سرفانتس والضحك المرير (1/2)

28 سبتمبر 2020

يُحكى أن ملك فرنسا لويس الرابع عشر (1638 - 1715) سأل أحد رجالات قصره: "أتعرف اللغة الإسبانية؟"، فأجابه - وقد راحت به الظنون في كلّ وادٍ - بأنه لا يعرفها، مستدركاً أنه سيبدأ على الفور في تعلُّمها. تعلَّم الرجل الإسبانية، وهو يُمني النفس بأن يكون سفير الفرنسيين في أراضي الإسبان، ودخل على ملكه يزف إليه البشرى وينتظر التكليف وحلف اليمين.

لم يرَ لويس مبرراً للتفاؤل الطاغي في صوت الرجل، ونظر إليه نظرة إعجابٍ يشوبها كثير من الفتور، وقال بصوت لا يبشّر بأي منصب مهما صغر: "تستطيع الآن قراءة دون كيخوته في لغتها الأصلية".

لم يسمع سرفانتس- حتى اللحظة - بهذه القصة، ويغلب على ظني أنه لن يسمع بها مطلقاً؛ فإنه قضى قبل تسلّم لويس عرش فرنسا، لكن الداخل في حيّز التأكيد أن الرواية اشتُهرت قبل صاحبها، بالرغم من أن عمرها الفعلي لا يقارن بعمره ميلاداً، إذ أبصرت النور سنة 1605، في حين أن سرفانتس ولد في 29 سبتمبر/ أيلول 1547، والشهرة نصيب.

في بواكير حياته، سجلت ذاكرة سرفانتس البصرية ملامح بيئته الاجتماعية، رأى والده يعافر لكسب لقمة العيش، يعمل صباحاً بيطاراً (يعالج الدواب، ويعادل الطبيب البيطري الآن)، بيتهم المتواضع في مدينة "قلعة إينارس"، وقد انتقلوا إليها بحثاً عن رزق أقل شظفاً من مناطق أخرى.

لم يلتهم وجباتٍ كبيرة، ولم يُصب بعسر هضم أو تُخمة جراء تناول الطعام، بينما أقبل بجوارحه على الكتب، فكان قارئاً نهماً، قرأ - على حد تعبيره - كلّ ما وقع في يده، حتى قُصاصات الورق التي التقطها من الطريق، وبها اعتاض عن الدراسة النظامية، وقد قعدت به الظروف عن الالتحاق بجامعة إينارس.

بعد سنوات، سيظهر الإسكتلندي ولتر سكوت ويكتب شعرًا تاريخيًا له قبول بين الناس، وسيصبح -إلى أجل معدود- من رواد هذا الفن مع ابن بلاده سوزي، ويناطحان الشعر الفلسفي ويمثله وردزورث وشيللي

سيعترض - لاحقاً - الألماني كليمنستين - أحد شُراح رواية دون كيخوته - على وصف صاحبنا بالقارئ النهم، رافعاً عقيرته أن سرفانتس لا يعيد قراءة ما يكتب، وإمعانًا في تأكيد معلومته وتأطيرها ضمن حيز المُسلّمات، سيضيف كليمنستين إلى هذه العبارة لفظة (أبداً).

في العشرين من عمره، بدأ على طريقة أغلب الأدباء، ودخل عالم النثر من بوابة الشعر، إذ نظم قصيدةً بمناسبة وفاة ملكة إسبانيا، أثنى عليها بعض أساتذته ونصحه بمواصلة الكتابة، إلا أنه لم يُعر النصيحة اهتماماً لسنوات طويلة، وآثر أن ينتظم في فلك الخدمة العسكرية.

دخل الميري لأسباب، من بينها حرصه على تلبية نداء الواجب، وخاض غمار الحرب، بالرغم من أنه وحيد والديه، وسيأتي - بعد قرون - بالومينو موليرو، وسيتطوع في خدمة سلاح الجو - وهو وحيد والديه - وإن تباينت الأسباب؛ فصاحبنا تطوع في الجيش ليسدّ رمق أهله، أما موليرو - وهو شخصية روائية - فتطوع في قاعدة بيورا الجوية؛ ليكون قريباً من حبيبته ابنة قائد سلاح الجو، وللناس في ما يعشقون مذاهب.

سافر إلى إيطاليا 6 سنوات، أمضى 4 منها في الحرب ضد الأتراك، أصيبت يده اليسرى خلال هجوم على قبرص، وظلت مشلولةً إلى نهاية أجله، ومع ذلك فقد رفض البقاء في عنابر المرضى وعاد إلى أرض المعركة بعد أيام. قوبل صنيعه بحفاوة لا نظير لها، وأهدته قيادة الجيش شهادتي تقدير، حملهما معه في طريق عودته إلى بلاده، غير أن سوء طالعه جعل هاتين الشهادتين من أسباب نكبته!

هاجم قراصنة سفينة - على متنها سرفانتس - قريباً من الريفييرا الفرنسية، ووقعت أعينهم على الشهادتين، فظنوا أنه من عِليةِ القوم "والكحكة في يد اليتيم عجبة"، فغالوا في طلب الفدية، وأرسلوه إلى الجزائر تحت حراسة مشدّدة. ظل رهين الحبس 5 سنوات، وعاد إلى بلاده لا يملك شروى نقير عام 1580، فاستقر به النوى وحطَّ بها عصا الترحال، وبدأ رحلةً جديدة.

خلال هذه المدة، كتب رواية "جاليتا"، حقق منها شهرة معنوية، لكنها لم تُتحفه بمالٍ يغريه بتكرار تجربته الكتابية، فعزف عن الكتابة وتزوج - وهو ابن 37 عاماً - دونيا (السيدة) كاتالينا. ينضاف إلى ضيق ذات يده، أنه فشل - يومها - في مجاراة منافسه المؤلف الدرامي "لوب دي فيغا"، فترك الجمل بما حمل للسيد فيغا، وابتعد باحثاً عن قوت يومه في مضمارٍ آخر.

بعد سنوات، سيظهر الإسكتلندي ولتر سكوت ويكتب شعراً تاريخياً له قبول بين الناس، وسيصبح - إلى أجل معدود - من رواد هذا الفن مع ابن بلاده سوزي، ويناطحان الشعر الفلسفي ويمثله وردزورث وشيللي، لكنه سيُقلع عن الشعر عام 1814 حين يظهر اللورد بيرون، وإن جمعتهما عاهة قدم، إلا أن الشعر ميّز بينهما؛ فبرع بيرون في الشعر، وتوارى نجم سكوت في هذه المنطقة ليأتلق في أخرى.

أمسى والتر سكوت رائد الرواية التاريخية، واقتفى أثره أدباء كُثُر في العالم، أما سرفانتس فآثر أن يترك الأدب جملة وتفصيلاً بشعره ونثره، وأن يعمل "متعهد توريد أغذية وأخشاب" لصالح أسطول أرمادا والمزمع توجيهه لمهاجمة إنكلترا، ومن بعدها التحق بوظيفة جابي الضرائب، وعلى إثرها حُبِسَ في إشبيلية بعد جرد عهدته والوقوف على عجزٍ بها.

لم يُفد من ملكته الأدبية، ولم تدفع عنه شهادتا التقدير غائلة الجوع ونكبة السجن، ومات فيليب الثاني وتقلّد ابنه فيليب الثالث حكم إسبانيا، والبطل المحارب رهن محبسه. في لحظة يأس، قرر أن يمتشق قلمه ويروي طرفاً من حكمةٍ جمعها بين طيات أيامه، وشرع في تأليف الجزء الأول من "دون كيخوته"، وأنجزه عام 1605. قوبل عمله - رغم نجاحه - بغضب الكنيسة، مثلما حدث بعد قرون مع جوزيه ساراماغو يوم أصدر روايته "الإنجيل يرويه المسيح".

تقمّص غريمه لوب دي فيغا دور القاضي والجلاد، وكال له نقداً مريراً - مؤكداً عبارة ابن رشيق القيرواني الخالدة (المعاصرة حجاب) - فقال: "ليس هناك شاعر أسوأ حظاً من سرفانتس، ولا شيء أسخف من امتداح دون كيخوته؛ بطله أفسد عليه تفكيره إمعانه في الإطلاع على أقاصيص البطولة، وتابعه الذي كان يحاول عبثاً أن يُبصِّره بالواقع"، وأُمطِرت الرواية مطرَ السوء من نقاد وأدباء آخرين.

لكن لمن كانت الغلبة؟ وما قصة الجزء الثاني من دون كيخوته دي لامنشا؟ ومن يكون سيدي حمادة بن الجيلي؟ وما علاقته بسرفانتس وروايته الخالدة؟ هذا - بمشيئة الرحمن - موضوع الجزء الثاني.