زمن "آلو يا همبكة" الجميل (1/2)

03 مارس 2021
+ الخط -

يعني، أتفهّم أن يشعر بالحنين إلى الأزمنة الماضية أولئك الذين عاشوها ويشعرون بالأسف على فقدها، لكن أن يشعر بالحنين إليها أولئك الذين لم يعيشوها ولم يعرفوا شيئاً عنها سوى "ما وجدوا عليه آباءهم"، فهذا الذي لا يمكن تفهمه بسهولة، ومع أنني أدرك أن مقاومة هذا الحنين المرضيّ أمر عبثي لا طائل من ورائه في بلاد تعشق توريث الأفكار والآراء والمناصب والعداوات، لكن ذلك لا يمنع أن نحظى من حين لآخر بشرف المحاولة.

قبل أيام أرسل إليّ شاب طُلَعَة من ورثة الحنين إلى زمن الفن الجميل رابطاً لتدوينة رائجة تلعن سنسفيل أفلام السينما المصرية بدءاً من الثمانينيات وأنت طالع حتى أيامنا هذه، وتتهمها بالترويج للمخدرات والانحلال والهبوط، وتتحسر على زمن الأبيض والأسود، وتلوم بعض شركاء مرض الحنين الذين يقومون بتمجيد أفلام الواقعية الجديدة التي ظهرت في الثمانينات، متناسين أنها قامت بتشويه سمعة مصر بعكس أفلام الأبيض والأسود التي كانت تركز على الصورة الإيجابية لمصر والمصريين، وكان عاشق الحنين يرد بتلك التدوينة على بعض ما كتبته من قبل في هجاء أكذوبة زمن الفن الجميل.

حين دخلت إلى صفحة كاتب التدوينة لأتصفح بعض ما ينشره، وجدته يعيد نشر فيديو أصدرته إحدى القنوات المصرية التابعة للمخابرات العامة، يحتفي بالممثل العظيم توفيق الدقن، وكتب فوق الفيديو تعليقاً يتغزل فيه بإفيه "آلو يا همبكة" الذي جاء في الفيديو ضمن عدد من اللقطات الشهيرة لتوفيق الدقن، ويطلب من قرائه أن يقارنوا إفيه الدقن بالإفيهات التافهة التي ترد في الأفلام المعاصرة، فتأكدت أن الكاتب لا يعرف شيئاً عن تاريخ توفيق الدقن أو تاريخ السينما المصرية، برغم حرصه على أن يبدو حُجّة فنية، ولو كان كذلك لكان قد عرف أن إفيه "آلو يا همبكة" كان من أبرز الإفيهات التي جابت لتوفيق الدقن الكلام القاسي من النقاد الذين اتهموه بإفساد الذوق العام والتنكر لتاريخه الفني في المسرح القومي، وهو ما يمكن أن ترى نموذجاً له لو سمعت ـ على اليوتيوب ـ الحوار الإذاعي الذي جرى بينه وبين الكاتب الكبير محمود السعدني، حين اتهمه السعدني بالتنازل الفني وقبول أدوار لا تليق به لمجرد ترديد الإفيهات، وهو ما أشرت إلى سياقه وناقشته حين احتفيت بالفنان الكبير توفيق الدقن في حلقتين من حلقات برنامجي (الموهوبون في الأرض).

ما كتبه الذائب من فرط الحنين ووافقه عليه الآلاف من "مُشيّري" كلامه، ذكرني بمقال أحتفظ به في أوراقي، كان محمود السعدني قد كتبه عام 1967 بعنوان (من العزيمة إلى آلو يا همبكه)، واختار أن يجعله المقال الافتتاحي لعدد خاص عن السينما أصدرته مجلة (صباح الخير) حين كان رئيساً لتحريرها، ورافقه كاريكاتير للفنان إيهاب شاكر تظهر فيه السينما المصرية في صورة عجوز متصابية تقف إلى جوار عمود نور على طريقة فتيات الليل وهي تقول: "أنا بنت امبارح (40 سنة) واسمي أونطه (سيما سابقا) ونفسي أتوب".

محمود السعدني يكتب من العزيمة إلى آلو يا همبكة

سأترك المقال بين يديك وبين يدي الشاب المبتلى بالحنين إلى زمن الفن الجميل، وسأؤجل تعليقي عليه إلى أن تنتهي من قراءته:

"ما الذي حدث للسينما المصرية؟ وما الذي جرى لصناعة الفيلم؟ وهي صناعة تعتمد على العقول وعلى الفنون، ولكنها في مصر اعتمدت لفترة طويلة من الزمان على الأفخاذ وعلى البطون وعلى الخمور! لقد بدأت السينما المصرية بدايات عملاقة مبشرة، وكان فيلم لاشين طلقة في المليان وضربة معلم ولكنها كلفت ضاربها رزقه وحياته، وتشرد منتج الفيلم وممثله في بلاد الله، وأعدم الفيلم ولم تبق منه إلا نسخة واحدة مهلهلة لم تتحمل العرض إلا عدة مرات قليلة، ثم بليت هي الأخرى وانتهت! وكان فيلم لاشين يحكي قصة ملك جبان وحقير وقطاع أرزاق ومكمم أفواه، ويحكي أيضا قصة شعب بائس وجائع وفقير.. وثار الشعب في النهاية ضد الملك الطاغية، وزحفت جموعه في الشوارع تطلب الحرية وتطلب الخبز واقتحمت الجماهير الصاخبة الغاضبة قصر الملك وحطمت العرش وقتلت الملك! وكان التصوير لأول مرة في الشارع، والممثلون الحقيقيون هم الكومبارس، ولعب الشارع والكومبارس والقصة الواعية دور البطل، ولذلك جاء فيلم لاشين في النهاية أخطر وأعظم صرخة فنية شهدتها مصر تلك الأيام.

ولعل فيلم لاشين هو الذي دفع بنك مصر إلى إنشاء استديو مصر ليحكم قبضته على الفن الوليد الجديد، ولينتج أفلاما ذات مستوى حقا، وذات مضمون موجه حقا ولكن لمصلحة أصحاب الأسهم والسندات، مضمون يصرف الشعب عن أهدافه الحقيقية، ويغرقه في ضباب الحب والشعر والخمر، وليته كان حبا حقيقيا أو شعرا حقيقيا أو خمرا حقيقيا، ولكنها جميعا من صنف واحد، هو صنف الفبركة والتزييف والأكاذيب، غير أن الفيلم المصري استطاع مرة أخرى أن ينهض على قدميه بفضل فنان عبقري هو المرحوم كمال سليم، وكان فيلم العزيمة هو خير نموذج قدمه في هذا السبيل.

ورغم أن الفيلم أنتج منذ ثلاثين عاما، إلا أنه خير ما أنتجته السينما المصرية حتى الآن.. ولم يقع الفيلم في سذاجة الأنماط البشرية، حيث يظل الشجيع شجيعا، والشرير شريرا على الدوام، ولكنه قدم شعبا بأسره، وشخصيات درامية تهبط وترتفع وتقوى وتضعف حسب الظروف المحيطة بها والمشاعر التي تجيش في أعماقها.. ولكن الفيلم المصري اليتيم طعنه القدر منذ ناحيتين.. قيام الحرب العالمية بعد إنتاجه بعام واحد، ووفاة مخرجه العبقري بعد ذلك بوقت قصير.. وانفتحت الحرب في مصر عن أبواب للرزق لا حد لها، وأبواب للخطف لا حد لها، ولعب الناس بالفلوس لعب في الحواري والشوارع، وخرج عمال الأورنس يبحثون عن أي شيء للتسالي وأي شيء للمزج، وانتهز الفرصة ملوك السينما في مصر فاتجهوا بها إلى عمال الأورنس.. وماذا يريد عمال الأورنس في ظروف حرب وثراء مباغت إلا التسلية والفرفشة ويا ميت صلاة النبي على اللي حب ولا طالشي، واشتغلت السينما المصرية على ودنه ودارت الماكينات على عجل، وانهالت الفلوس كالقرب على ملوك السينما، وظهر في السوق مؤلفين من نوع نجاري الطبالي، يصنع المطلوب حسب ذوق الزبون ومواصفاته.. وعلى استعداد للتعديل والتغيير في أي لحظة، ويكتب اسمه أو اسم من يدفع زي بعضه، والتأليف ليس مشكلة.. بنت تحب ولد وبالطبع الحب يتم على شاطئ النيل وتحت القمر، وبالطبع الحوار لا يدور على ألسنة ناس، ولكن المهم أن يكون غريبا على جميع الأسماع وجميع الأذواق، ويا حبذا لو كان مسجوعا، عندئذ يتم المراد من رب العباد ويحصل الانبساط لشباك التذاكر، وهو الهدف الوحيد لإنتاج الفيلم.

ومع تدهور قوات الحلفاء تدهور الفيلم المصري.. ثم عاد فتدهور مع تدهور قوات الألمان والطليان، حتى أسماء الأفلام هبطت إلى الحضيض، وبدبا من نسور الجو (عام 1939) وصل الفيلم المصري إلى الآنسة بوسة (عام 1946) وأصبح الفيلم المصري يقدم أنماطا من البشر، شجيع يضرب كل الناس، ويحطم كل الأبواب، ويزهق كل الأرواح، وجبان يرتكب كل المآسي ويفر من كل خيال، وروميو يذوب من شدة الوجد، ويهيم على وجهه من لوعة الهجر ويموت في الصحاري ولا قيس ابن الملوح، وبنت مظلومة تقفل في وجهها كل الأبواب، وظالم مصاص دماء إلى آخر الحياة، وأصبحت القصص واحدة والأبطال لا يتغيرون.

الذي يتغير فقط الأغاني، والذين يعملون في الفيلم من غير الممثلين والمطربين والراقصات وبدأ في السينما عصر جديد اسمه عصر الكباريه، فكل القصص تحدث في الكباريه، وكل الأبطال راقصة في الكباريه وزبون يتردد على الكباريه والصراع بين مطرب في الكباريه وزبون الكباريه وأصبحت أسماء الأفلام: ليه كده يا ربي؟ أنا حظي كده، وقسمة ونصيب، وتاكسي الغرام، والماضي المجهول، والمستقبل المجهول، ونداء الحب، وامرأة بين رجلين، وكأس العذاب، وارحمني يا حبيبي، وحب من غير أمل.. إلى آخر هذا الهلس الذي ليس له نظير، فأصبح الحوار واحدا أيضا في جميع الأفلام، وإذا كان مشهد حب، فالأفندي يحب كالصعيدي كبياع اللوتاريا كالفلاح الذي في الغيط كالعامل الذي في المصنع، كالباشا الذي في السراي.

ـ أنا مش عارف إيه، لكن قلبي يقدر يقول..
ـ بلاش أرجوك، أنا مقدرتش أواجه الموقف ده. 
ـ لكن دي الحقيقة، أنا.. أنا بحبك. 
ـ ما تقولش الكلمة دي، الحب مش لعبة، أنا قلبي بيقول كلام تاني. 
ـ بيقول إيه؟
ـ بيقول كلام، بيقول حاجات، بيقول.. ياما بيقول.. ثم مزيكة على الفور وهات يا غناء يستمر عشر دقائق على الأقل.

وقلبي بيقول حاجات، يا ترى إيه هيه يا قلبي؟ 
يا هلترى يا قلبي صادق والا كاذب والا ناوي على غلبي..
والا اتكتبلي الهنا والا انكتب لي الشقا في حبي..

ولاحظ كلمات قلبي وغلبي وحبي، وهي كل المطلوب في الأغنية إياها، فإذا كان المشهد يجري في حقل مثلا، والمناسبة سعيدة والحب على سنجة عشرة وآخر تمام، فالأغنية تقول: 
 أنا باحلم ولا دي حقيقة يا حليلة..

زي ما أكون ماشية في خميلة جميلة. 
وحبيبي، حبيبي قاعد في ضليلة.
يا هلترى يا حبيبي هنول منايا
والا زماني حيخلف معايا؟

والمهم أيضا أنك ستجد يا هلترى في كل أغنية، ولن تعثر في حياتك على جواب على هذه الهلترات!

ووقع الفيلم المصري بعد الحرب في قبضة الموزع، والموزع متعهد تصدير أفلام، وهو بالضبط مثل متعهد بيع السجاير في أسيوط، ومتعهد السجاير يطلب كميات محددة من ماتوسيان، وعلى ماتوسيان أن تجيبه فورا إلى طلبه.. مليون سيجارة هوليود، مليون بلمونت، مليون كليوباترة، هو الذي يحدد الصنف وهو الذي يدفع الفلوس وعلى الشركة أن تجيب الطلب وبدون تعديل.. موزع السينما هو الآخر كان يحضر ومعه الفلوس.. ويطلب قصة فيها حب وفيها رقص وفيها ضرب.. ليس هذا فقط. ولكنه يحدد الأبطال أيضا ويحدد عدد الأغاني وعدد الرقصات.. وتعمل السينما على الفور لتجيب طلبات الزبون!

ولهذا السبب استطاع رجل كفريد الأطرش أن ينتج قصة واحدة في عشرين فيلما وبنفس الأبطال.. وهي قصة الفنان المعذب الحيران الذي يحب من غير أمل، وفي كل خمس دقائق تصوير يقف خمس دقائق فاشخا بقه عن أغنية يا حب من غير أمل! والسبب أن الموزع كان يدفع تكاليف الفيلم ويدفع الأرباح قبل أن تدور الكاميرا لتصور أول لقطة بعدة شهور، وفي خضم هذا الغم والهم الذي ليس له مثيل تبرز للمتفرج راقصة لها بطن كالعجين ووسط تخنقه فتلة حرير، وأرداف تهتز كالسكروتة الياباني لترقص للناس وصلة تمتد خمس دقائق بلا مبرر وبلا مناسبة، ولكن السيد الموزع كان يريد ولا راد لإرادته، فهو الذي يحاسب وهو الذي يدفع الفلوس، ولذلك ستجد أن كل بطلات أفلامنا في تلك الفترة راقصات أو مطربات وهي وكسة لم يحدث لها مثيل في أي بلد في العالم، ولعل هذا هو السبب الوحيد لتعلق الجماهير بفنانة مثل فاتن حمامة، فهي أول ممثلة تمثل في السينما المصرية ولا تغني ولا ترقص، ومع ذلك فاق أجرها أجور الراقصات وكل المطربات، لأن الكحكة في إيد اليتيم عجبة!

...

نكمل غداً بإذن الله.