سيرة عبد الله سيتامبوسيبل (1)

سيرة عبد الله سيتامبوسيبل (1)

14 نوفمبر 2021
+ الخط -

عرفت عبد الله محمد الشهير بـ "عبد الله سيتامبوسيبل" في وقت كنت أظن فيه، وبعض الظن إثم، أن التصدع الدائم والانهيار المتوالي في الحياة شرط أساسي لكي يكون الإنسان مثقفًا.

عبد الله البالغ بشق الأنفس 24 عاماً، والحي الذي لا يُرزق بحي شبرا الخيمة، كان واحدًا من المعلمين العظام الذين تعلمت منهم أن الرجل الحقيقي هو الذي لا ينخ للحياة ولا يطاطي لها، كان لديَّ أحزان حياتية بعضها حقيقي وبعضها وجودي، لكنني عندما عرفت عبد الله وعايشت أحزانه التي تُخربِق الجبال الرواسي، توقفت منذ لحظتها عن التصدع والانهيار وأدركت أنني لن أكون شاعرا أبدًا، وأن الشعر مش بالعافية، ومن ساعتها وكلما واجهت همًّا أو أزمة أتذكر وجه عبد الله "السُفيِّف" وهو يذكرني بجملته الفلسفية المركزية: «مطرح ما ترسي دُقّ لها.. لحد ما هي تدُقّك».

عندما عرفت عبد الله قبل سبعة أعوام، كنت صحفيًّا يشار إليه بالبنان في زمن كثرت الإشارة للصحفيين فيه بالوسطى، كنت آخذ مرتبًا يبلغ على ضآلته ستة أضعاف ما يقبضه عبد الله الذي كان يقبض مئة وخمسين جنيها في هيئة السكة الحديد، سألته مرة: «إنت بتشتغل إيه في السكة الحديد يا عبد الله؟» فقال لي: «مش عارف بس بيشكروا فيَّ في الشغل».

كثيرًا ما حمدت لعبد الله أنني على سوء ظروفه المادية، لم أضبطه يومًا متلبسًا بالاستلاف مني، كان لديه حرص أزلي على أن يؤكد لي أنه ليس بحاجة أبدًا إليَّ، بل ظل سنوات يحاول إقناعي بالتدخين: «عشان نعرف نعزم عليك بواحدة كوكو الضعيف»، كان يريد طيلة الوقت أن يشعرني بأنه موجود، حاولت كثيرًا أن أفسد عبد الله بجعله يدمن القراءة ونجحت، لكن عبد الله كان مؤصّلًا، فلم تؤثر فيه الكتب التي قرأها، مع أنني تعمدت أن أعطيه كتبًا كانت ستحوله لا محالة إلى إنسان مخوخ مثلي ومثل كل من قرأها، لكنه وبرغم قراءته لها ظل لريب الدهر لا يتصدع، حاولت يومًا ما أن أحصل منه على تفسير فقال لي: «بص يا عم مشكلتك في الحياة إنك اتولدت لقيت في بيتكو تلاجة»، ثم هز رأسه وسكت، بدا التفسير لي مقنعًا، لكنه أصابني بتشاؤم شديد عندما أدركت أن أبنائي من بعدي سيصابون بنفس تخوخي النفسي لأنهم بالتأكيد سيولدون في بيت به ثلاجة.

في يوم فَلَسٍ عظيم، منعت نفسي بصعوبة من أن أحقق لعبد الله انتصارًا تاريخيًّا بجعله يُسلِّفني قرشين، أو 200 قرش بمعنى أصح، ولكي أغلوش على رغبتي المحمومة في السَلَف سألته غاضبًا: «يا عم إنت ازاي عايش حياتك ومقضيها بمرتب 150 جنيه بس.. وأنا اللي باخد قدك ست مرات مش قادر أعيش؟ هي فلوسي حلال وفلوسك حرام؟ ولّا تكونش بتسرق، ولّا بتتاجر في المخدرات؟ ما تفهمني إنت إيه بالضبط؟»، كان سؤالي اقتصاديًّا إمبيريقيًّا بحتًا لكنه قَلَب بجد ونكد وقلّب المواجع كلها على عبد الله، قال لي: «ياااه..

تخيل دي أول مرة حد يسألني إنت إيه بالضبط.. الله يسامحك»، وأخذ عبد الله يقول كلامًا أفزعني وأطار صوابي، فطلبت منه أن يتمهل ويتخيل أنه يدلي بشهادة عن نفسه، يكون دوري أن أوصلها للناس لكي يعرفوا أنه كان على هذه الأرض واحد اسمه عبد الله كان أرجل بكثير من عبيد آخرين لله، لعب الموضوع في دماغ عبد الله وبدأ يفكر في عنوان، مقترحًا عنوانًا مبدئيًّا «كفاحي يا ولاد الوسخة»، أخذته على قد عقله، لكنه أدرك أنني أشتغله حتى يبدأ في الحكي، ولذلك قال لي: «بص أنا قررت أن أسمي شهادتي سيتا أومباسيبل».

كان عبد الله قد سمع هذه الكلمة من سائحة فرنسية، تكاثر عليها أبناء مصر البررة في محطة مصر ليروها حفاوة واحتضان أولاد البلد، وكانت تصرخ مرددة: «سيتا أومباسيبل» وهي تحاول الهروب منهم، أعجبت الكلمة عبد الله وخَيّشت معه، فكلفني بالسؤال عن معناها، وعندما قلت له إنها تعني «مش ممكن أو مش معقول» فرح بالجملة فرحة الناجي أكثم وهو خارج من أنقاض عمارة هليوبوليس، فاتخذها لسان حال له يخاطب بها كل من حوله، حتى صار اسمه في المنطقة عبد الله سيتا أومباسيبل. لم يكن مهمًّا بالنسبة لي أن يكون اسم شهادة عبد الله ما يكون، كان المهم أن أسجلها للتاريخ وكفى، كنت أريد أن أنتزع من عبد الله شهادة على حاله وحال أقرانه من السكان الأصليين لمصر، شهادة أنقلها لكم وعهد الله دون حذف ولا إضافة ولا تعديل، وعشان الواحد يراعي ربنا، فقط حذفت بعض الشتائم والقباحات الصريحة التي يمكن لك تخيلها، مكتفيًا بالقباحات اللا صريحة، ومضيفًا بعض الأخطاء الإملائية والنحوية من أجل تحقيق وحدة النص.

يقول عبد الله سيتا التائه في شهادته يخاطبك عزيزي الساكن غير الأصلي لمصر:

«بص يا عم انت يا اللي بتقرا للجدع حبيبي بلال فضل، صباح الفل، أعلم أنك لا تعرفني مع أنك تعرفني أشد المعرفة، ممكن أكون أخوك أو أخو صديقك أو ابنك أو ابن الجيران أو ابن كلب خبطك في كتفك وانت معدي أو غشك في لم الأجرة في الميكروباص أو حك عربيتك بعجلته أو بص على حريمك بصة وحشة، يعني المهم أنك تعرفني وأنت لا تعرفني. لكيلا أطيل في كلامي الذي قد تظنه ألغازًا، دعني أبدأ معك من الصفر أو من تحت الصفر، فذلك أصدق وصف لما أعيشه الآن. أبدأ حكايتي من بعد أن أخذت «الدَبلون» يا فرحتي من شيء اسمه المعهد الفني التجاري، لا يعلم أحد حتى حسني مبارك أنه موجود على أرض مصر، بعد التخرج قضيت سنتين بين الجلوس على المقاهي والعمل فيها والبحث عن الفلوس بأي شكل وبأي شغل، المهم حوشت قرشين، جت الخدمة العسكرية، وبعد ما خلصت الجيش وقبل أن أقضي أعوامًا جديدة من البطالة وبمساعدة واحد قريبي استلمت وظيفة حكومية وأصبحت «موظف ميري مربوط على الدرجة الرابعة»، أساسي المرتب 98 جنيه ونصف، وعلى رأي ريتا الشريرة في حلقات (باور رينجرز) وهي تقول: «فليتضخم الوحش» قعدت أصيح: «فليتضخم المرتب». وبعد طول المرمطة وصل إلى 150جنيه بالعلاوات والحوافز والواسطة، اللي هي الوساطة مش الواسطة بتاعة سوهاج (هذا الإفيه أصر عبد الله على الاحتفاظ به في شهادته ولما قلت له إنه إفيه بيض، قال لي هي كانت شهادة أمك يا أخي، ولمنع انهيار المشروع وافقت على الإبقاء عليه).

عندما عرفت أنني سآخذ 150 جنيه مرة واحدة صرخت بعزم ما فيَّ: يا للهول، إذًا سألعب بالفلوس لعب، لتذهب السجائر الفرط إلى الجحيم وأهلًا بالعلب البوكس، ومع أول قبض متين احتفلت مع أصدقائي فشربنا قزازة بيريل وأكلنا سندوتش شاورمة مضروب وسندوتش بطاطس بوريك وطرشي وحبسنا باتنين شاي وواحد

قهوة ع الريحة وربع جنيه لعمر القهوجي وعلبة سجائر للواد وليد صديقي الذي يعتبرني ثريًا لأنه من مشنوقي الدخل بينما هو يتصور أنني من محدودي الدخل أو على الأصح هو لا يعلم شيئًا حتى الآن عن معنى «دخل»، ليلة احتفاليتنا التاريخية طيرت عشرة جنيه وأنا في غاية الانشكاح، اكتشفت فجأة إن فاضل معايا 140 جنيه، المهم إني باقبض مرتبي يوم 20 من كل شهر، يعني أنا الوحيد اللي لا باقبض في أول الشهر ولا في آخره، وبرضه أنا الوحيد اللي يفلس في أول الشهر وتنشط عندي الغدة السُّلَفية ـ لأنني سلفي بالمناسبة مع الاعتذار للدكتور سيد القمني اللي بيشتم دايمًا أصحاب التفكير السلفي مش عارف ليه ـ الإفيه السابق إذا كان إفيهًا فعلًا هو من آثار الثقافة اللي جت على كبر لعبد الله والتي أضرب نفسي بالجزمة لتسببي فيها.

ـ نسيت أن أقول لكم إن عبد الله أصر هنا على أن يفتح قوسًا ليقول فيه «لمن لا يعلم الغدة السلفية غدة تبدأ عملها في أوقات متباينة عند أمثالي من محدودي الدخل المعدوم» ـ

....

نكمل غداً بإذن الله.