صفحات من يوميات لم تكتمل (10)

صفحات من يوميات لم تكتمل (10)

22 يوليو 2021
+ الخط -

بعد الأكلة المتينة قررت ألا أعود إلى البيت وأن أذهب إلى الصديق محمد حلمي هلال لأحبس بالشاي عنده، بيته خلف جنينة مول، أخذتها مشي لهضم السندوتشات، أحسن استقبالي كعادته، جلسنا في مكتبه الذي يقع في صالة بيته، تحدثنا عن الكتب الجديدة التي قرأناها مؤخراً، ثقافته موسوعية وترشيحاته في الروايات لا تخيب أبداً، بعدها حكى لي عن رفضه طلب عطيات الأبنودي الصلح بينه وبين ناهد فريد شوقي.

للأسف حالته كرب هذا المبدع الجميل، حكى لي عن زيارة قام بها إبراهيم عيسى له وبصحبته (..) صديقه الأثير، مت من الضحك حين قال لي حلمي هلال إنه لم يفهم صديقنا هذا، شخص لا تفهم إذا كان يحبك أو يكرهك أو أنه شيء أو لا شيء، وصفه بدقة، تحدثنا عن أحوال السينما والدراما التلفزيونية، وحكيت له عن شجوني، وسمعت شجونه، قال لي "إفيه" في غاية الجمال، إن الذين زي حالاتي وحالاته سنتحول إلى أشخاص غير مرئيين لأن محمد حسن رمزي سيرفض توزيعنا وحجز دور عرض لنا وبالتالي سنتحول إلى لا شيء ولن يرانا أحد حتى نموت. ضحكنا كثيرا وشتمنا في كل شيء لنفش غلنا. (35)

قبل أن أنزل من عنده حصلت مفارقة حين اتصلت بي ناهد فريد شوقي، حرصت على ألا يعرف أنني أتحدث معها وألا تعرف أني لديه، طلبت مني زيارتها حين عرفت أنني موجود في مدينة نصر، قبل أن أنزل أعطاني محمد حلمي هلال سيناريو خمس حلقات من مسلسل (الكومي) الذي يبدو أنه لن ينفذ بسبب خناقته مع ناهد التي تتصاعد يوماً بعد يوم، كنت قد سمعت كلاما كثيرا عن الحلقات وروعتها، وتشوقت لقراءتها، حين قلت لمحمد حلمي هلال ما سمعته عن الحلقات، هز رأسه وقال لي محبطاً: "الظاهر إنها عشان حلوة أوي وعشان كده مش هتشوف النور وهترقد جنب اخواتها في الدرج".

بعد أن نزلت من بيت محمد حلمي هلال، اتجهت إلى منزل ناهد الذي اكتشفت أنه قريب جداً من بيت الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي ذهبت إليه قبل عامين لكي أجري معه حوارا لمجلة (العربي) الكويتية، كنت ألتقي بناهد قبل ذلك في مكتب أفلام فريد شوقي في وسط البلد، وكنت أشعر بالفرحة والرهبة في كل مرة أدخل فيها ذلك المكتب التاريخي، وخصوصاً الغرفة التي تحتفظ فيها بكل السيناريوهات التي أنتجها أبوها أو شارك في بطولتها، لو كنا في بلد آخر لكان تم تحويل ذلك الشقة إلى متحف، أو ربما من حسن حظ فريد شوقي أن تلك الثروة لم تضع الحكومة يدها عليها لكي تهلك ويتم بيعها بالقطاعي.

هذه أول مرة أزور ناهد في بيتها، عرفت أنها اضطرت لتغيير عنوانها بسبب القضايا التي رفعها عليها الموزع مدحت الشريف بعد خلافاتهما التي بدأت بعد فيلم (هستيريا)، شيء حزين وعبثي أن تكون هذه حالة أكثر منتجة شعرت أنها تفهم في السينما، وكلما قرأت قصة أو معالجة أشعر بذكائها الشديد حين تسمع ملاحظاتها وأسئلتها، وفي حين ينتج كل من هب ودب، لا تستطيع هي إنجاز مشاريعها المهمة. (37)

المضحك أن هنيدي وعلاء كانا طول الوقت يتحدثان عن حرصهما على عدم تكرار أخطاء الماضي التي وقع فيها الجيل السابق، وأنهما لن يتركا حسابات السوق تؤثر على صداقتهما ومحبتهما لبعض

تحدثت مع ناهد كثيرا عن مشاريعها ومشاريعي، حكت لي قصة فيلم بطولة نسائية سيخرجه إيهاب لمعي، قلت لها إني كتبت قصة فيلم اسمه (خراط البنات) وسجلتها في الشهر العقاري، أعجبها الاسم، (38) أعطتني معالجة فيلم (صايع بحر) التي كنت قد أعطيتها لها لتقرأها وأحبت المعالجة جدا وتمنت أن تتحسن ظروفها لكي تتمكن من إنتاجها، استأذنتها في الانصراف لأن لدي موعدا في وسط البلد، كنت أشعر بصداع شديد لكنني بعد نزولي من عندها، فضلت مواصلة الحديث معها على الموبايل لكي أهرب من ملل الطريق، بعد أن قفلت المكالمة اتصل بي عماد العبد الله وشكا لي من جهل أيمن الحكيم الذي التقى به بمفرده بعد لقائنا مع رجاء النقاش، وكان مستفزا للغاية منه، حتى حين سهرنا عند الأستاذ رجاء، دافعت عن أيمن بقدر استطاعتي، وشكرت في جهوده الصحفية ولم يعجب عماد بكلامي.

بعد أن وصلت إلى البيت زارني فجأة صديقي الهائج (ن. ع.) واكتشفت أن زيارته لم تكن لوجه الله، وإنما للفرجة على الديكودر، كان يتصور أن هناك قنوات جنسية في الديكودر، ولم يصدق حين قلت له إن الديكودر مختلف عن الدش، وأنك تدفع قيمة اشتراك قنوات محددة، وأن الأفلام التي تعرضها القنوات لا تتعرض للرقابة لكنها لا تقدم في أغلب الأحوال جنساً صريحاً كالذي يتخيله، طردته من البيت حين اتهمني بالكذب عليه، فلم أكن رائقاً له بعد ذلك اليوم الطويل.

اتصل بي محمد عبد الرشيد وأخبرني أنهم أسندوا إليه إخراج صحيفة (القاهرة) التي تم التخلي عن فكرة إصدارها كمجلة، زارني حمدي بعد انصرافه من القهوة التي لم أعد أذهب إليها لشعوري بالاختناق من بعض من يذهب إليها، سهرنا حتى الثانية والنصف صباحاً، حدثني عن تصاعد خلافات رجاء النقاش وصلاح عيسى في (القاهرة) وحدثته عن مشروع جريدتنا التي كان متشككاً في صدورها. (39)

الجمعة 3/ 3/ 2000:

استيقاظ مبكر. فيلم (الطوفان) الكئيب وتّرني وجعل مزاجي "مأريف" طول اليوم. سامحه الله بشير الديك. لم أكن في حاجة إلى هذه الجرعة المركزة من الكآبة في هذا الوقت. (40) قراءة نهمة وعلوقية مستمرة في الشغل ونوم متقطع وأكل وتليفونات، مكالمة حذرة ومتوترة مع أشرف عبد الباقي، ومكالمة لطيفة ومشتركة من محمد ياسين وخاله عمر عبد العزيز واتفاق على أن نلتقي، من زمان لم ألتق بعمر عبد العزيز مع أن صحبته جميلة، مكالمة من صلاح السعدني للاتفاق على تفاصيل السفر إلى الإسكندرية. (41)

زيارة لطيفة من حمدي بسيط الجميل كعادته، حكى لي عن حروب التوزيع الشرسة بين هنيدي وعلاء ولي الدين، مع أن الفيلمين لم يكتمل تصويرهما أصلاً. تذكرنا الحروب الشرسة التي كان يخوضها أحمد زكي ومحمود عبد العزيز ضد عادل إمام ونادية الجندي مع كل فيلم جديد، والتي كانت تنتهي بانتصار عادل إمام ونادية الجندي وحصولهما على السينمات التي يرغبان فيها، لأن "الجمهور عاوز كده". المضحك أن هنيدي وعلاء كانا طول الوقت يتحدثان عن حرصهما على عدم تكرار أخطاء الماضي التي وقع فيها الجيل السابق، وأنهما لن يتركا حسابات السوق تؤثر على صداقتهما ومحبتهما لبعض، لكن هتقول إيه؟ كاس وداير.

بعد أن نزل حمدي بسيط زارني أشرف فايق، أعدنا مشاهدة فيلمه الجميل (أسانسير خمس نجوم)، أعطيته معالجة (صايع بحر) ويا ليتها تعجبه، كنت متحمساً للعمل معه، ولذلك تشجعت وعزمته على أكلة سمك من قدورة دفعت فيها ستين جنيه، ولكنها جميلة وعدلت المزاج وشعرت أنها تمهيد لزيارة إسكندرية المقبلة، وحشتني اسكندرية جداً، هانت خلاص.

واصلت السهر بعد نزول أشرف فايق، قرأت روايات قصيرة من بينها رواية لماريو بارجاس يوسا (امتداح الخالة)، نمت ثم صحوت في الثالثة صباحا، يوم رمادي لا هو خراء ولا هو محسوب يوم بجد.

....

هوامش على اليوميات: 

ـ35ـ: الراحل محمد حسن رمزي صاحب شركة (أفلام النصر للإنتاج والتوزيع السينمائي)، كان وقتها أبرز موزع سينمائي يتحكم في تحديد دور العرض التي تعرض فيها الأفلام السينمائية، ويستند على تقديره الشخصي المبني على خبرة سينمائية للفيلم الذي سيحدث عليه إقبال جماهيري، والفيلم الذي لن يحدث عليه إقبال جماهيري، وهو ما كان يتسبب في ظلم أفلام كثيرة ربما كانت ستنجح أكثر لو تم اختيار دور عرض أفضل لها.

ـ36ـ: كان المسلسل مأخوذاً عن رباعية الكومي للكاتب الكبير خيري شلبي، والتي نشرها في روايات الهلال وحققت نجاحاً كبيراً، وقد أعجبت بالحلقات جداً حين قرأتها، وكان كل من أحمد زكي ثم محمود عبد العزيز مرشحين لبطولتها، وكان رأيهما فيها إيجابياً، لكن الظروف لم تساعد على تحقيق ذلك الحلم، وتسبب المشروع في سلسلة أزمات بين المنتجة ناهد فريد شوقي والكاتب محمد حلمي هلال، وقضت على صداقتهما، ثم دخلت ناهد في أزمات قضائية مع خيري شلبي، حين قرر أن يكتب العمل بنفسه ويسنده إلى المخرج محمد راضي، ولم يحقق العمل أي نجاح، لأن كتابته وتنفيذه لم يكونا في أحسن صورة، بعكس سيناريو (الوتد) الذي كتبه خيري شلبي بعدها وحقق نجاحاً كبيراً حين نفذه المخرج أحمد النحاس. وأتذكر أن ناهد فريد شوقي كسبت الدعوى القضائية التي رفعتها ضد العم خيري، الذي وسطني لديها لكي تقوم بالتنازل عن الدعوى القضائية، لكنها رفضت، ولم أعد أتذكر هل حصلت على تعويض مادي أم لا؟

ـ 37ـ: ظلت ناهد فريد شوقي لفترة تتنقل من شقة إلى أخرى لكي تتفادى تنفيذ الأحكام التي حصل عليها مدحت الشريف بسبب علاقاته، وكان لديها أمل أن تتمكن من الوصول إلى حل معه، واضطرت في تلك الفترة للدخول في شراكة مع آل العدل لكي يساعدوها على تنفيذ مسلسل (حديث الصباح والمساء) الذي حلمت به مع محسن زايد وظلت وراءه حتى رأى النور. في عام 2002 قمت بالتعاقد مع ناهد على سيناريو بعنوان (الولد) كان سيلعب بطولته أحمد زكي وكان متحمساً له جداً، وكان سيخرجه وائل إحسان، لكن المشروع تعثر بعد رحيل أحمد زكي، وظللنا طيلة السنوات التالية نحاول تنفيذه، كل مرة ببطل ومخرج مختلفين، وللأسف لم ير النور حتى الآن، مع أنني أعتبره أفضل ما كتبت.

ـ38ـ: أعتقد أن فيلم إيهاب لمعي هو الذي نفذته ناهد بعد ذلك بعنوان (من نظرة عين) من بطولة منى زكي وعمرو واكد ولم يحقق نجاحاً للأسف مما أثر على أحلامها في السينما، أما فيلم (خراط البنات) فلم يتم تنفيذه حتى الآن.

ـ39ـ: محمد عبد الرشيد من أهم المشرفين الفنيين في الصحافة المصرية منذ التسعينات وحتى الآن. بدأنا العمل سوياً في صحيفة (الدستور) حيث كان مساعداً للدكتور أحمد محمود صاحب ماكيت الدستور ومشرفها الفني، وهو الذي قام بعمل ماكيت بديع لصحيفة (الناس) وكان يعمل في الأصل في صحيفة الأهرام المسائي، ولذلك كان يقوم بالتوقيع باسم (محمد الغول) وهو الذي قام بعمل ماكيت صحيفة (القاهرة) التي لم أكن أعلم وقتها أنني سأعمل فيها مديراً للتحرير.

ـ40ـ: فيلم (الطوفان) من تأليف وإخراج الأستاذ بشير الديك، ولأنه لم يكن متاحاً في القنوات الفضائية وقتها فقد اشتريت نسخة له من شارع الشواربي الذي كان يوجد به كشك يبيع الأفلام العربية والأجنبية. وأنصحك بمشاهدته إذا لم تكن قد رأيته لكن اعمل حسابك على تأثيرات اكتئابية حادة بعد مشاهدته.

ـ41ـ: المخرج عمر عبد العزيز صاحب العديد من الأفلام الكوميدية الجميلة مثل (يا رب ولد) و(تجيبها كده تجيلها كده هي كده) و(هنا القاهرة) و(الشقة من حق الزوجة)، وهو الشقيق الأصغر للمخرج محمد عبد العزيز، وخال المخرج محمد ياسين الذي كانت تجمعني به وقتها صداقة وثيقة. سافرت بالفعل إلى الإسكندرية مع العم صلاح السعدني وكانت رحلة ممتعة وجميلة كالعادة، لكنني بسببها توقفت عن كتابة هذه اليوميات، وعدت لكتابتها في عام 2002 بعد أن كانت ظروفي قد تغيرت، وسأقوم بنشر هذه اليوميات في كتاب يضم بعض فصول رحلتي مع السينما والدراما، وأتمنى أن يكون ممتعاً ومفيداً بإذن الله.