شهادة غريبة على عصر أغرب (6)

13 يناير 2021
+ الخط -

بعد أسابيع مما نشرته عن كتاب (عرفته السادات) كان غضب الدكتور محمود جامع قد تصاعد على ما كتبته في صحيفة (الجيل) عن مذكراته الغريبة، وبلغني عبر أكثر من مصدر أن هناك من نصحه أن يقوم برفع دعوى قضائية ضدي وضد الصحيفة ورئيس تحريرها الدكتور ياسر أيوب، مع أنني لم أحرض فيما كتبته الذين هاجمهم على رفع دعاوى قضائية أو تقديم بلاغات ضده، بل اكتفيت بسؤالهم عن رأيهم فيما قاله عنهم، وقد أثارت تلك الأقاويل جواً من القلق داخل الصحيفة التي تعرض على الرقابة كل أسبوع بسبب حصولها على ترخيص قبرصي، ولم تكن ذكرى إغلاق صحيفة (الدستور) ببعيد، خصوصاً أن صحيفة (أخبار اليوم) ورئيس تحريرها إبراهيم سعدة الذي كان يكتب وقتها تحت اسم مستعار هو (أنور وجدي) تبنيا الكتاب بقوة جعلت البعض يعتبرون ذلك علامة رضا من نظام مبارك على الكتاب وما جاء فيه، خاصة أن نظام مبارك كان يستغل إبراهيم سعدة وسمير رجب لتصفية حساباته مع الكثير من أعدائه وخصومه في الداخل والخارج، وهو ما شجعني على مواصلة حملتي ضد محمود جامع، فقمت بكتابة موضوع بعنوان (محمود جامع مؤرخ عصر السادات متهم في قضية فساد وتزوير)، قلت فيه ما يلي:

"سكتنا له فدخل بحماره. ينطبق هذا المثل على الدكتور محمود جامع الذي أصدر منذ أسابيع قليلة كتاباً هزلياً اسمه (عرفت السادات) يدخل تحت بند الخيال السياسي أو الكوميديا السياسية، وقمنا بتفنيد ما جاء في الكتاب من قصص هزلية مثل نوم عبد الناصر على كنبة وهو يصرخ: سأقتل الجميع، ومثل اتهامه لعبد الناصر بإحراق القاهرة دون دليل، ونشرنا رد سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبد الناصر على ما جاء في الكتاب ووصفه له بأنه تخريف من الجلدة للجلدة، وطالبنا شهود عصر السادات وأقاربه بأن يردوا على ما جاء في الكتاب من اتهامات للسادات بالحصول على عمولات صفقات الأسلحة، بل واتهامه ضمنياً بشرب الحشيش وما إلى ذلك من اتهامات خطيرة لو صحت وأخطر لو كانت مكذوبة. ولكن لأن رزق الهبل على الصحفيين، فقد ساق الله للأخ جامع من يعتقد أنه مؤرخ فيفرد له الصفحات الطوال ليواصل تخاريفه المدعوة تاريخاً، وساق له الأخ أنور وجدي ليطبل له أكثر من مرة خاصة وقد مدحه الأخ جامع في كتابه وأثنى عليه ثناءً جمّاً نقلاً عن "كبير العائلة المصرية".

لكن المفاجأة التي لا يعرفها الكثيرون أن السيد المؤرخاتي محمود جامع صاحب سوابق ومتهم رسمياً بالفساد وتبديد المال العام، هذه المفاجأة يكشفها الكاتب والدكتور محمد عباس في كتابه (اغتيال أمة.. قصة سادات) والصادر منذ أعوام عن مكتبة مدبولي، والذي روى فيه الدكتور عباس وقائع علاقته بالأخ المؤرخ الدكتور جامع، والذي كان وقتها مديرا لمستشفى المبرة بطنطا، حيث بدأت معرفته بجامع في 2 فبراير 1972. وكان جامع وقتها يفاخر الكل بعلاقته بالسادات، ويعلق صوراً في مكتبه للسادات وهو يداعب أبناءه، وصوراً له وهو يداعب أبناء السادات، وكان الشيخ محمد متولي الشعراوي يزوره كثيراً في المستشفى.

كان الدكتور جامع قد بدأ في عام 1978 عمليات تطوير للمستشفى، انتقد الدكتور محمد عباس الإسراف الشديد الذي جرى فيها والذي أدى إلى شراء أجهزة لن يمكن استغلالها بأكثر من نسبة 10 في المئة، ثم مرت الأيام وجاءت اعتقالات سبتمبر 1981، ومع بدايتها قرر طبيب يعمل في المستشفى من قيادات الإخوان المسلمين اسمه أحمد الزواوي، كان قد هرب أثناء حكم عبد الناصر وعاش 20 سنة في ألمانيا، ثم عاد إلى مصر ليعمل في المستشفى الذي يديره جامع، وحين حدثت الاعتقالات قرر مغادرة مصر فوراً، وظن محمد عباس أن جامع سيكون سعيداً بنجاة هذا الطبيب من الاعتقال لكنه فوجئ بغضب جامع من إفلات الزواوي من الاعتقال.

أثار نشر هذا الخبر ضجة كبيرة في أوساط النيابة والقضاء، وتشجعت صحف المعارضة على نشر تفاصيل القضية متحدثة عن تهديد الدكتور جامع لبعض الشهود بالقتل

بدأ محمد عباس يسأل نفسه كما يقول في كتابه: "ما هو سر العلاقة الوطيدة التي تربط الدكتور جامع بمباحث أمن الدولة، لقد كان صديقهم دائماً، وكان كثيرا ما يسهر في مكاتبهم أو يسهرون في مكتبه حتى ساعة متأخرة من الليل، وكان وسيطا دائما في المفاوضات بين الجماعات الدينية في الجامعة ومباحث أمن الدولة، وكنا ننظر إلى ذلك كفضل عظيم منه أنه يعمل لصالح الجماعات الدينية فهل كان يعمل لمصلحتها فعلا؟ ثم كيف استطاع الدكتور جامع أن يعرف أسرار المعتقلين طوال الأعوام الماضية بكل تفاصيلها وبكل أقوالهم في التحقيقات في مختلف السجون، وكان يواجههم بها أحيانا فينفجر الجميع ضاحكين ذاهلين من قوة اتصالاته واتساع معرفته، وكيف تصادف أن كل من يعرفهم الدكتور جامع من الإخوان المسلمين قد اعتقلوا سنوات وسنوات، بينما لم يُعتقل هو قط، وكان الدكتور جامع يحقق كل يوم مجداً، وكان قد عُيِّن عضوا بمجلس الشورى كما حصل على شهادة بأنه مواطن فخري بالولايات المتحدة الأمريكية وكان نجما لامعا في الصحافة والإذاعة والتلفزيون".

حاول محمود جامع أن يقوم بتعيين محمد عباس مديراً للمستشفى خلفاً له، وذلك بعد أن تمت ترقية جامع ليصبح وكيلا لوزارة الصحة فرع وسط الدلتا، فقاوم محمد عباس بشدة لكي لا يتم تلبيسه مسئولية الانحرافات التي يقول إنه بدأ يشم رائحتها مع تولي أقارب الدكتور جامع العديدين للمناصب المهمة في المستشفى، وأثبتت الأيام لعباس أن ما يفعله جامع لم يكن أقل فسادا من قضية فساد محمد توفي عويضة في السبعينيات، والتي أثارت جدلا كبيرا تسبب في خناقة بين عضو مجلس الشعب المثير للجدل الشيخ عاشور مع الشيخ الشعراوي وزير الأوقاف، بعد أن قال الشعراوي عن السادات بالنص في جلسة رسمية تحت قبة مجلس الشعب: "والذي نفسي بيده لو كان لي من الأمر شيء لحكمت للرجل الذي رفعنا تلك الرفعة وانتشلنا مما كنا فيه ورفعته إلى قمة من لا يُسئل عما يفعل".

يقول محمد عباس إن فضائح الدكتور جامع المالية بدأت تنكشف عندما انعقدت لجنة مناقصة شراء أجهزة الأشعة للتأمين الصحي، وتعرض أعضاء اللجنة لضغوط شديدة لاختيار أعلى سعر، بل وتم تقديم تقرير مزور مقدم باسم د. محمد عباس إلى الإدارة المالية للحصول على موافقتها بشراء الأجهزة ذات السعر الأغلى، وقام محمد عباس بالاجتماع بأعضاء الإدارة المالية ليفسر لهم ما نقل عنه من بيانات كاذبة. حدث هذا في فبراير 1982 وكان محمد عباس لا زال يغالب شكوكه في محمود جامع، لكن الحقيقة انكشفت له كاملة حين قام مواطن من المحلة الكبرى اشتهر باسم عزت السمسار بالحصول على نموذج إجازة مرضية لمدة 30 يوما، واستعان بخطاط من المحلة الكبرى ليكتب شكوى عن انحرافات التأمين الصحي، ولم يضع عليها اسمه، وتم إرسال عشرات الصور من نموذج الإجازة والشكوى إلى رئيس الجمهورية ورئاسة الوزراء ووزير الصحة، فغضب الأخير وعلق على الشكوى كتابة "يبدو أن العمل في فرع وسط الدلتا أصبح تهريجاً"، وقام بتحويل الشكوى إلى رئيس مجلس إدارة هيئة التأمين الصحي، لكن الأخير قام بتحويلها إلى محمود جامع.

كان نشري لاتهامات الدكتور محمد عباس له مربكاً، لأن محمد عباس كان وقتها أبرز كتاب صحيفة (الشعب) التي كانت وقتها الصحيفة شبه الرسمية للإسلاميين في مصر

استفاد محمود جامع ـ طبقا لما يرويه محمد عباس ـ من علاقته الوطيدة بالمباحث والأجهزة الأمنية، واكتشف من هو كاتب الشكوى، واستدعاه إلى مكتبه في طنطا، حيث تم هناك استجوابه على مدى 4 أيام، بعد أن أفهموه أن القائمين على استجوابه ضباط في جهات أمنية عليا، وأنهم يحققون معه باعتبار عضوية الدكتور جامع في مجلس الشورى، وقاموا بضربه ضربا مبرحا وواجهوه بتسجيلات زملاء آخرين وجهوا له بعض الاتهامات، وفي اليوم الرابع هددوه بخطف ابنه أو اعتقاله فانهار واعترف بأنه كتب الشكوى مع دكتور اسمه محمد سليم، وتحت التهديد ذهب إلى الدكتور محمد سليم وهو يحمل تسجيلا داخل ثيابه وقام باستدراجه للاعتراف بكتابة الشكوى، ثم استدرجه إلى مكتب الدكتور جامع في طنطا، حيث تعرض للضرب بقسوة حتى الفجر، وتم إرغامه على كتابة إقرار بأنه هو كاتب الشكوى وأنها كيدية وكتبت بسبب الحقد على جامع، وعندما وقع محمد سليم الاعتراف أضاف إليه خلسة التوقيت كاتباً "الخامسة والنصف صباحا"، ليكون ذلك إشارة على احتجازه رغما عنه في توقيت غير مألوف، وحين لجأ محمد سليم إلى والد زوجته الذي كان يعمل قاضياً، لم يستطع إنقاذ زوج ابنته من النقل والخصم من مرتبه.

فوجئ محمد عباس بحدوث كل هذا من الدكتور جامع الحاج المعتمر الإخواني المسيّس والمتحدث عن الحريات والعدالة، وحين واجهه محمد عباس بما عرفه، حاول جامع أن يبرئ نفسه بالورقة التي تحمل اعتراف محمد سليم فقال له محمد عباس إن هذه الورقة تدينه فأي اعتراف هذا الذي يتم الحصول عليه في الخامسة والنصف صباحا، وانحاز محمد عباس ضد محمود جامع، وبدأت فضائح جامع تصل إلى الصحف المعارضة التي بدأت نشر حملات صحفية ضدها، بدأت النيابة التحقيق على أثرها دون أن تنجح في الوصول إلى أدلة أو مستندات، ووصل الأمر إلى أن أحد الأطباء الذين شهدوا بالحقيقة، تم فصله من عمله بعد شهادته بأسبوع برغم استغاثته بالنيابة العامة والنيابة الإدارية.

في ذلك الوقت ذهب الصحفيان محمد السايس ومصري البرديسي العاملان في صحيفة الأحرار لعمل مواجهة صحفية مع الدكتور جامع، فحاول رشوتهما، وحين فشل قام بتهديدهما، وحين لم تنجح محاولته قال لهما إنه سيلتزم الصمت لكيلا يؤدي إلى خراب البيوت، وكما يقول محمد عباس فإن موقف صحفيي الأحرار كان مختلفا عن موقف الكاتب جمال بدوي الذي كان مسئولا وقتها عن التحقيقات الصحفية في جريدة الشعب، والذي رفض نشر أي كلام ضد محمود جامع لأنه صديقه الشخصي، وهو نفس الموقف الذي اتخذه حين انتقل إلى صحيفة الوفد التي أصبح بعد ذلك رئيسا لتحريرها وكان من الذين يشنون حملات على الصحافة المستقلة ويتهمها بعدم الالتزام بأخلاقيات الصحافة.

بدأ محمد عباس يرسل برقيات ورسائل وشكاوى إلى الرقابة الإدارية والدكتور عاطف صدقي الذي كان وقتها رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات، وتم تشكيل لجنة للبحث في الأمر، وفوجئ الجميع بإصدار قرار عاجل بإخلاء وهدم مبنى مستشفى المبرة، ليتم إخفاء جسم الجريمة بما فيه من أجهزة ومستندات، واستمر الدكتور محمد عباس في محاولاته الراغبة في تحويل محمود جامع إلى القضاء، ورفع الأمر إلى الدكتور فؤاد محيي الدين رئيس الوزراء وقتها، وتم تحديد موعد له لكي يقابل المستشار جلال عبد الحميد الذي وعده بأنه سينقل كل ما تلقاه من معلومات إلى رئيس الوزراء وأن ذلك بالتأكيد سيؤثر على إعادة اختيار محمود جامع عضوا في مجلس الشورى، وهو ما حدث بالفعل في أواخر سنة 1983 حين تم إخراج جامع من مجلس الشورى.

ذهب محمد عباس بعدها إلى المستشار أحمد رفعت خفاجي الذي يصفه بأنه كان تلميذا للفاروق عمر في زهده وتقشفه وحبه لمصر، فاستمع من عباس إلى تفاصيل القضية وأبدى دهشته من محاولة وزيرين للدفاع عن جامع، مع أن أحدهما كان خريجاً للأزهر، ووعد المستشار خفاجي بالتدخل القوي، وهو موقف يختلف عن موقف عاطف صدقي الذي كان صديقا للدكتور جامع وزميلا له في لجنة الحريات التي شكلها السادات في السبعينات، وبالفعل تم استدعاء محمد عباس للنيابة الإدارية ليدلي بأقواله أمام المستشار محمد عبد العزيز الذي بعث الحيوية في القضية، وحاول أعضاء مجلس شعب ومسئولون كثيرون التدخل وإقناع محمد عباس بالصلح لكنه رفض بقوة.

صدر بعدها تقرير للرقابة الإدارية عن القضية، أصدر بعده المستشار أحمد رفعت خفاجي قرارا بوقف الدكتور محمود جامع عن العمل في 2 مايو 1985 وبعدها بشهر أصدرت المحكمة التأديبية العليا قرارها بإحالته إلى المعاش وتحويل الشق الجنائي للنيابة العامة، وجاء في أوراق القضية التي نشرها الدكتور عباس في كتابه أن إحدى المخالفات التي تحققت منها النيابة الإدارية تقول إن الدكتور جامع الذي كان يعمل في القاهرة ثلاثة أيام ليحصل على بدل انتقال ومبيت له ولسائقه، كان يحصل في نفس تلك الأيام الثلاثة على مقابل للكشف على مرضى الأمراض الجلدية في طنطا، وضبطت النيابة سجلات المرضى الذين وقع الكشف الطبي عليهم، واستدعت المرضى فثبت أن أياً منهم لم يذهب للطبيب ولم يصرف دواءً من أصله وهكذا كان للجريمة أبعاد مختلفة وهي التزوير في أوراق رسمية والاستيلاء على المال العام دون وجه حق ثم اختلاس الأدوية التي صرفت باسم هؤلاء المرضى، وهو ما جعل إدانة محمود جامع سهلة في القضية التي ترافع عنه فيها بالمناسبة واحد من كبار المحامين الإسلاميين، وهو المحامي محمد كمال عبد العزيز الذي كان مرشحا لمنصب المرشد العام للإخوان بعد وفاة عمر التلمساني.

بعد صدور الحكم الأول تحركت القضية الثانية على مستوى النيابة العامة التي كانت قد حفظت بلاغات محمد عباس من قبل، كما تحركت في أروقة الجهاز المركزي للمحاسبات الذي قال بعض مسئوليه للدكتور عباس أنهم مقيدون جدا في عملهم رغما عنهم، وحاول محمود جامع اللجوء إلى صديقه الشيخ الشعراوي لإنقاذ نفسه، ونشرت صحيفة (الشعب) أن جامع أقام وليمة فاخرة في منزله بطنطا دعا إليها كبار مسئولي المحافظة ومحافظ الغربية والشيخ الشعراوي، وبعد تناول الطعام طلب الدكتور جامع من الحاضرين قراءة الفاتحة لينقذه الله من التهم الجنائية المنسوبة إليه والتي فصل بسببها من عمله كوكيل لوزارة الصحة بفرع وسط الدلتا، وحضر المأدبة واشترك في قراءة الفاتحة والدعاء المحامي العام الأول لنيابة الأموال العامة بطنطا والذي تولى قضية التأمين الصحي لمدة 3 سنوات دون أن يصدر فيها قرار، وكانت أسرار القضية ووثائقها كلها لديه.

أثار نشر هذا الخبر ضجة كبيرة في أوساط النيابة والقضاء، وتشجعت صحف المعارضة على نشر تفاصيل القضية متحدثة عن تهديد الدكتور جامع لبعض الشهود بالقتل، وعن وقائع التلاعب في صرف الأدوية والمعدات وتزوير المستندات الرسمية، وفي 29 نوفمبر 1985 أمرت نيابة الأموال العامة بحبس الدكتور محمود جامع وشقيقه وابن عمه على ذمة التحقيق لمدة 60 يوما، وكان لذلك القرار وقع القنبلة، وبعد هذا القرار مباشرة تم نقل المستشار محمد عبد العزيز والمستشار محمد أبو زيد والمقدم محمد عبد المنعم إلى وظائف بعيدا عن طنطا، وبعدها بقليل تمت إحالة المستشار أحمد رفعت خفاجي إلى المعاش، ولم يتم الاستعانة به في مناصب أخرى كما كان يحدث لمسئولين في نفس درجته ومنصبه.

هذا باختصار ما نشره الدكتور محمد عباس من وقائع مذهلة عن الدكتور محمود جامع وقضية الفساد التي تورط فيها، وللأسف لم يذكر النتيجة النهائية للقضية، ليبقى السؤال كيف امتلك محمود جامع الشجاعة ليتقمص دور الشاهد على العصر ومكافح الإرهاب ونصير الإسلام والإخوان وهو يعلم حقيقة ماضيه؟ هل يصلح شخص مثل هذا لرواية التاريخ؟ هل يمكن أن نصدقه الآن؟ وهل يمكن أن نقول شيئا غير ما قاله المتنبي حين قال: وكم ذا بمصر من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبكاء".

بعد أن نشرت هذا الموضوع لم أتلق أي رسائل من أي نوع من الدكتور محمود جامع، وخابت توقعات بعض أصدقائي الذين راهنوني على أنه سيقوم برفع دعوى قضائية، خاصة أن بعضهم تشكك في وجود مبالغة في الوقائع التي تحدث عنها محمد عباس، مع أنهم شاهدوها مثلي في الكتاب الذي لم يكن سرياً بل كانت نسخه لا تزال موجودة في مكتبة مدبولي بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، وأذكر أن أحدهم وقد استهواه ما ذكره محمود جامع من تخاريف عن عبد الناصر، كان يقول لي: "إذا لم يكن هذا الكلام صحيحا لماذا لا يرفع أولاد عبد الناصر قضية"، وهو نفس الرد الذي وجهته له حين حكم بكذب ما نشره محمد عباس في كتابه عن محمود جامع، وأعتقد أن من يلجأ إلى ترديد هذه الحجة لم يسبق له التعامل مع بطء وتعقيدات النظام القضائي المصري، ويتصور أن تقديم بلاغ ضد كتاب أو صحيفة، سيؤدي إلى صدور حكم سريع بإنصاف مقدم البلاغ، بينما يمكن أن يتم نظر القضية لسنوات في ساحات القضاء، وأحيانا يصدر الحكم بعد موت الشاكي، أو على الأقل هذا ما كان يحدث في الأيام التي لم يكن فيها إصدار الأحكام القضائية يتم بعد تليفونات يتلقاها القضاة من ضباط الأجهزة السيادية.

كان الدكتور محمود جامع قد تعود على اتهام منتقدي كتابه (عرفت السادات) بأنهم من اليساريين والكارهين للتيارات الإسلامية ومؤيدي عبد الناصر المعروف بعدائه للإسلاميين، ولذلك كان نشري لاتهامات الدكتور محمد عباس له مربكاً، لأن محمد عباس كان وقتها أبرز كتاب صحيفة (الشعب) التي كانت وقتها الصحيفة شبه الرسمية للإسلاميين في مصر، لذلك تجاهل محمود جامع الرد على تلك الاتهامات، وحين توقف إبراهيم سعدة عن الاحتفاء بكتابه، اختفى ذكر الكتاب، حتى عدت إلى إثارة الحديث عنه، حين قمت بعدها بأشهر في مجلة (المصور) بعمل حوار صحفي مع السيدة جيهان السادات، وسألتها عن كثير مما قاله محمود جامع في كتابه، وردت عليه بقوة، يمكن أن ترجع إلى نص ما قالته في الحوار الذي أعدت نشره على حلقات في موقع العربي الجديد عام 2015.

أثار حواري مع جيهان السادات ردود فعل كبيرة كان من أهمها أن الكاتب الكبير محمود السعدني خصص مقاله الأسبوعي في صحيفة (أخبار اليوم) للإشادة بالحوار وبي، واقتبس بعض السطور التي ترد على محمود جامع، موجهاً له بعض الضربات الساخرة من قلمه اللاذع، ومع أن نشر ذلك في (أخبار اليوم) لم يكن على هوى إبراهيم سعدة بوصفه الوحيد الذي احتفى بالكتاب، لكنه لم يكن يجرؤ على التدخل في مقالات محمود السعدني، ومنذ أن نشرت تلك السطور لم أسمع شيئاً عن الدكتور محمود جامع، وإن كنت أرى من حين لآخر من يستشهد ببعض ما جاء في كتابه من روايات عجيبة تمثل نموذجاً بارزاً على الحالة المزرية التي وصلت إليها حرب المذكرات السياسية في مصر، والتي لن تحسم إلا حين ينال المواطن المصري حقه في الاطلاع على الوثائق الرسمية لعهود عبد الناصر والسادات ومبارك، وحينها فقط يمكن أن يبدأ طريق كتابة التاريخ السياسي لمصر في ظل حكم العسكر، وهو طريق طويل ومرير لكنه حتمي ولا غنى عنه إذا رغب المصريون يوماً ما في عدم تكرار أخطاء الماضي.