شهادة غريبة على عصر أغرب (5)

12 يناير 2021
+ الخط -

خلال حديثه عن علاقة أنور السادات بجمال عبد الناصر في الفترة التي كان السادات يعيش فيها في حالة كمون سياسي، يقول محمود جامع في كتابه "عرفت السادات" إنّ السادات كتب مرة مقالاً في صحيفة "الجمهورية" حين كان يرأس تحريرها، ولم يعجب عبد الناصر بما كتبه، وكان وقتها في المصيف، فاتصل بالسادات وعنفه، وسافر السادات لكي يسترضيه في المصيف فوجده جالساً مع ثروت عكاشة، واعتذر لعبد الناصر ووعده ألا يكتب بتلك الطريقة مرة أخرى، وتضايق السادات لأن عبد الناصر لم يقدم له كوب ماء ولم يدعه على الغداء مع ثروت عكاشة وصرفه حزيناً، وبينما يروي محمود جامع أن السادات كان يكره خالد محيي الدين من قلبه، يقول إنّ عبد الناصر في إحدى زياراته لصحيفة "الأهرام" نظر إلى خالد محيي الدين أمام جميع الكتاب والصحافيين الذين كان من بينهم توفيق الحكيم وقال له ساخراً: "عندك كام فدان جناين في كفر شكر يا زعيم الشيوعيين"، ومع أن محمود جامع نشر هذه الواقعة خلال حياة خالد محيي الدين إلا أن الأخير لم يعلق عليها.

في موضع آخر يروي محمود جامع أن السادات قال له إن عبد الناصر كان لا يحب أن يعرف أحد حقيقة حالته المرضيّة، وكان يحرص على أن يكون أطباؤه من السوفييت الذين كانوا ينصحونه بشرب الفودكا لتوسيع الشرايين، ويعطونه أدوية مجهولة الهوية وليس لها فائدة كبيرة، وهو ما جعل السادات ذات مرة يأخذ إلى عبد الناصر طبيباً نمساوياً ماهراً، فثار عبد الناصر واتهم من حوله بأنهم يريدون أن يرثوه حياً، وأنه بصحة جيدة وليس في حاجة إلى طب أو طبيب، وهي رواية يدعم بها محمود جامع صورة عبد الناصر الغضوب الحقود الذي يصفه جامع بأنه كان مليئاً بالحقد الدفين على العائلات الكبيرة والثرية وأن هذه كانت عقدة حياته طوال أيام حكمه.

واقعة مراحيم أخرى يرويها محمود جامع قائلاً إنه سأل السادات في جلسة هادئة عما إذا كان المشير عامر قد انتحر فعلاً كما قيل، "ففوجئت بأن لون وجه السادات قد تغير، وساد صمت لفترة قصيرة بيننا ولم ينطق السادات بكلمة واحدة فقلت له: يكفيني هذا ويكفي صمتك ردّاً على سؤالي". لكنه في موضع آخر يروي واقعة مضحكة ينسبها إلى السادات الذي روى له أن المشير عبد الحكيم عامر كان مسافراً في رحلة رسمية إلى فرنسا بصفته نائباً لرئيس الجمهورية، وكان سيصحبه فيها شمس بدران وعلي شفيق، وأثناء مراسم توديعه في المطار فوجئ المشير ببعض أهالي بلدته من محافظة المنيا وقد جاؤوا لتوديعه، فصحبهم معه إلى الطائرة ليشاهدوها من الداخل، وفوجئ الجميع بأنهم رفضوا النزول منها وصمموا على السفر مع المشير إلى فرنسا، وأمر المشير بأن يسافروا معه، ولم يكن معهم جوازات سفر أو ملابس أو نقود، وفوجئت السفارة المصرية بباريس وسلطات البروتوكول الفرنسية بالضيوف الجدد الذين تم عمل إجراءات استثنائية وسريعة لهم، ودفعت النفقات من حقيبة مليئة بالدولارات كان يحملها علي شفيق سكرتير المشير.

وبرغم السمعة التي حاول السادات اكتسابها بعد وصوله إلى الرئاسة بوصفه نصير القضاء والعدالة الأول في البلاد، إلا أن محمود جامع يعترف بالدور الذي لعبه السادات في حدوث مذبحة القضاء الشهيرة خلال عهد عبد الناصر، ويقول إن السادات نفسه لم ينكر دوره فيها، حيث كان رئيس اللجنة التي أوصت بالأسماء التي فصلت من القضاء، وحين فاتحه محمود جامع في هذه القضية خلال ركوبه معه في طائرة حربية لزيارة مرسى مطروح وكان معهما الدكتور هاشم نصار عميد كلية طب الإسكندرية ومحافظ الإسكندرية نعيم أبو طالب، قال له السادات غاضباً ومبرراً إن معظم رجال القضاء الذين شملتهم المذبحة كانوا من أعضاء الأحزاب المنحلة قبل الثورة "وهم ثورة مضادة"، وأن القاضيين ممتاز نصار ويحيى الرفاعي وزعا بيان نادي القضاة المعارض لإجراءات عبد الناصر على السفارات الأجنبية، وأن عبد الناصر قال لزملائه في مجلس قيادة الثورة إن ممتاز نصار يريد أن يكون رئيساً للجمهورية ويحيى الرفاعي يريد أن يكون رئيساً للوزراء.

بعد أن انتهى محمود جامع من رواية حكاياته عن عبد الناصر والسادات، أفرد جزءاً من الكتاب للحديث عن كيفية التخلص من الإرهاب، ملقياً اللوم على الدولة في عهد مبارك لأنها تضع جميع التيارات الإسلامية في قائمة واحدة

لكن محمود جامع في موضع آخر من كتابه الحافل بالتناقضات يتهم سامي شرف مدير مكتب جمال عبد الناصر بتدبير "مذبحة القضاء" وتجنيد مجموعة من ضعاف النفوس من رجال القضاء الذين يقومون بكتابة تقارير عن زملائهم ويتقاضون مبالغ مالية من سامي شرف للوشاية بزملائهم، ويذكر من هؤلاء تحديداً "المستشار الجندي" ـ لم يذكر الاسم كاملاً ـ الذي يتهمه بأنه باع مبادئه بثمن بخس لسامي شرف، لكنه يخاصم ذلك الحذر والتحفظ حين يتهم سامي شرف وصلاح نصر وشعراوي جمعة وعلي صبري بتقاضي مرتبات شهرية من المخابرات السوفيتية نظير تعاونهم مع الاتحاد السوفيتي، ولا يكتفي بذلك فيقرر التصعيد ويقول إن عبد الناصر نفسه عرض على الاتحاد السوفيتي أن يقلب مصر إلى دولة شيوعية بالكامل لكن قيادات السوفييت وعلى رأسهم نيكولاي بودجورني رفضوا خوفاً من المصاريف، دون أن يقول لنا جامع أين كان وقت العرض والرفض؟ هل كان جالساً تحت ترابيزة الاجتماعات أم مختبئاً في جيب بودجورني الذي رفض هذا الطلب الذي لم يورده جميع مؤرخي الفترة الناصرية أياً كانت مواقفهم منها؟.

استفزني ما قرأته في كتاب "عرفت السادات" فاتصلت بسامي شرف مدير مكتب عبد الناصر سابقاً، وطلبت منه أن يرد على اتهامات محمود جامع وحكاياته العجيبة فقال لي بحدة: "لن أرد على كتاب يمتلئ بالتخريف من الجلدة للجلدة، هذا كتاب الرد عليه غير وارد لأنك لو رددت عليه ستعطيه قيمة ودعاية والأفضل أن تتجاهله تماماً، كما أن ما زادني اقتناعاً بألا أرد عليه أن الذين قاموا بالدعاية للكتاب أناس مواقفهم وسيرتهم مشبوهة ومفضوحة للجميع، وكل ما يريدونه هو هدم جمال عبد الناصر وتشويه سيرته، وهو ما لن يتحقق لهم أبداً، والأجيال الجديدة بخير ولن تتأثر بهذه التخاريف"، وكان بالطبع يشير إلى احتفاء صحيفة "أخبار اليوم" ورئيس تحريرها إبراهيم سعدة بكتاب محمود جامع، والذي لم يكن غريباً ليس فقط لكراهية إبراهيم سعدة لعبد الناصر، بل لأن محمود جامع روى في الكتاب قصصاً عن إعجاب السادات بإبراهيم سعدة وكيف أن السادات ضرب موسى صبري بإبراهيم سعدة الذي قال إنه كان يتمتع بتقدير كبير من السادات، ولم ينس محمود جامع في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه أن يشكر إبراهيم سعدة بوصفه كان القلم الأبرز الذي احتفى بشهادته الغريبة المليئة بالثغرات والتناقضات. 

بعد أن انتهى محمود جامع من رواية حكاياته عن عبد الناصر والسادات، أفرد جزءاً من الكتاب للحديث عن كيفية التخلص من الإرهاب، ملقياً اللوم على الدولة في عهد مبارك لأنها تضع جميع التيارات الإسلامية في قائمة واحدة، بعكس ما فعله السادات الذي كان حسب تعبيره قادراً على أن "يفرق بين الصالح والطالح من أفراد الإخوان والجماعات الإسلامية ولم يكن يتورط في خطيئة وضع الكل في مربع واحد"، متناسياً أن السادات قام بوضع كل رموز التيارات الإسلامية في السجون، لدرجة أنه وصف الشيخ المحلاوي بأنه "مرمي في السجن زي الكلب".

وفي الوقت الذي كان الكثير من الكتاب والمفكرين يتهمون نظام مبارك بمغازلة الإسلاميين وإعطائه مساحات كبيرة من الحركة في المساجد والجامعات والجمعيات الخيرية، اتهم محمود جامع في كتابه النظام بالحساسية الزائدة من كل ما هو إسلامي، مستدلاً بواقعة هامشية للإذاعة نادية صالح التي استضافت مرة الدكتور أحمد كمال أبو المجد ووصفته بالمفكر الإسلامي ثم تراجعت ووصفته بالمفكر الإنساني، قائلاً إنه حتى في أيام عبد الناصر كان بإمكان أديب إخواني مثل نجيب الكيلاني أن يفوز بجائزة الدولة في القصة، مع أنه في مواضع أخرى من الكتاب تحدث عن عداء عبد الناصر للإسلام والإسلاميين، لكنه نسي ذلك في خضم الروح الوعظية التي تلبسته، وحين تحدث عن أسباب انتشار الإرهاب كتب قائلاً: "ما الذي تتوقعه من شباب لا يعمل ولا يجد قوت يومه عندما يقرأ يوماً في الصحف أن عادل إمام قد دفع 400 جنيه ثمن وجبة عشاء فاخرة لكلب يملكه في أحد الفنادق"، مشيراً إلى خبر نشر منذ سنوات في "مجلة أكتوبر" عن تناول كلب عادل إمام لوجبة حمام بـ400 جنيه، وهو خبر تم تكذيبه في العدد التالي مباشرة، بعد أن أرسل عادل إمام رداً إلى المجلة ينفي فيه الخبر الذي تعامل معه عادل إمام بسخرية، قائلاً إن الكلاب لا تأكل الحمام أصلاً، وأنه لم يمتلك كلباً في حياته إلا حين أهداه السادات كلباً تسبب له ولأسرته في ارتباك شديد واضطر للتخلص منه.

أذكر أنني بعد أن نشرت هذا الكلام عاتبني الفنان الكبير عادل إمام وقال لي إنه كان يتمنى أن أتجاهل هذه الواقعة المكذوبة لأن إعادة نشرها ستعيد التذكير بها، بعد أن بذل مجهوداً كبيراً في نفيها وهو ما اختلفت فيه معه وقلت له إن السكوت على إشارة محمود جامع إليها هو الذي قد يمنحها مصداقية لا تستحقها.

أذكر أيضاً أن الرقابة على المطبوعات التي كانت صحيفة "الجيل" تعرض عليها وتأخذ منها تصريحاً قبل طبعها في مؤسسة "الأهرام" كانت قد اعترضت على بعض الفقرات التي تحدثت فيها عن انتقادات محمود جامع لطريقة تعامل الدولة مع الجماعات الإرهابية التي كانت عملياتها قد وصلت إلى ذروتها بعد مذبحة الأقصر البشعة، وبعد أخذ ورد تمت إجازة النشر بعد أن كتبت هذه الفقرة التي اجتهدت في صياغتها بشكل كبير وقلت فيها: "إننا نتفق مع الدكتور جامع على أن المواجهات الأمنية مع العنف ليست هي الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى وأد العنف واقتلاعه من جذوره، لكننا نختلف معه في أن الحوار الهادئ بالحجة والبينة هو الحل مع العنف، لأن الحوار يكون مع من يؤمن به، أما الذين يرفعون السلاح على الآمنين ويتلقون ملايين الدولارات من الخارج ليبقروا بطون السياح باسم الإسلام فهؤلاء لا حوار معهم ولا حجة، إلا إذا ألقوا أسلحتهم وتابوا عن جرائمهم. إن المواجهة الأمنية هي الحل الناجع مع هؤلاء القتلة، أما الحوار فيكون مع الذين يلتزمون به ويؤمنون بجدواه، نعم نحن نؤمن أن حل مشكلة التطرف يكون بفتح أبواب الحرية على مصراعيها وأن يشعر المواطن بأن بلاده تحبه فيحبها وأن تختفي كل أشكال الظلم والزيف والنفاق وأن يأخذ الشباب حقه وفرصته في هذا البلد، أما الإرهابيون الذين يسعون في الأرض فساداً والذين يريد منا محمود جامع أن نحاورهم، فليس لهم طبقاً للشريعة الإسلامية التي ينادي بتطبيقها إلا أن يُقتلوا أو يُصلّبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف"، ثم ختمت ما كتبته بقولي: "على أي حال لن يؤثر فيك كلام محمود جامع ولا رواياته المنسوبة إلى مراحيم إذا آمنت وأيقنت بأن الغرض مرض فعلاً".

بالطبع، لم يعجب الدكتور محمود جامع بما كتبته عن كتابه، وأرسل لي أكثر من رسالة عبر صديقة تقيم في طنطا يعبر فيها عن خيبة أمله لأنه لم يتصور أنني ناصري، خاصة وقد قرأ لي من قبل في صحيفة "الدستور" موضوعات أنتقد فيها سياسات عبد الناصر، ولم أستغرب مما قاله محمود جامع الذي يظن أن الاختلاف مع عبد الناصر يعني استباحة سمعته وذمته بالشكل الذي فعله في كتابه بشكل ينافي الأخلاق، فضلاً عن منافاته للمنطق السليم الذي يستلزم وجود قراءة عقلانية وعادلة لسياسات عبد الناصر والسادات بشكل يختلف عن أسلوب التشجيع الكروي الذي لا يليق بمن قرر أن يتصدى لكتابة شهادة أمينة على عصر عاشه واقترب من ساسته.

ثم حدث بعدها تطور جديد وغريب سأحدثك به غداً في ختام حديثي عن هذه الشهادة الغريبة على ذلك العصر الأغرب.