سقوط الإمام... رواية نوال السعداوي المصادرة

22 مارس 2021
+ الخط -

سقوط الإمام هي الرواية التي صادرها مجمع البحوث الإسلامية في مصر المحروسة منذ صدورها وحتى أيامنا، لأن نوال السعداوي انحازت في روايتها إلى إدانة مطلقة لكل صور القمع والعسف تتبدى منذ الإهداء الذي يذهب إلى الإيرانية شهربانو شيراز التي تم اغتصاب طفلتها في السجن، ثم السودانية فاطمة تاج السر، التي قطعت السلطات يد طفلها بتهمة السرقة تحت راية الشريعة ثم كوليت عيتاني اللبنانية، وفاطمة محمود السجينة المصرية التي عايشتها السعداوي في السجن عندما تم القبض عليها في أحداث سبتمبر 1981.

عتبة الرواية مدهشة وغنية فكرياً بكل المقاييس، فعبر عدة جمل شديدة التكثيف لخصت نوال السعداوي موقفها من فكرة الألوهية، حيث الإله بالنسبة إليها ليس تلك الهالة الميتافيزيقية المشعة الرهيبة التي تُرتكَب باسمها المجازر والحروب، ويساق باسمها العبيد إلى المحارق، فالألوهية بالنسبة إلى نوال السعداوي تتواجد في صفاء أرواحنا، في وجوهنا، وأفعالنا، وفي مدى مطابقة نواهي تلك الألوهية لسلوكياتنا اليومية، وتوجهاتنا الفطرية.

الواقع الذي رصدته الرواية، هو نفسه الذي كانت تقاومه الكاتبة وتشهد مجازاته اليومية الثقيلة

يمثل الإمام الشخصية المحورية في الرواية، وحسب تسلسل الأحداث يتمتع بربوبية مطلقة، فهو لا يضعف ولا يموت، ولا يرد له أحد أمراً، ولا ينطق عن الهوى، ترتكب أعتى الفواحش باسم الله وباسم كتبه ورسله، وهو في حقيقته ليس وحيداً بل هو متعدد وموجود في كل مكان، حيث يوجد في أشباه تقوم بأدواره وتموت نيابة عنه ومعها مفاتيح الجنة، موجود في العسس والعيون المتناثرة في كل حي وزقاق يحصي على الناس أنفاسهم، موجود في صورة قضاته، وكتابه، ورجال أمنه، ورجال دينه، وتجلياته التي لا تنتهي، هو كما عبرت الكاتبة، ظل الله على الأرض والحاكم باسمه.

أما الشخصية الرئيسية الأخرى فهي تلك البنت الموصومة بأنها نبت شيطاني لأنها، كما توصف، ابنة غير شرعية، فقد مات أبوها وهي رضيعة، أما المفاجأة فهي أن الإمام نفسه هو من اغتصب أمها، ورغم علمه بأنها ابنته يتزوجها في إحدى محطات الحدث الروائي، ثم بسبب مروقها ورفضها لواقعها تقتل في نهاية الأمر وتصدر الأوامر بدفنها ودفن كل ملفاتها معها.

ربما لتلك الأسباب لا تتراجع المؤلفة عن وصف الإمام في مقدمتها الروائية بأنه شخصية زئبقية، وهو وصف ينطبق أيضا على معارضيه، حيث الحياة السياسية تنقسم إلى حزبين، حزب الله ويمثله الإمام وصفوته، وحزب الشيطان الذي منه تلك الشخصيات الهزلية مثل المعارض الشرعي والكاتب الموصوف بالكبير، وهي معارضة مهمتها الوحيدة تبريرية للسلوك السلطوي الأكثر من خشن.

الواقع الذي رصدته الرواية، هو نفسه الذي كانت تقاومه الكاتبة وتشهد مجازاته اليومية الثقيلة، في مواجهة سلطات غاشمة يمثلها الحكم العسكري أحيانا ويمثلها تحالف رجال السياسة مع رجال الدين في معظم الأحايين، هو واقع كابوسي ما زال جاثماً. واقع رفضت نوال السعداوي أن تكون إحدى ضحاياه، فقاومته بكل الوسائل وما زالت تقاوم، ولأن الحقيقة متوحشة وخطيرة، كانت نوال السعداوي-رحمها الله- امرأة متوحشة وخطيرة.

دلالات