سيرة العقل والجنون (4)

سيرة العقل والجنون (4)

19 نوفمبر 2020
+ الخط -

إضافة إلى الجانب الفكاهي الموجود في شخصية الولد المجنون "فريد إبن أبو خلو" هناك جانب أسطوري. قلنا سابقاً إن والده أطلق عليه اسم "فريد" لأنه أعجب بجمال وجهه يوم ولادته.. كان جميلاً، نعم، ولكن نمو جسمه لم يكن متوقعاً، فحينما أصبح في سن السابعة، وهو السن الذي يدخل فيه الأولاد المدارس، كان حجمه قد تجاوز حجم الجحش بقليل..

أبو المراديس: حكينا في السهرة الماضية عن الحركات الشيطانية اللي كانْ فريد يقوم فيها كنوع من الإغاظة لوالدته المسكينة.. مثلاً، كان يتخبى بشي قرنة من قراني الدار، ويقلد أصوات القطط والكلاب والبقر والقرود حتى يرعبها، ويخليها تزهق من الوضع اللي هن موجودين فيه، واستمر يقوم بهالحركات التافهة إلى أن صار عند أم خلو قناعة تامة بأنه مجنون..

أبو محمد: هوي مجنون فعلاً.. أم خلو مانها غلطانة.

أبو المراديس: طبعاً، أم خلو ما كان عندها شك، وكانت متأملة من زوجها أبو خلو، إنه راح يلجم جنون فريد ويحط حد لحقاراته، لكن لما رجع أبو خلو وولاده من الفلاحة، وقعت الأسرة في التباس غريب، لأن فريد بوقتها ظهر بمظهر الولد العاقل، المحترم، اللي عنده حرص شديد على اكتساب العلم، ومن كتر ما هوي عاقل ومؤدب صار يخاطب أبوه بكلمة نادراً ما يستعملها الولاد في مناطقنا، وهيي كلمة (بابا)! المهم، بعد التشاور بين أبو خلو وزوجته وإبنه خليل وإبنه أحمد، قرروا يسجلوه في المدرسة. وقال أبو خلو لأم خلو:

- وحتى ما نوقع بورطة، أنا بدي آخده لعند ابن حارتنا الأستاذ علاء، هادا مدير مدرسة عمر بن الخطاب اللي في حارتنا، بيني وبين علاء قرابة من جهة الأمهات، بتشاور معه، إذا قال لي يا أبو خلو قَيّدْ إبنك بالمدرسة، بقيده، وإذا قال لي رَجّعه ع الدار برجعه.

الولد المجنون الخبيث فريد كان حابب يروح ع المدرسة بأي شكل من الأشكال، لأن فيها مجال لتفريغ الطاقات البدنية والعصبية الكبيرة اللي بيمتلكها، ولما سمع الحوار بين أمه وأبوه عرف إن مصيره صار مرتبط بقرار مدير المدرسة علاء، منشان هيك، لما أخده أبوه لعند علاء صار يخفض راسه لتحت، وكلما سأله علاء سؤال كان يجاوب عليه بالعبارات اللي كان يسمعها من تلاميذ المدارس اللي سبقوه:

- نعم أستاذ.. كلا أستاذ.. متلما بتؤمر أستاذ.

ولما سأله علاء: مين بتحب أكتر شي في الدنيا يا فريد؟ جاوبه:

- بحب بابا وماما أستاذ!  

علاء: ومعلمينك ورفقاتك؟

فريد: نعم أستاذ، أحِبُّ معلمي ورفاقي وكل الناس.

وافق مدير المدرسة الأستاذ علاء، بحماس، على قبول الولد المطيع المهذب "فريد" في مدرسته، وقال لوالده إن تخوفه من أن تبدر عنه تصرفات طائشة ليس في محله، فهو، ما شاء الله كان، مثل النقطة في المصحف، والمطلوب الآن أن يشتري له حقيبة مدرسية، ودفاتر، وأقلاماً، ومسطرة، وبراية، وممحاة وصدرية لونُها بني كاشف، ويرسله صباح الغد في تمام الثامنة صباحاً، إلى المدرسة. وختم كلامه متمنياً لفريد مستقبلاً جيداً.

في طريق عودة أبو خلو وابنه المهذب فريد إلى المنزل اشترى له حقيبة مستطيلة مصفحة بتنك أصفر، ووضع له بداخلها بعض اللوازم، واشترى قماشاً خاصاً بصداري المدارس من دكان واصل صوان، وفي اليوم التالي أوصى أم خلو بإرساله إلى المدرس، وأما هو، أبو خلو، فقد ذهب، في الصباح الباكر، مع ولديه خليل وأحمد إلى الفلاحة.

كان منظر فريد، خلال ذهابه الصباحي اليومي إلى المدرسة، برفقة أولاد الحارة، يبعث على الضحك.. فهو أطول من الجميع بأكثر من شبرين، يمشي ويهتز قسمه العلوي كما لو أنه هوائي التلفزيون الذي يُزْرَع على أسطحة المنازل لتقوية الإرسال، يرتدي الشروال البلدي وفوقه قميص (ملتان) مفتوح من الأعلى، وفي قدميه ينتعل جاروخاً ديرياً ذا إصبع واحدة، يتقصد حينما يمشي أن يجر فردتيه على الأرض بإيقاع متناوب (أو كما يقول الأهالي: بيطشّ بجاروخه).. وقد ظهرت عليه، منذ اليوم الأول للذهاب إلى المدرسة علائم خفة الدم (اللهم عافينا)، فكان يهمر، أثناء المشي، كما لو أنه ضبع، ثم يلتفت نحو الولد الماشي بجواره ويقول له:

- لا تخاف ولاك. الضبع لما بيشوفني ماشي معك ما بيسترجي ياكلك. وينفلت بالضحك، ثم يستخدم حرف الكاف للتوقف، كما لو أنه سيارة مسرعة تستخدم الفرامل عندما يريد السائق إيقافها، فيقول: هيهي هيهي هيهي.. كك. ككّ. وفي الآخر يقول (فش).   

عند الباب الخارجي للمدرسة يتوقف، ويقول للتلاميذ:

- هون حفرنا وهون طمرنا. بعرض أختي نذيرة اللي بيخبر الأستاذ إني عم بمزح معكم بقص راسه.

في اليوم الأول لدوام فريد في المدرسة تسبب للأستاذ علاء بمشكلة صعبة. إذ بينما كان علاء يرتب بعض أوراقه في غرفة الإدارة، دخل عليه الأستاذ معلم الصف الأول عبد الله مصطحباً معه فريد.

قال: خير؟

وقف عبد الله بجوار فريد الذي يضارعه في طول القامة، وراح يشرح عليه كما لو أنه "وسيلة إيضاح"، قال:

- بربك يا أستاذ علاء هادا موديل تلميذ صف أول؟ أول شي جاي بدون صدرية، وتاني شي لابس شنتيان، والشنتيان مشقوق من تحت، وحضرته فريد عاجبته هالشغلة، كل شوي بيعمل تهوية! وعواض ما يلبس صباط أو بوط رياضة أو ع الأقل شحاط مسكَّر، لابس جاروخ ديري، وإنت بتعرف شلون بيمشي القبضايات المنافيخ وبيشحطوا رجليهم بالأرض؟ السيد فريد طول الدرس بيتفتل بأرض الصف وبيشحّط برجليه؟ بقي عندي سؤال واحد يا أستاذ علاء، وبترجاك تجاوبني عليه بصراحة؟

كانت مشاعر متناقضة تتناوب في الارتسام على وجه المدير علاء: زَعَل، ندم، حزن، استطراف، ضحك.. قال:

- بجاوبك بصراحة طبعاً. تفضل اسألني.

عبد الله:

- ببوس إيدك تقلي، وين لقيت هالزبون وجبت لنا إياه ع المدرسة؟!

خطيب بدلة
خطيب بدلة
قاص وسيناريست وصحفي سوري، له 22 كتاباً مطبوعاً وأعمال تلفزيونية وإذاعية عديدة؛ المشرف على مدوّنة " إمتاع ومؤانسة"... كما يعرف بنفسه: كاتب عادي، يسعى، منذ أربعين عاماً، أن يكتسب شيئاً من الأهمية. أصدر، لأجل ذلك كتباً، وألف تمثيليات تلفزيونية وإذاعية، وكتب المئات من المقالات الصحفية، دون جدوى...