سياسات التحكّم في أجساد السوريات وأشكال حضورهنّ في الفضاء العامّ

29 يناير 2026
+ الخط -

أثار قرار محافظ اللاذقية منع النساء السوريات من استعمال الزينة في مختلف المؤسسات التابعة للدولة ردات فعل مختلفة تراوحت بين الاستهجان والتنديد والسخرية والفكه والدعم وغيرها. واعتَبر بعضهم أنّ الموضوع ليس جديًّا، فالنقاش على منصّات التواصل الاجتماعي حول الزينة "تافه"، ويمثّل هدرًا للطاقات ومضيعة للوقت في زمن يحاول فيه السوريون والسوريات بناء الدولة الجديدة.

غير أنّ محاولة تحويل قرار التحكّم في أجساد النساء إلى هامش الهامش يعكس، في نظرنا، رغبة في تجريده من البعد السياسي، في سياق فكريّ اعتبر فيه الذاتي، والخاصّ، وكلّ شيء يتعلّق بحيوات النساء سياسيًّا ومهمّّا: كلّ شيء سياسة (All is politics).

لم تُسأل النساء عن وجهات نظرهنّ في سياسات الظهور، وتصوّراتهن لأشكال حضورهن وهيأتهن في الفضاء العامّ، وهو أمر متوقّع، إذ إنّ السلطة تعتبرهن موضوعًا للنقاش، ولسنا ذوات قادرة على صياغة مواقف وتصوّرات تخصّ مواطنتهن وأداءهن في الفضاء العام.. فتلك مسائل يحسم فيها الرجال أصحاب سلطة القرار وفق مُبرّرات متنوّعة. فتصدر الأوامر والقرارات والبيانات تحت ذريعة القيم الاجتماعية والتقاليد والدين والأخلاق والمصلحة العامة والأمن وتحقيق الاستقرار وغيرها، وليس المطلوب من النساء إلا الخضوع والطاعة والانضباط والامتثال والتكيّف، ودخلنة الصور المُنمّطة التي تختزل وجودهن في الجانب المادي.

محاولة لجعل أجساد النساء تحت السيطرة من خلال فرض سياسات التحكّم في الأجساد ومساحات التحديق والإبصار

وبناء على ذلك لا تنظر السلطة إلى النساء إلا بوصفهنّ أجسادًا تغري وتفتن وتثير الرجال، فتلهيهم عن أعمالهم ومسؤولياتهم المُتمثّلة في تدبير الشأن السياسي والعسكري وغير ذلك.

يعكس هذا القرار تواطؤًا واضحًا بين النظام الأبوي والنظام السياسي، فالأوّل حريص على تثبيت التمثّلات الاجتماعية والدينية والرمزية، وترسيخ استراتيجيات الضبط والمراقبة التي تعمل على تنميط النساء وتسييج أدوارهنّ، وتنظيم علاقاتهن وفق المعايير الاجتماعية والحدود الجندرية وغيرها. أمّا الثاني (النظام السياسي) فإنّه يسعى إلى ضبط الهُويّات وإعادة تشكيل الأنوثة/الذكورة وفق الأيديولوجيا التي يتبناها ومصالحه ومخياله.. ولا يكتفي بذلك بل يتسلّل إلى كلّ الأفضية والمساحات في محاولة للسيطرة على كلّ شيء. ولا معنى لهذه الرقابة الشاملة التي تصل إلى حدّ التدخلّ في لون أحمر الشفاه الذي تضعه المرأة، وطول الثوب ولونه إلى غير ذلك من التفاصيل إلّا محاولة لجعل أجساد النساء تحت السيطرة من خلال فرض سياسات التحكّم في الأجساد ومساحات التحديق والإبصار.

إنّ الأنوثة المنشودة التي تسوّق لها السلطة هي أنوثة الانضباط والامتثال، لا أنوثة الاختيار الحرّ النابع من سلطة المرء على نفسه وممارسته الحقّ في التصرّف في جسده واختيار هيأته، ومظهره.. وهي أنوثة غير ثابتة لأنّها تتشكّل وفق سياقات مختلفة اجتماعية واقتصادية وغيرها.

الأنوثة المنشودة التي تسوّق لها السلطة هي أنوثة الانضباط والامتثال لا أنوثة الاختيار الحرّ

تسعى سلطة الضبط إلى تحديد مفهوم الزينة ووظيفتها من منظور أخلاقيّ لا علاقة له بالمعارف الحديثة التي حددّت أبعادًا أخرى للزينة: نفسية واجتماعية واقتصادية وربطتها بثقافة الاستهلاك والتسويق وغيرها، ومعنى هذا أنّ الزينة قد تكون شكلًا من أشكال التعبير، والترميز الهووي، وقد تكون في حالات أخرى علامة دالة على البهجة والسلامة النفسية والرضا عن النفس.

وعندما تضيّق السلطة السياسية مساحات الحريّة وتستعمل الخطاب الردعي والترهيبي (تحت طائلة القانون) وتنتهك الحقوق، فإنّ الزينة تتحوّل إلى أداة للمقاومة وإثبات الذات وانتزاع الحقوق. إنّها ثورة صامتة ضدّ الهيمنة الذكورية وجنسنة أجساد النساء وتشيئها وهي خطاب موّجه أيضًا إلى الأنظمة السياسية القهرية وكلّ بنى الهيمنة.

يذكّرنا هذا القرار بتجارب تاريخية سابقة: عندما قرّر الحاكم بأمر الله التحكّم بطول أثواب النساء وأشكالها، وأخرى معاصرة عندما سعت أنظمة في إيران وأفغانستان إلى تنميط مظهر النساء وتحويلهنّ إلى كتلة منسجمة في خدمة بناء "صورة النظام" وتقييد حرية المرأة في الاختيار. فما الذي حدث؟ لقد أكّدت هذه التجارب أنّ المقاومة هي الخيار الأوحد أمام النساء.