صفحات من يوميات لم تكتمل (2)

صفحات من يوميات لم تكتمل (2)

12 يوليو 2021
+ الخط -

ـ اتصل بي الصديق عماد الدين حسين من مقر عمله في الإمارات، وتحدث عن إعجابه بموضوعين لي نشرتهما صحيفة (الاتحاد) عن نجاة الصغيرة، عرضت فيهما كتاباً جميلاً ونادراً يحكي عن قصة حياة نجاة عنوانه (وحيدة في سكة العاشقين)، من كان يصدق أن هذا الكتاب الذي وجدته بالصدفة على سور الأزبكية سيحل لي مشكلة دفع الإيجار الشهر الماضي؟ حدثني أيضاً عن موضوع كتبه حمدي رزق جاء فيه عرض للمقالين الذين كتبتهما في صحيفة (الأسبوع) ضد عادل حمودة وما كتبه عن أحمد فؤاد نجم. سألني عماد عن ردود فعل المقالين فقلت له إني لم أعرف شيئاً عن رد فعل عادل حمودة، بالتأكيد سيغضب مما كتبته، لكن عم نجم حين كلمني هاتفياً بعد أن قرأ المقالين انبسط بانتقادي لعادل حمودة طبعاً لكنه لم ينبسط بانتقادي له في بعض الفقرات، ثم قال لي ضاحكاً إنه سيوفر الخناقة إلى أن نلتقي في المقطم، ولم أقل لعم نجم إن بند المواصلات لا يسمح بزيارته الآن لكن وعدته بزيارة قريبة. في نهاية المكالمة المليئة بالضحك والنميمة جدد عماد عرضه لي بمساعدتي على البحث عن فرصة عمل في صحافة الإمارات، وكررت شكري له وتأكيدي على أنني لا أبحث عن فرصة عمل خارج مصر، وأنني سأواصل العمل في المكاتب الصحفية لسداد الالتزامات الضرورية حتى أوفق في مشروع سينمائي وأبدأ العمل ككاتب سيناريو. (6)

ـ لم أتصل بالدكتور جلال أمين لكي أشكره على ترشيحي لدار رياض الريس لكي أكون مراسلهم في القاهرة، لا بد أن أتصل به غداً. لا بد أن أكتب يوماً ما عن علاقته الطريفة والمركبة بأخيه الأستاذ حسين، لا علاقة لأحدهما بالآخر، سبحان الله، أحترم جلال لكني أحب حسين أكثر بكثير وتعلمت منه الكثير، وإن كنت قد ابتعدت عنه الفترة الماضية بسبب الأزمة المالية التي لم تعد تسمح لي بمواصلة التردد عليه في بيته في مصر الجديدة.

ـ بدأت في إعداد مقترحات للمجلة اللبنانية وأنهيت مراجعة النسخة الأخيرة من سيناريو (سيد العاطفي)، لكي أكون جاهزاً لمناقشته حين ألتقي بأشرف عبد الباقي ومحمد ياسين. (7)

ـ قمت بحركات بلهاء لتخفيف التوتر مثل لصق صور جديدة على حائط الغرفة وإعادة ترتيب الكتب في دواليب المكتبة، أصبح لدي الآن ثلاثة دواليب في عين العدو، لم أستمر في ترتيب الكتب طويلاً لأن مجلدات (الكامل في التاريخ) و(البداية والنهاية) نظرت إليّ باحتقار شديد وقالت لي: "مش تفتحني بقى يا عاجز عن استثمار وقتك بالشكل السليم"، برغم حقارة ما تخيلته لكني أتصور أنه يمكن أن يحدث بالفعل في أي لحظة، فقط سيكون الحوار بالفصحى التي ستجعل ابتذال الموقف أقل.

ـ أكلت طبق مشويات مشكلة (شيش وكفتة وفراخ) على الغداء، وفطيرة على العشاء من فطاطري أولاد الحسين، كان المفروض أن يحصل العكس، لم أتمكن من النوم بسبب العشاء الثقيل، قرار الفطير قرار أهبل يشبه اليوم، وكسر لا مبرر له للريجيم الذي يجب أن آخذه بجدية.

ركبت تاكسي مع سائق غريب الأطوار، ملتحي حتى منتصف صدره وفي الوقت نفسه بذيء بذاءة غير عادية، وحين أصف أنا شخصاً بأنه بذيء يمكن لك أن تتخيل مدى بذاءته

ـ مكالمة لا مبرر لها مع (..) ـ زميلة قديمة ـ وحديث عن فخرها بزوجها أصلع الشعر والعقل الذي ظهر في برنامج أهطل على التلفزيون. تصلح قصتها مع زوجها لتكون بيان حالة على صدق أمثال شعبية مثل "مراية الحب عميا" و "كل فولة وليها كيال".     
حصيلة هذا اليوم: 20 في المئة إنجاز فقط.

قررت السهر حتى اليوم التالي وتطبيق اليومين في بعضهما، اكتشفت الآن أن كلمة "التطبيق" سخيفة حين تُكتب بالفصحى.

السبت 26/2/2000:

واصلت السهر حتى اليوم التالي، بل وحتى الساعة التاسعة مساءً، شعرت بالإعياء عندما نزلت من البيت، تراجعت عن قرار المشي من شارع القصر العيني حتى ميدان طلعت حرب، استعباط على الآخر بصراحة، كان لازم أمشيها على الأقل لحرق البلاوي التي اكتسبتها بفعل فطيرة الأمس. لا بد من وقفة جادة مع النفس في موضوع الفطير خصوصاً بالليل.

ركبت تاكسي مع سائق غريب الأطوار، ملتحي حتى منتصف صدره وفي الوقت نفسه بذيء بذاءة غير عادية، وحين أصف أنا شخصاً بأنه بذيء يمكن لك أن تتخيل مدى بذاءته، موِّتني من الضحك حين ظل يسب بابا الفاتيكان الذي يزور القاهرة وبسببه تعطلت الدنيا ولم يتمكن الرجل من نيل مكسبه المعتاد الذي يزاحمه فيه صاحب العربية، أخذ السواق يردد حتى نزلت: "البابا طلّع ك.. ماما"، وظللت أرددها طول اليوم.

ذهبت إلى قهوة (زهرة البستان) في وسط البلد، واشتريت الجرايد والمجلات لأضيع وقتي فيها، شربت شاياً في الطريق ولم أرتق نعلي مرتين، هاها، نعلي لم يعد قابلاً للرتق أصلاً، ما يحتاجه هو الحرق وشراء نعل عليه القيمة، لكن البند لا يسمح هذه الأيام. أبرز انطباع على قراءة الجرايد والمجلات أن مجلتي القديمة وأول بختي في الصحافة (روز اليوسف) أصبحت خرائية أكثر من اللازم. الآن وبعد أن مشت في سكة الانبطاح منذ تولى محمد عبد المنعم رئاسة تحريرها، أصبحت فجأة وطنية حنجورية ومع المقاومة المسلحة، وكل هذا حدث بعد زيارة الرئيس مبارك إلى لبنان وحاجة النظام لارتداء القناع النضالي. تذكرت المعركة التي خضناها مع روز اليوسف في (الجيل) قبل عام، سبحان المغيِّر وسقى الله تلك الأيام، ومنه لله ياسر أيوب. (8)

رفضت تسليف الجرايد لرجل غتيت يجلس معي على القهوة، قلت له إنني أحب أن أقرأ الصحف قبل أن يلمسها أحد "عشان ما تتقلِّش بركتها"، نظر لي بجفاء وكتم شخرة وانقلع.

قمت من على المقهى في التاسعة والنصف، اتصلت بأكرم القصاص وأيقظته من النوم لكي يلحق بالموعد، اتصلت بحمدي في مقر (القاهرة)، لم يصل بعد إلى الموعد الذي سنلتقي فيه بالرجل القادم من بيروت، الميكروباصات بالتأكيد وراء تأخيره، قررت الذهاب إلى مقهى (جروبي) حيث سنلتقي بالشباب، ولأني وصلت في الموعد، أكلت جاتوه مع الشاي. ملعون أم الريجيم. تأخر الرجل اللبناني، حرص على تذكيري أن اسمه عماد العبد الله وليس عماد عبد الله، وصل متأخراً لكنه أطل مبتهجاً وودوداً كأنه يعرفني من قبل، ظريف ومنفتح وإن كان كثير الكلام، حين أقول أنا بالذات عن شخص إنه كثير الكلام فلك أن تتخيل، يبدو أن السبب هو إحساسه بالغربة ورغبته في تبديد ذلك الإحساس. تآلفت معه بسرعة.

هوامش على اليوميات: 
ـ6ـ: كان عماد الدين حسين رئيس تحرير صحيفة (الشروق) حالياً قد سافر للعمل في الإمارات عام 1998 وعمل في صحيفة (البيان) لسنوات، والكتاب الذي عرضته كان من تأليف محمد المكاوي الصحفي الفني المخضرم في مجلة (الكواكب) ولم يعد طبعه للأسف، برغم أنه من أفضل ما كتب عن نجاة، والمقالان الذين كتبتهما في (الأسبوع) كانا تعليقاً على المعركة التي دارت بين الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم ورئيسي السابق في مجلة (روز اليوسف) الصحفي الكبير عادل حمودة، والتي تمخضت عن كتاب كامل هاجم فيه نجم حمودة، وهو من أسوأ ما كتبه نجم على الإطلاق، وربما يكون لنا عودة إلى تلك المعركة والمقالين في وقت آخر، لكنهما على أية حال لم يكونا من أفضل ما كتبت.

ـ7ـ: كان سيناريو (سيد العاطفي) أول سيناريو كتبته عام 1998 وكان أشرف عبد الباقي متحمساً لتقديمه ورشح له المخرج محمد ياسين الذي لم يكن قد أخرج وقتها، وكان من أهم وأكفأ مساعدي الإخراج في الوسط السينمائي، وقد تعرفت عليه قبل ذلك على مقهى فيينا بشارع القصر العيني الذي كان مقهانا المفضل لسنوات، وبرغم الصداقة الوثيقة التي استمرت لسنوات، إلا أن كل مشروع كان يجمعني بمحمد ياسين كان ينتهي نهاية درامية حادة، وسأحكي عن ذلك لاحقاً.

ـ8ـ: بعد الإطاحة بعادل حمودة من منصب نائب رئيس تحرير (روز اليوسف) بعد الملابسات التي أشرت إليها سابقاً في تدوينة (في كلابش واحد مع حرامي الأنبوبة)، قام حسني مبارك لكي يرتاح من صداع (روز اليوسف) وشغبها بتعيين سكرتيره الصحفي السابق محمد عبد المنعم والكاتب بالأهرام ليكون رئيساً لتحريرها، وهو ما أعاد إلى الوسط الصحفي ذكريات ما فعله أنور السادات حين قام بتعيين عبد العزيز خميس ومرسي الشافعي في (روز اليوسف) بدلاً من عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ لكي يرتاح من صداعها، وحين التقى بعبد العزيز خميس بعد تعيينه بفترة قال له بما معناه "كويس أوي يا عبد العزيز ما بقيتش أسمع حاجة عن روز اليوسف"، مما يعني نجاح مهمته في إسكاتها.

أما ياسر أيوب كان رئيس تحرير صحيفة (الجيل) وكان ولا يزال يعمل في صحيفة (الأهرام) وكنت قد تعرفت عليه حين كان يكتب معنا في صحيفة (الدستور)، وقد عملت معه لفترة في صحيفة (الجيل) قبل أن أتركها بسبب اختلاف في وجهات النظر حول موضوع رأيت أن فيه تلميعاً لجمال مبارك، ثم تركها ياسر أيوب بعد ذلك لخلافات مع رئيس مجلس الإدارة الذي كان يعمل في البورصة وكانت لديه طموحات سياسية أجهضتها الأيام، وكنت أعتقد وقتها أن تحول مسار الصحيفة خسارة فادحة لأنها كانت صحيفة واعدة، لكنني الآن أشكر الله لأنني لم أستمر فيها ولا في الصحافة بشكل عام.

...

نكمل غداً بإذن الله.