتب عنه ولماذا لا أدعمه في مقالي بمجلة (الكواكب)، بينما الكل يحاربه ولا يقف معه أبناء جيله، وكان يكرر هذا الكلام كلما التقيت به في الـ "ART" التي عملت فيها وكان يقدم فيها برنامجا أسبوعيا بعنوان (لا تذهب هذا المساء)، قبل أن تخلفه فيه منى الشاذلي. ومنذ تلك اللحظة، كلما التقيت بعصام السيد، أقول له العبارة التي أرسلها لي على ظهر الكارت ونموت من الضحك. (28)

جاء حمدي عبد الرحيم قادماً من عمله في (القاهرة)، جلس معنا قليلاً ثم استأذننا بالانصراف حين هبط على القعدة الناقد اللوذعي عبد الرحمن أبو عوف، أشعر أحياناً أن فاروق عبد القادر يشعر بالسعادة حين يأتي عبد الرحمن أبو عوف لكي يستمتع بمناكفته، والمشكلة أن مناكفته لا تخرج منه ما يدعو للبهجة مثلاً، بل تثير الاستفزاز، لأنه يقول آراء عجيبة، ويصبح من الصعب عليّ أن أمسك نفسي عن الرد عليه، لأنني حين رددت عليه من قبل تحول الأمر إلى "خناقة" وشعرت أن الأستاذ فاروق غضب مني بعض الشيء، المشكلة أنني لا أحب كتابة عبد الرحمن أبو عوف، ولو كنت أحبها لبلعت له "الزلط"، ولذلك أبتهج كلما ذهبت إلى ندوة الأستاذ فاروق ولم أجده فيها، بعكس آخرين أحب أن أراهم مثل الدكتور أمين العيوطي والدكتور حسين عبد القادر، تشعر بالونس في حضورهم فضلاً عن الاستفادة من مداخلاتهم. (29) أقنعت حمدي بأن نذهب إلى السينما لنشاهد فيلم (الحاسة السادسة)، كانت ليلة جميلة، فيلم رائع، تسكعنا سوياً بعد الفيلم، ونحن نتحسر على أحوالنا وأحلامنا التي تبدو أبعد كل يوم.

....

هوامش على اليوميات:

ـ26ـ: فاروق عبد القادر من أهم النقاد الأدبيين والمسرحيين في مصر في رأيي، وبرغم أنني أختلف معه في عدد من تقييماته النقدية، خصوصاً حين يكون غاضباً أو كارهاً لمن يكتب عنهم، لكني أعشق أسلوب كتابته، وأدين له كقارئ بتعريفي على عدد من الكتاب العرب الذين لم أكن سأسمع عنهم لولاه، وقد سعدت بصداقته لسنوات وكنت أحضر جلسته الأسبوعية في مقهى الندوة الثقافية، وسبق أن كتبت عن جانب من علاقتي به في تدوينة سابقة حين نشرت رسالة أرسلها إليه الروائي الكبير عبد الرحمن منيف. والأستاذ محيي الدين اللباد من أهم فناني الكاريكاتير في تاريخ مصر، وقد لعب دوراً كبيراً في تطوير فن صناعة الكتب في العالم العربي، ولا يمكن إيجاز مآثره وإنجازاته العظيمة في مجالات الكاريكاتير والفن التشكيلي، لكن لا يمكن أن أفوت فرصة الإشارة إلى سلسلة كتبه العظيمة (نظر) التي صدرت عن دار العربي في التسعينات، وقدم فيها تجربة مدهشة في الجمع بين الكتابة والفن التشكيلي. 

ـ27ـ: عصام السيد مخرج مسرحي كبير، كنت أحب له مسرحيات (أهلا يا بكوات) و (وداعا يا بكوات) و (الحادثة) و(البعبع) وغيرها من المسرحيات الجميلة التي كتب بها اسمه ضمن قائمة أهم مخرجي المسرح المصري في التسعينات وما تلاها.  

ـ28ـ: لا أذكر ماهي المسرحية التي انتقدتها له، لكني أعتقد أنها كانت مسرحية (تكسب يا خيشة) من بطولة أحمد بدير والتي حضرتها على مسرح الريحاني. أما المقال الذي كتبته عن خالد النبوي، فقد كان ضمن سلسلة (الموهوبون في الأرض) والتي كنت أكتبها أسبوعياً في مجلة الكواكب حين كان يرأسها الناقد الكبير رجاء النقاش رحمه الله، وحين أعدت قراءة المقال مؤخراً لم أجد فيه ما يبرر انتقاد عصام السيد له، ولذلك قررت أن أعيد نشره هنا في هذه المدونة، وأظن أنني كنت أشعر بالحرج منه لأنني وقتها لم أكن أقدر خالد النبوي كممثل وكنت أراه "آرتفشيال حبتين"، لكني أصبحت أقدِّر تمثيله مع مرور الأيام، ربما عملاً بقول الشاعر: رُبّ يومٍ كنت فيه.. فلما صرت في غيره بكيت عليه.

ـ29ـ: عبد الرحمن أبو عوف ناقد أدبي كان شهيراً في السبعينات والثمانينات، أذكر أنني قرأت له كتابين صدرا عن الهيئة العامة للكتاب، فلم أعجب بأسلوب كتابته خصوصاً أن الأنا المتضخمة كانت بادية في كتابته، خصوصاً حين يتحدث عن نفسه قائلاً "رأينا ـ قلنا ـ كتبنا"، لكنني حين عدت إلى كتابين له وجدتهما على الإنترنت لم أجدهما رديئين إلى حد يستدعي نفوري الشديد منه، وأعتقد أن سبب نفوري منه هو انفعاله الشديد حين يتحدث، وقد تأكدت من ذلك حين قرأت شهادة لطيفة كتبها عنه الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد، وأشار فيها إلى معاركه الكثيرة مع أدباء جيل الستينات الذين كان يشعر أنهم تعاملوا مع جميله عليهم بإنكار وجحود، وإن كان قد بدا لي من شهادة الأستاذ إبراهيم شخصاً طيباً تظلمه عصبيته وانفعالاته المبالغ فيها. والدكتور أمين العيوطي روائي ومترجم وأستاذ أدب إنجليزي، تعرفت عليه في ندوة الأستاذ فاروق وكان قد جاوز الستين من عمره وقتها، لكنه كان في غاية التواضع واللطف، وكان من محبي صحيفة (الدستور) ويحرص على أن يتحدث معي عما أكتبه فيها مبدياً ملاحظات مهمة كنت أستفيد منها جداً، وكذلك كان الدكتور حسين عبد القادر، المخرج المسرحي وأستاذ علم النفس، الذي كان زميل دراسة لفاروق عبد القادر في جامعة عين شمس وكانت له إسهامات نقدية ومسرحية كثيرة، وقد عرفت مؤخراً أنه انتقل إلى رحمة الله، وكنت قد التقيته آخر مرة في تأبين أجري للأستاذ فاروق الذي كانت ملابسات رحيله محزنة ومقبضة.     

...

نكمل غداً بإذن الله.

دلالات