سيرة العقل والجنون (5)

21 نوفمبر 2020
+ الخط -

ذكرتُ للأصدقاء في سهرة الإمتاع والمؤانسة أن الفتى المجنون "فريد ابن أبو خلّو"، منذ اليوم الأول لدوامه بصفة تلميذ في الصف الأول، تسببَ لمدير المدرسة الأستاذ علاء بمشكلة جدية جعلته يقف أمامها حائراً.

أبو محمد: يا فتاح يا عليم. مشكلة من أول يوم؟

أبو المراديس: طبعاً، لكان بدك فريد يمضيها على خير؟ بس يكون بعلمك إن المشكلة اللي صارت ظريفة، ونادرة. يا سيدي، معلم الصف الأول الأستاذ عبد الله سحب التلميذ المعجزة فريد من إيده، ومشي فيه لغرفة الإدارة، وقال للأستاذ علاء:

- أناشدك بالله وإيدي على راسك تقلي من وين جبت لنا هالزبون؟..

علاء شاف منظر فريد وهوي لابس شنتيان، وداكك في رجليه جاروخ ديري، وطوله قريب من طول الأستاذ عبد الله، فابتسمْ غصباً عنه، وقال للأستاذ عبد الله:

- خير ان شاء الله؟ أيش عامل فريد أفندي؟

كان عبد الله متضايق ومعصب كتير، منشان هيك ما استجاب للدعابة، وحكى لعلاء إنه هالولد الغليظ اللي اسمه فريد عم يستغل الفرصة لما المعلم بيندار عَ السبورة حتى يكتب رؤوس أقلام توضيحية، وبيوقف، وبيمشي في الممرات بين المقاعد وهوي عم يطش بالجاروخ على طريقة الزعران. يا أستاذ علاء، أنا التفتت، لقيته عم يمشي وعم يعمل حركات بإيديه وتمّه ومنخاره، والتلاميذ فارطين من الضحك..  

علاء: يا سلام. الظاهر بلشت في مدرستنا الكوميديا! دخلك، ما فهمت منه ليش عم يعمل هيك؟

عبد الله: سألته عن السبب صار (يتلغبص) بالحكي، مرة يقلي عم أهوي رجليّ، ومرة بيقول عنده توصيلة طحين ع الفرن، آخر شي قال لي عم قيس الصف بالفشخة. قلت له: ليش عم تقيسه؟ قال لي بدي خلي أبوي يعمر لي صف متله، لأني أنا كتير بحب العلم. تصور، هالطشنة هاد قال بيحب العلم!

ضحك الحاضرون في جلسة الإمتاع والمؤانسة بصفاء.

أبو المراديس: في هاي اللحظة شعر الأستاذ علاء بأنه (أكَلْ كمّ) لما قبل الولد المجنون فريد في المدرسة. ومع أنه الموقف مضحك، تمالكْ نفسه وقال للمعلم عبد الله:

- طيب أستاذ، اتركلي فريد هون، وروح أنت على صفك.

وقع الأستاذ علاء في مأزق. فمع أن رائحة الكذب كانت تفوح من هذه الحكاية إلا أن قسمات الفتى فريد وهو يرويها كانت تدل على براءة استثنائية

ونادى للآذِن وطلب منه يبقى بالغرفة، وإذا حدا سأله عنه يقول له إنه المدير طلع بمشوار ضروري. وطلب من فريد يمشي معه، وأخده وراحوا على بيت "أبو خلو".. في الطريق فكر علاء يصارح أبو خلو بأنه إبنه ما بيمشي حاله في المدرسة. لكن السيد فريد، بالخبث الفطري اللي بيتمتع فيه قدر يفتل راسه باتجاه تاني.

حنان: الظاهر إنه المدير علاء واحد خَيْلة. المفروض فيه يطرد فريد من المدرسة وبتنتهي القصة.

أبو المراديس: الأستاذ علاء بالأصل شخص ظريف ومولع بالضحك والمقالب، ولما شاف المعلم عبد الله متلبك ومقهور من فريد، ولاحظ كيف مرتسمة علامات البلاهة على وجه فريد، صار قلبه من جوه يضحك، ولولا خشيته من إن عبد الله يزعل منه كان انفلت بالضحك بحضوره.. وفي الطريق، لما عرف فريد إن علاء رايح باتجاه داره، وقف، وقال له:

- طول بالك أستاذ. بدي قلك شغلة.

علاء (بتهكم): تفضل أستاذ فريد. قول.

فريد: إذا كنت رايح لعندنا عالدار منشان تشوف أبوي ما راح تستفيد شي.

علاء: فهمت عليك. يعني أبوك مو هون؟

فريد: أكيد مو هون. الصبح كان بالفلاحة، هلق بيكون وصل ع سَلْقين.

علاء: أف. وليش راح ع سلقين؟ أشو في عنده؟

فريد: رايح يحل مشكلة الخفّ.

علاء: خف للفلاحة؟ ليش أبوك ما عنده خف؟

فريد: عنده خف. كمان أخوي خليل وأخوي أحمد عندهم خف. بصراحة يا أستاذ، الخف إلي.

دهش علاء وقال: بده يفصّل لك خف؟ يعني راح تترك المدرسة وتطلع معهم ع الفلاحة؟

فريد: كلا أستاذ. لما جينا لعندك أنا وأبوي، أنت طلبت منه يشتري لي خف رياضة. صح؟

علاء (ضاحكاً): أنا قلت خفافة رياضة، مو خف.

فريد: نعم أستاذ. بعرف. بس أبوي بوقتها وقع بمشكلة. أخدني معه ع السوق، صار يفتل فيني من قندرجي لقندرجي، ويطلب منهم خفافة رياضة على مقاس رجلي. المشكلة يا أستاذ أن النمر الولادية بتجي زغيرة على رجلي، والرجالية بتجي كبيرة. أبوي انقهر كتير، ولما رجعنا ع البيت حطت أمي عشا وقالت له (تعا كول يا أبو خلو)، قال لها (ما لي نفس).. وحكى لها قصة نمرة رجلي. وصار يقول عن حاله إنه منحوس، لأن النمر بتكون إما ولادي أو رجالي، ما في قياس تالت. بعد شوي دخل لعندنا خالي نبهان، ولما خالي عرف القصة قال لأبوي:

- روح عَ سَلْقين لعند (مَلِكْ المْحَيَّرْ).

وحكى لأبوي عن قندرجي في سلقين بيفصل قنادر للولاد اللي قدامهم كبار متلي. هون أبوي انشرحت نفسه ع الأكل، لأنه انبسط كتير. أكل ست أرغفة، وقال لأمي إنه بكرة بعدما يخلص فلاحة ويسافر ع سلقين منشان يفصل لي قندرة على قد رجلي.

وقع الأستاذ علاء في مأزق. فمع أن رائحة الكذب كانت تفوح من هذه الحكاية إلا أن قسمات الفتى فريد وهو يرويها كانت تدل على براءة استثنائية.

فريد أخرج علاء من الحيرة إذ قال له:

- أستاذ إذا مانك مصدقني تفضل خلينا نروح ع البيت وأنت اسأل أمي، فإذا كنت أنا عم إكذب ارفعني فلقة..

وفجأة انفلت فريد بالضحك، وقال لعلاء:

- أستاذ بقلك شغلة؟

علاء: قول.

فريد: اللي بيكون لابس خفافة رياضة بياخد وقت لبينما يفك الرباطات ويشلحها منشان ينضرب بالفلقة، أما اللي بيكون لابس جاروخ بيكون رفعه فلقة أهون.. يعني هيك أستاذ. (وتخلى عن فردتي الجاروخ واستلقى على الأرض ورفع رجليه إلى الأعلى)!

(للقصة تتمة)