سيرة العقل والجنون (23)

01 يناير 2021
+ الخط -

في سهرة الإمتاع والمؤانسة؛ تابع أبو الجود سرد حكاية الشاب بكار الذي تشاجر مع "أبو خالد"، وضربه بالعصا، مما أدى إلى كسر يده.

قال إن دورية الشرطة التي جاءت إلى القرية من مخفر معرتمصرين حاولت ابتزاز بكار، والحصول منه على رشوة مقابل تركه طليقاً، ولكن بكار كان عنيداً، لم يدفع لهم شيئاً، وفي المحصلة حَرَّروا بحقه ضبطاً، وأحالوه إلى مدير الناحية.

أبو الجود: كان مدير ناحية معرتمصرين في هديك الأيام شخص ظريف، اسمه فاتح، رتبته رائد، بيحب المزح والضحك، ما بيرتشي بمصاري، لكن بيقبل دعوات وعزايم.. أي واحد من وجهاء الناحية بيعزمُه على غدا أو عشا بيلبي الدعوة، وأحياناً هوي بيدعي أصدقاؤه وبيطعميهم على حسابه، باختصار هو رجل (زكرتي).. وبالنسبة لتطبيق القوانين مو متشدد، ودائماً بيحاول يحل المشكلة اللي بتنعرض عليه بالطرق الودية.. وكان هالشي من حسن حظ بكار طبعاً..

تساءل أبو إبراهيم: يعني أطلق سراحه؟

أبو الجود: ما بيقدر يطلق سراحه بسهولة، لأن رئيس المخفر كان كاتب بحق بكار ضبط لئيم، ملخصه إنه بكار قاوم رجال الشرطة وحاول يعرقل عملهم. المهم أنه مدير الناحية، بعدما شرح له رئيس المخفر القصة من أولها لآخرها، قال له: طيب روح أنت على شغلك.

وطلب من بكار يقعد. بكار كان مضطرب ومعصّب وتعبان. قعد وزفر. قال له الرائد فاتح: نص الألف خمسمية أستاذ. ولا أنت مو أستاذ؟

بكار: لا والله ماني أستاذ، تعلمت للصف التاسع وبطلت.

الرائد فاتح: ماشي. معناها راح أنادي لك أبو..

بكار: أبو كرم.

الرائد فاتح: كنت بدي أقول لك، يا أبو كرم، إنه الشرطة تبعنا تعاملوا معك بطريقة غلط. لما شافوا إنك حابب تنحبس، وتلبس قضية ممكن تتحول لجناية، لازم يتركوك تعمل اللي بده إياه.

بلع بكار ريقه بصعوبة وقال: جناية؟

ناوله الرائد فاتح كأساً من الماء، وقال له:

- والله ع حَسَب الظروف. إذا القاضي آدمي بتروح فيها بس شهرين، وإذا كان متشدد ممكن تصير جناية.. على كل حال أنا بدي أساعدك. وما بدي منك شي. بتريد أساعدك ولا لأ؟

بكار: بتمنى تساعدني سيادة الرائد.

الرائد فاتح: إذا حابب نكون أنا وأنت أصدقاء نادي لي أبو عمر. قوم، تعال معي.

كان بيت مدير الناحية، في هديك الأيام، متصل مع مكان الشغل، وفي باب بين المكتب والبيت، دخلوا التنين ع البيت، أجت زوجة الرائد، وهي مَرا جميلة، ومو محجبة، سلمت عليهم. قال لها فاتح:

- بعد أمرك حبيبتي أم عمر، بدنا فنجانين قهوة ع الصالون. ويا ريت كمان تحطوا لنا عشا. بحب أعرفك على صديقي الجديد أبو كرم من قرية البَلَّاطة.

المرأة: أهلا وسهلا. تشرفنا.

أبو الجود: بطل قصتنا بكار انصرع في راسه. طول عمره ما شاف ناس أوادم ورايقين متل هدول. واحدة من بنات الرائد، جابت القهوة، سلمت على بكار وضيفته، واستأذنت وطلعت. وقعد فاتح مقابيله وقال له:

- الحياة هون في منطقتكم صعبة، وشو ما عمل الإنسان ما بيخلص من المشاكل. أنا عندي فكرة عن الشي اللي عم تعمله. الشغل تبعك لازم تقوم فيه الدولة، أو جمعيات أهلية.. هدول المجانين، في المحصلة بشر، وأنت عم تحاول تساعدهم، وتعاملهم كبشر، وهادا المحتال أبو خالد منطقياً لازم يتشكرك، بس هوي عمل العكس، طب بلاه عليك وخلاك تكسر له يده.

بكار: أبو خالد خسر ما ربح.

فاتح: كيف ما ربح؟ إنته مفكر راح يتركك بحالك بعدما كسرت له إيده؟

ظهر القلق على بكار: أشو ممكن يعمل؟

فاتح: اشتكى عليك، والقصة تبعه ما راح تنحل لحتى تدفع له مصاري، وإذا ما بتدفع بالحسنى، راح يخليك تدفع بموجب القانون. ولا مفكر القصة سايبة؟

بكار: بس هوي هجم علي في بيتي.

فاتح: مظبوط، بس أنت بهالحالة لازم تلجأ للقانون، وتشتكي عليه وتجيب شهود على أنه هجم عليك وهددك، وبوقتها هوي بينحبس وأنت بتمرق، لكن اللي صار أنك كسرت إيده، وصار عنده عطلة عن العمل.

بكار: عطلة عن العمل؟ بس هادا ما بيشتغل شي، طول النهار بيجلُد ولاده بالبريم (العقال).

فاتح (ممازحاً دون أن يضحك): أنت كسرت له الإيد اللي بيجلد فيها الولاد، يعني عن جد عَطَّلْتُه عن شغله! وهاي العطلة راح تتسبب له بأذى مادي كبير، وبما أنك المتسبب لازم تدفع الضرر اللي ممكن يلحق فيه.

كاد بكار أن ينفلت بالضحك، لأن طريقة فاتح بالمزاح رائعة. قال وهو يبتسم: وأشو نوع الأذى المادي؟

فاتح: ولاد أبو خالد، في الأحوال العادية، جسمهم متعود ع الضرب بالبريم، لما بيتوقف عنهم الضرب ممكن تصير شخصياتهم قوية، ويتجرأوا ويطلبوا من والدهم خرجية، بهالحالة لازم يضربهم، بس إيده مكسورة، لذلك راح يدفع لهم غصباً عنه، وممكن يجي ابنه "أبو الدك" ويحطه تحت الأمر الواقع منشان يتزوج خيرية، والزواج هون في منطقتكم بيكلف مصاري.

التفت أبو الجود نحونا فوجدنا في غاية الإصغاء والاستمتاع بحديثه وطريقته في نقل الحواريات التي جرت بين بكار ومدير الناحية فاتح. قال:

- بصراحة يا شباب أنا ما جبت شي من عندي، ولا كنت موجود لما دار هالحديث، بكار هوي اللي حكي لي. يعني إذا بيكون في إضافات أو مبالغة أنا ما دخلني.

كمال: يا ريت لو في إضافات ومبالغة. المهم الصيغة النهائية للحكاية اللي عم تنقلها إلنا.

أبو محمد: أي، وأشو صار بعدين؟

أبو الجود: الرائد فاتح تبنى القصة من أولها لآخرها. وكان المفتاح السحري للحل هوي إنه يجي أبو خالد من القرية، ويسقط حقه عن بكار. من هون بلشت المرحلة التالية من القصة. فاتح اتصل برئيس المخفر، وقال له: تعال لعندي ع البيت. لما إجا قال له:

- حط بكار في النظارة.

رئيس المخفر: عفواً سيدي، شلون بدي أحطه في النظارة وهوي قاعد معك؟

فاتح: يعني ع الورق. هلق صار شغلكم إنتوا الشرطة كله نظامي؟ اكتوب في الضبط أنه قد تم إلقاء القبض على المتهم بكار كرم الحجي وإيداعه سجن التوقيف إلى حين إحالته إلى حضرة النائب العام.

وهادا اللي صار.

(وبكرة إن شاء الله منكمل السالفة).

دلالات