صفحات من يوميات لم تكتمل (4)

صفحات من يوميات لم تكتمل (4)

14 يوليو 2021
+ الخط -

تحدثت مع أشرف عبد الباقي عن النسخة الجديدة من سيناريو (سيد العاطفي) لبعض الوقت، لم يتواصل حديثنا، حين جاء إلى المكتب صديقه طارق الشورة أحد أخف الناس ظلاً في العالم، شلّال إفيهات لا يتوقف، دائماً أقول له: "لازم كل كتاب الكوميديا يحمدوا ربنا إنك ما كتبتش كوميدي يا طارق"، ليس شرطاً بالطبع، عرفت ظرفاء كثيرين يختفي ظرفهم فجأة حين يمسكون بالورقة والقلم، وقليلون هم الذين يحتفظون بظرفهم وخفة ظلهم في الكلام والكتابة معاً، كل ميسر لما خلق له. (12)

فجأة طلب مني أشرف أن نجلس على انفراد، شعرت بالتوتر حين وجدت الجدية تكسو ملامحه على غير العادة، ظننت أنه سيشكو لي من أزمة شخصية، لكني فهمت أنني شخصياً سبب تجهمه، حين طلب مني أن أوقع على ورقة كان قد حضّرها سلفاً، تفيد أنني موافق على أي تعديلات تُطلب في فيلمي، بحيث تجرى هذه التعديلات حتى لو لم أوافق عليها، استغربت جداً من طلبه، وكان يمكن أن أرد عليه بقوة، لكني بدأت أتعلم من خلال تجاربي المريرة السابقة أهمية أن أخفي رد فعلي برغم صعوبة ذلك على شخص تعود على الاندفاع مثلي، هل كان السبب في ذلك الطلب العجيب مشاكل حدثت له مع مؤلفي أفلامه السابقة؟ لا أدري. للأسف، كنت أظن أنني قد وصلت إلى درجة عالية من التفاهم مع أشرف، خصوصاً أن تجربة المسرحية التي كتبتها له كانت مشجعة كما ظننت. (13)

هل شعر أشرف بالضيق لأنني كنت أحرص على مناقشته بالتفصيل في كل اقتراحاته، ظننت أن هذه ستكون ميزة، خصوصاً أن أشرف يحتاج إلى أن يثق في مؤلفين ومخرجين لا يطاوعونه عمّال على بطّال، المهم أنني تهربت من التوقيع على الورقة بهدوء شديد وأخفيت أي شعور بالضيق، وقلت له إنني مستعد لمناقشة أي تعديل يُطلب في السيناريو والحوار، ولكن بشرط أن تكون الموافقة بشكل جماعي، وأن أتفق عليها أنا وهو ومحمد ياسين أو أي مخرج يخرج العمل في حالة اعتذار محمد ياسين عن العمل. صحيح أنني كنت يائساً من تدهور أحوالي في الصحافة والإعداد التلفزيوني، ومتشوقاً لعمل أول تجربة سينمائية، لكنني لم أكن على استعداد لأن أبدأ بداية غير صحيحة حتى لو تأخرت. مع الأسف لم ينبسط أشرف مما قلته، لكني أصرّيت على موقفي، فجأة قطم الكلام، ثم قرر أن نخرج للجلوس مع طارق الشورة، وعدنا إلى الضحك سوياً، وظللت أنا أضحك وأنا أغالب أهم سؤال يدور في ذهني: هل يعني هذا أن أشرف سيتخلى عن الفيلم؟ إلى أين سأمضي بفيلمي المسكين؟

قررنا الذهاب إلى محمد هنيدي الذي يفتتح تصوير اليوم الأول من فيلمه، في الطريق وبينما نحن غارقون في الضحك، كنا نستمع إلى رباعيات صلاح جاهين بصوت سيد مكاوي العظيم، وفي وسط حالة الانسجام، سألني طارق بشكل مفاجئ: هل أسبِّح الله وأذكره في أوقات فراغي؟ لم أقل له: لا. لا أدري لماذا لم أكن صريحاً معه، يبدو أنني من مفاجأتي بالسؤال قلت له دون مناسبة إنني كنت أحفظ 25 جزءاً من القرآن، فانبهر بالمعلومة، لكنني لم أقل له إنني نسيتها منذ سنين، لأنني لم أحفظها طوعاً بل كرهاً، ولم أقل له أيضاً إنني مع الأسف لم أعد أصلي هذه الأيام، لماذا حدث ذلك ومتى سيتوقف؟ ليس هذا موضوعنا الآن، لكنه ينبغي أن يكون موضوعاً مهماً أرسى فيه على بر مع نفسي.

وصلنا إلى موقع تصوير فيلم (بلية ودماغه العالية) في استديو مصر، لا جديد تحت الشمس، مجاملات ونفاق اجتماعي وغربة تثقل صدري في كل مرة

التقينا بأحمد السقا في الطريق إلى الاستديو مصر، تركنا طارق الشورة وركب معه. في الأول، كان السقا سيدخل في سيارة أشرف بحركة هزار غريبة، ولو أنها ليست غريبة عليه، مجنون السقا في سواقته وتصرفاته ومشهور لدى الجميع بـ"الأفورة"، الغريب أنه سلم عليّ بفتور، وكأنه لم يكن يعرفني جيداً، وكأنه لم يكن مفروضاً أن يمثل فيلمي الذي ذهب الآن لأشرف، أو الذي لا أدري هل سيذهب لأشرف بعد ما حدث في المكتب؟ هل السقا غاضب مني لأنني لم أتصل به كما طلبت مني ناهد فريد شوقي التي عرضت عليه الفيلم وقالت إنه أعجبه ويريد أن يتكلم معي فيه، لكنها حين قالت لي إنه دخل بالفعل في مشروع فيلم رومانسي مع سعيد حامد سيكون أول بطولة له، ولديه فيلم أكشن بعد ذلك مع عمرو عرفة، لم أجد جدوى من الاتصال وتعطيل الفيلم أكثر مما هو عطلان بالفعل، وأصلاً لم أكن أعتقد أن الفيلم مناسب له، ستكون معجزة لو نجح أحمد السقا في فيلم كوميدي، لم يضحكني حين رأيته في بروفات مسرحية (عفروتو). (14)

وصلنا إلى موقع تصوير فيلم (بلية ودماغه العالية) في استديو مصر، لا جديد تحت الشمس، مجاملات ونفاق اجتماعي وغربة تثقل صدري في كل مرة، أريد أن ألعن سنسفيل بعض الحاضرين الذين أعرف آراءهم الحقيقية في بعض، ومع ذلك أراهم يكذبون على بعض عيني عينك، النفاق يا سادة، لا يمكن أن نتقدم خطوة بدونه، وفي الحقيقة لولاه لما استطعنا أن نمشي خطوتين بدون أن نقتل بعضنا البعض.

وجدت أداء هنيدي مختلفاً عن المرات التي رأيته فيها، لديه حالة ثقة في نفسه أكثر من اللازم، في كل مرة كنت أراه مرتبكاً وقلقاً، هذه المرة يبدو منشكحاً للغاية، لا ألومه بعد نجاح (همام في أمستردام) الذي كان أضعف فنياً وأقل إضحاكاً من (صعيدي في الجامعة الأمريكية). لاحظت كثرة المتزلفين من حوله وعلو صوتهم مقارنة بالمرات السابقة التي التقيت به فيها، كان لطيفاً معي كعادته، ذكرني بأول مرة رأيته فيها في كواليس مسلسل (وانت عامل إيه؟)، وقال لمن حوله إن أول مرة تنشر صورته على غلاف مجلة (الكواكب) كانت في حوار أجريته معه.

شعرت أن المخرج الكبير نادر جلال غير منسجم مع الأجواء المحيطة به. نادر جلال في العادة هادئ ولا يثير أي صخب، لكنني حين رأيته في كواليس التصوير مع عادل إمام وأحمد زكي كان أكثر تفاعلاً مع من حوله، هنا شعرت أنه غريب على ما حوله. هل يكون فارق السن في مصلحة الفيلم أم ضدها؟ قال لي مدحت العدل إنه أحب تجربة العمل مع نادر جلال، داعبه أحد الحاضرين حين أشار إلى أنه أصبح يحصل على مليون جنيه في الفيلم، ضحك ولم يعلق. (15)

...

هوامش على اليوميات: 
ـ12ـ: تعرفت على طارق الشورة من خلال محمد هنيدي الذي كانت صداقتي به قد سبقت صداقتي بعلاء ولي الدين وأشرف عبد الباقي، كانت لديه قدرة مدهشة على حكي قصص غريبة كلها من حياته الشخصية، وكنت في كل مرة بعد أن تنتهي الجلسة الممتعة أخجل من السؤال عن عمل طارق، وحتى الآن لا أعرف طبيعة عمله على وجه التحديد. مرة قال لي إنه يعمل في البيزنس، لكنني لم أسأله في أي نوع من البيزنس، كان هو ومحمود عبد الغفار القاسم المشترك الأعظم في كل جلسات جيل هنيدي، ثم أصبح القاسم المشترك الأعظم في كل جلسات الجيل الذي تلا جيل هنيدي، وكنت قد سمعت أنه خاض تجربة الكتابة مع أحد أصدقائه من الممثلين المنبهرين بخفة ظله، لكن التجربة لم تكتمل، لا أدري لماذا؟ ولا زلت متشوقاً لمشاهدة نتيجة تجربته في الكتابة وهل سيحافظ على خفة ظله المدهشة حين يكتب؟

ـ 13ـ: بعد أن بدأنا التعاون سوياً في مشروع فيلم (سيد العاطفي)، كتبت لأشرف عبد الباقي مشروع مسرحية بعنوان (لطفي عنده لطف)، التي لم تكتمل مع الأسف لعدم وجود منتج متحمس للعمل مع أشرف بعد تعثر أكثر من مسرحية له، ولا زلت أحتفظ بنص مشروعها حتى الآن. استفدت في تلك التجربة من خبرة أشرف المسرحية، لكنني حتى الآن، وبرغم عشقي للمسرح، لم أكمل كتابة أي تجربة مسرحية من التجارب التي فكرت فيها. كنت ولا أزال أحب أداء أشرف على خشبة المسرح، حتى في مسرحية (رد قرضي) التي فشلت جماهيرياً، الغريب أن محمد سعد نجح مع الجمهور في المسرحية أكثر من أشرف الذي كان يتعامل معه بلطف شديد ويفرش له الإفيهات بلغة المسرح هو وياسمين عبد العزيز، لكن المسرحية اختفت في أدراج منتجها عصام إمام، وبعد أن نجح فيلم (اللمبي) نجاحاً ساحقاً، وجدت المسرحية طريقها إلى نوادي الفيديو، ولكن مع أفيش جديد تصدره محمد سعد وياسمين عبد العزيز، وتوارى فيه أشرف عبد الباقي الذي يستحق أن يكون بطلاً لرواية ملحمية عن الحظ السيئ، وأيضاً عن الدأب وعدم الاستسلام للفشل، وقد استفدت كثيراً من تجربته في هذا المجال.

ـ14ـ: كانت ناهد فريد شوقي أول منتجة سينمائية عرضت عليها سيناريو (سيد العاطفي)، وكنت أثق فيها كثيراً، لكن حظي معها للأسف لم يكن حسناً في أكثر من تجربة، من بينها فيلم (الولد) الذي أعتبره أهم وأفضل سيناريو كتبته في حياتي. أنجز أحمد السقا أول بطولاته مع سعيد حامد في فيلم (شورت وفانلة وكاب)، ونجاح الفيلم شجع المنتجين على استكمال مشروع فيلم (أفريكانو) مع عمرو عرفة، وحين حقق فيلم (أبو علي) نجاحاً ساحقاً اتصل بي السقا وطلب مني أن أتعاون معه في فيلم، ولأنني كنت قد اتفقت مع كريم عبد العزيز على أن نبتعد عن بعض قليلاً من باب التغيير، عرضت على أحمد السقا سيناريو بعنوان (يا قاتل يا مقتول) من إخراج وائل إحسان الذي كان راغباً في تغيير جلده والبعد عن الكوميديا، وذهبنا إلى اسطبل الخيل الذي يمتلكه السقا خلف الهرم، وعرضنا عليه السيناريو، فلم تعجبه الفكرة وقال إنه يعتقد أنها لن تنجح، لأن البطلة تقتل في الربع الأول من الفيلم ولا توجد قصة حب تستمر حتى النهاية. لم أعلق ووعدته بأن أعود إليه بفكرة ثانية لاحقاً، لكنني كنت قد قررت ألا أضيع وقتي معه ثانية، بالطبع أدرك خطأ رأيه، حين رأى النجاح الساحق الذي حققه الفيلم والذي اضطررت لتغيير اسمه بعد أن اتصل بي الأستاذ نور الشريف ورجاني تغيير العنوان، لأنه يمتلك سيناريو بنفس الاسم، فغيرت اسمه إلى (واحد من الناس)، وحين فشلت تجربة كريم في التعامل مع سيناريست آخر، وطلب مني التعاون معي ومع أحمد جلال مجدداً، عرضته عليه فأعجب به من أول مرة وطلب من إسعاد يونس التعاقد معي فوراً لكيلا يذهب الفيلم لممثل آخر، وحين التقيت بالسقا بعد ذلك في مناسبات عديدة لم يعلق على الموضوع.

...

نكمل غداً بإذن الله.