سيرة العقل والجنون (31)

19 يناير 2021
+ الخط -

الحكايات التي يرويها أبو الجود في سهرة "الإمتاع والمؤانسة" لم تبعث في نفوس الأصدقاء الساهرين أي ملل، بل إن العكس صحيح؛ فقد تشوقوا أكثر عندما عرفوا أن الفتى خالد، الملقب "أبو الدك"، سيذهب مع والدته لخطبة الفتاة "عفراء" ابنة مدير الناحية، لا سيما أن أم خالد اشترطت عليه أن تصارح أهل عفراء بكل شيء.

حنان: بتصارحهم بكل شي إذا سمحوا لها تدخل هي وأبو الدكّ لعندهم.. أنا بتوقع يطردوهم من الباب.

أبو الجود: كلامك مظبوط ست حنان، لو واحد غير أبو عمر كان ممكن يطردهم يكسر خاطرهم فعلاً، لكن هالرجل، متلما قلت لكم من قبل، كويس كتير، وزوجته أم عمر كمان آدمية، استقبلت أم خالد بشكل كويس، وسمعت منها الشي اللي كانت حابة تقوله. قالت أم خالد:  زوجي، يا ست أم عمر، ما إله شبيه بالدنيا. مع أنه بخيل (كحتة)، كان بيحبّ يخلّف ولاد كتير، كنا نخلف الولاد ونفلتهم في الزقاق، ولما يصير وقت المدرسة كان يوافق يدخلوا المدرسة لأنها ببلاش، لكن إذا الولد بيموت من القهر ما بيعطيه ربع ليرة يشتري فيها دفتر، كانت المدرسة تعطيهم دفاتر وقلام من حصة التعاون، وإذا تخ قميص الولد ما بيشتري له قميص، وأنا ما إلي شغلة غير أخيّط رقع لتياب الولاد لما بتتمزق.. أنا مو من قرية البلاطة، نحن من قرية بعيدة اسمها "البرج"، كان عندنا واحد في قريتنا اسمه الحاج عبدو، عنده عشر ولاد، ومع هيك لما واحد من ولاده بيسخن بيستنفر، بيستأجر سيارة وبياخد الولد السخنان ع الدكتور في إدلب أو معرتصرين، وبيجيب الدوا وبيرجع، وبيكتب ع الورقة المواعيد، وكلما صار الموعد يجيب الملعقة ويشربه الدوا بإيده. زوجي أبو خالد، البخل خلاه يصير مجنون، إذا واحد من ولادنا سخن وقلت له (خده ع الدكتور) بيقلي (الله ياخدك وياخده). وإذا ألحيت عليه بيضربني أنا وبيضرب الولد المريض. وإذا قلت له حرام عليك الولد مريض وعم تضربه، بلكي مات؟ بيضحك وبيقلي: منخلف غيره، أنا وإنتي أشو عندنا شغلة غير خلفة الولاد؟..

أبو ابراهيم: يخرب بيته ما أحقره. هادا مو مجنون، هادا ديكتاتور.

خالد تلبك من هالسؤال: أنا؟ آ؟ أي يمكن.. أي كنت معدي من هون بالصدفة وشفتك.. و.. أنا غرضي شريف، جبت أمي وجيت حتى إطلبك من أهلك

أبو زاهر: كلام أبو ابراهيم صحيح مية بالمية. وأنا إذا بتعطوني خمس دقايق بحكي لكم قصة بتأكد كلامه.

كمال: تفضل، عم نسمعك.

أبو زاهر: بعدما انسجنَّا في سجن تدمر، بمدة قصيرة، ما كنا منعرف شي عن طبيعة الإسعافات اللي ممكن تقدم لنا إياها إدارة السجن في حال إذا حدا منا مرض. ومرة، كنا نايمين في المهجع رقم 17، وفجأة صاح صديقنا أبو حمود المعربيوي: آخ. وصار يتألم ويحط إيديه على ظهره. عرفنا منه إنه عنده التهاب كلاوي مزمن. أنا من كتر ما تعرضنا للضرب في هاي الفترة خفت، توقعت إنه راح تصير معنا مشكلة عويصة بسبب أبو حمود. قعدت في طرف المهجع، وصرت أراقب الأحداث. كان معنا بين السجناء طبيب، حاول يعاين أبو حمود بدون أجهزة معاينة، وسأله إذا كانت هالأعراض كانت تجيه من قبل، فقال له نعم، أنا عندي التهاب كلاوي مزمن، ولما بتجيني الأزمة بيعطوني إبرة اسمها ديكلوفيناك، برتاح. واحد من المساجين، اسمه ناصر، سمع الحديث فتحمس وقال (بسيطة، هلق مندق ع المساجين ومنقول لهم يجيبوا له إبرة)، واندفع، وصار يدق بإيديه على باب المهجع ويصيح: يا حراس تعالوا في عندنا مريض.

بعد شوي دخل ع المهجع شي خمس عناصر.. إذا أبو مرداس أو الأستاذ كمال عم يكتبوا قصة وصاروا يبحثوا عن تشبيه إلهم، ما راح يلاقوا أنسب من تشبيههم بالبغال الشموس. البغل الشموس لما بيجن بيصير ينط لفوق وينزل لتحت، وبينهق، وبينطح، وبيرفس، وبيعض.. هدول العناصر تصرفوا معنا بنفس الطريقة، كل واحد منا يجي في طريقهم يلبطوه، والسبب بكل بساطة إني دقينا عليهم الباب ونادينا لهم. وبعد شي خمس دقايق من الترفيس وجه لنا واحد منهم سؤال: شو القصة؟ ليش ناديتوا لنا؟

جاوبهم واحد من المساجين إنه أبو حمود عم يوجعوه الكلاوي، وبده إبرة ديكلوفيناك. سألوه: وين عم يوجعوك الكلاوي بالضبط عمو أبو حمود؟

حط إيده مكان الكلاوي، فقرب منه واحد ثبته، وبقية البغال صاروا يرفسوه مكان الوجع. وقبلما ينصرفوا سألوا عن الشخص اللي دق عليهم الباب، ولما عرفوا إنه هوي "ناصر" صاروا يدوسوا على أصابيعه اللي استعملها في دق الباب بالأرجل.

أبو الجود: المهم يا شباب، أم خالد، بعدما حكت عن جنون زوجها وبخله، قالت: هادا إبني خالد ما في أذكى منه بكل القرية، لو عنده أب متل الناس كان هلق أخد الجامعة، أو صار دكتور، أبوه ما رضي يعطيه تمن مشط يسرّح فيه شعره، لحتى طفش من الدار والناس صاروا يقولوا عنه مجنون. إبني التاني محمود ضربه أبو بالعقال قلع له عينه.

أم عمر: والله يا أم خالد مشكلتكم كبيرة، والحمد لله نحن ما عندنا هيك شي. أنا وأبو عمر خلفنا صبي اسمه عمر وبنت اسمها عفراء، وما إلأنا هم غير يكونوا سعيدين.

أم خالد: الله يخلي لكم ياهن. وهلق أنا وإبني خالد جايين وطالبين القرب منكم. لما إنتوا زرتوا بكار في الضيعة شفناها للمحروسة عفراء، ونزلت في قلبنا، بقى يا ريت تاخدوا وقتكم، تفكروا فيها على مهلكم، ومنرجع بعد كم يوم مناخد الجواب.

أبو عمر اللي كان عم يسمع الحديث قال لأم خالد: أهلا وسهلا فيكم إنتي والأخ خالد. ليش حتى نفكر ونجاوبكم؟ عفراء موجودة خلونا نسمع رأيها هلق. يا عفراء.

دخلت عفراء، سلمت على خالد وأمه وقعدت. ولما خبرها أبو عمر إنه خالد جاية يخطبها ابتسمت وقالت لخالد: مو أنت اللي جيت لهون البارحة؟

خالد تلبك من هالسؤال: أنا؟ آ؟ أي يمكن.. أي كنت معدي من هون بالصدفة وشفتك.. و.. أنا غرضي شريف، جبت أمي وجيت حتى إطلبك من أهلك.

عفراء: إنته بتعرفني من قبل؟

خالد: لأ، بس أنا شفتك وطلعت فيكي و.. وإنتي كمان تطلعتي فيني. صح؟

عفراء: صح. بس أنا ما فهمت، يعني كلما الواحد شاف بنت وتطلع فيها وتطلعت فيه بيخطبها؟.. والله مشكلة.

(للقصة تتمة)