ريجيم
ليس "ريجيماً" من أجل إنقاص وزني بضع كيلوغرامات، ولو أنّي بحاجة لذلك، لكنه ببساطة لاستعادة القدرة على التركيز وعدم التشتّت بين أفكار تهطل عليّ من كلّ شاشة، وتزدحم في رأسي من دون أن أملك القدرة على حصر انتباهي بأحدها للتعمّق، أو حتى التوقّف عندها بأكثر ممّا يحطّ عصفور على غصن لينتقل، بعد تغريدةٍ قصيرة، الى غصنٍ آخر، وأحياناً حتى من دون تغريدة.
هكذا، تخيّلت أنّ العصافير، كما تبدو لي الآن، لا تتنقل رشاقةً بين الأغصان والمطارح، بقدر ما هي، مثلي على ما يبدو، سريعة الملل وتائهة. وبما أنّ حجمي لا يُتيح لي بأيّ شكل أن أكون من فصيلة العصافير، فلقد أصبحت رويداً رويداً، مُتعبة من هذا القفز اللاإرادي من فكرةٍ لأخرى، كما لو كنت ضحية لآلية مجهولة باتت تتحكّم بي.
بم أشبّه ذلك؟ كأنّما أصابني نوع من اندفاع ذاتي مُتزايد القوّة لكن بفرامل مُعطّلة. أحاول التشبّث خلال جرياني السريع ببعض النتوءات، من دون أن أفلح إلا في متابعة انزلاقي الى الفراغ.
بتّ شيئاً فشيئاً عاجزة عن التركيز طويلاً على فكرة ما، أنزلق سريعاً إلى ما بعدها، ولا أستطيع العودة إليها واستعادتها إلا بجهدٍ جهيد يشبه من يصعد مُنحدراً صعباً يصبح أصعب مع أثقال العمر.
أحاول التشبّث خلال جرياني السريع ببعض النتوءات، من دون أن أفلح إلا في متابعة انزلاقي الى الفراغ
ففعل الكتابة ليس مجرّد تدوين لفكرة ناجزة، بقدر ما هو أداة للتفكير في كيفية التقدّم وتطوير الفكرة ببطء، وهذا بحاجة إلى التركيز. هكذا تتقدّم الكتابة. حتى اختيارك للعبارات يُفضي، بحسب المفردات التي تختارها، إلى طرق مختلفة، إلى أفكار أخرى لم تكن لتولد لو كنت قد استخدمت مفردات أو عبارات غيرها.
أمّا القراءة، مجرّد القراءة للنصوص الطويلة، فقد بات صبري ينفد قبل الوصول إلى سطورها الأخيرة، إلا إن كانت مُشوّقة. ليس بالمعنى المُثير للأعصاب، والذي يجعلني فريسة للتوتّر، بل الذي يستغرق انتباهك فيجذبك السرد، كما في رواية مُمتعة. وحتى في هذه الأخيرة، بتّ لا أطيق القراءة مطوّلاً كما كنت أفعل حين كنت صغيرة، فلا أنام قبل إنهائها.
وتساءلت عن أصل هذه "الإعاقة" المُستجدّة. بدايةً ظننت أنّ مشكلتي هي لضعف في النظر. لكن، وبعد وضع النظارات الطبية، لم يكن الوضع أفضل بشكل كبير. وبقيت أُلاحظ قدرتي المتناقصة على التركيز فيما أقرأه، وحتى تذكّر ما سبق أن قرأته.
ما السبب؟ تساءلت. أصدقاء كُثر "طمأنوني" إلى أنهم "كذلك" يعانون من هذا التشتّت اللاإرادي. أي أني لست وحدي. وفي هذا عزاء لكن ليس فيه شفاء.
فعل الكتابة ليس مجرّد تدوين لفكرة ناجزة، بقدر ما هو أداة للتفكير في كيفية التقدّم وتطوير الفكرة ببطء، وهذا بحاجة الى التركيز
ثم نظرت إلى حاسوبي، فوجدت أنّ أحد الأسباب كان أمامي: طبيعة تصفّحنا للشبكة العنكبوتية، معطوفة على آلية وسائل التواصل الجديدة التي باتت تُشتّتنا لكثرة وسرعة ما تقدّمه من "أفكار"، سمينها وغثّها، فلا نستطيع تفحّصها ويُغرينا الانتقال إلى غيرها فغيرها وهكذا دواليك.
هكذا، تنبّهت الى ازدحام النصوص والملفات على سطح مكتبي. بعضها، أو لنقل أكثرها، كنت قد حمّلتها من أجل قراءتها لاحقاً. ثم لم يكن هذا "اللاحقاً" يأتي أبداً، فنسيت لما هي هنا. هكذا اعتدت دائرة من الأفعال: اهتمام، تنزيل وتحميل، فقدان السبب، الرمي في سلة المهملات. ثم تكرار هذه العملية.
لقد أصبح عقلي يشبه تماماً سطح مكتبي. مكان مُثقل بالملاحظات المتفرّقة، يشبه مخزناً نرمي فيه بالأغراض التي قد نحتاجها لاحقاً. لكننا حين ندخل إليه لنفتّش عن غرض معيّن، نتشتّت بين أكوام الأغراض/الأفكار، ويتحوّل انتباهنا إلى أشياء أخرى ثم أخرى، ناسين الغرض الذي دخلنا المكان من أجل العثور عليه.
حسناً، صحيح، لم أخترع البارود. لكن أن يحدث لك ذلك شخصياً، غير أن تقرأ عنه. خصوصاً أنّي، لسبب ما، كنت أظنّ أنّ هذا المرض لا يُصيب إلا الجيل "Z"، كما يسمونه، بسبب الإدمان على وسائل التواصل.
إذاً؟ هل السبب فقط سلوك "النطنطة" بين الأفكار الذي فرضته علينا السوشيال ميديا؟ أم هو أيضاً التقدّم في العمر؟ أم حال القلق والتعب والحزن الذي بتنا نعيش فيه منذ سنوات، وازداد بموازاة انحدار حالنا، حتى بات الاستياء والغضب يشاركاننا قيامنا وقعودنا ونومنا؟ الأرجح أنّه مزيج من كلّ هذا.
بات الاستياء والغضب يشاركاننا قيامنا وقعودنا ونومنا
لهذا قرّرت أن أقوم بنوع من "ريجيم إلكتروني" لاستعادة الإمساك بزمام الأمور، عبر التقليل من استخدامي لوسائل التواصل والإنترنت. فأخذت مثلاً أدوّن على ورقة رؤوس أقلام لأفكار وملاحظات لفتت اهتمامي بدلاً عن الكومبيوتر. وفعلاً، وجدت أنّ التدوين على ورقة فعّال أكثر من الكتابة على الحاسوب، لسرعة تلاشي الأفكار من ذاكرتي قبل أن يُتاح لي الوقت لفتح ملف ثم تدوينها.
هكذا، بادرت إلى قراءة الجرائد ورقياً بدلاً من المواقع الإلكترونية. كنت أعطيها كلّ وقتها صفحة تلو أخرى. أطفئ هاتفي تماماً خلال القراءة. ثم أعود فأتفقدّه في الاستراحات وقد أنجز بعض الاتصالات، لأعود وأقفله حتى أنتهي. أمّا الحاسوب، فساعتان أو ثلاث ساعات صباحاً وأخرى أوّل المساء. كما أحرص على عدم استخدامه أبداً بعد الساعة الثامنة مساء، كما نصحني أحد الأطباء، أي قبل نومي بساعتين أو ثلاث ساعات، توخيّاً لجودة نوم معقولة.
ولقد تحسّن نومي فعلاً، خصوصاً أنّي عدت للقراءة قبل النوم. أختار روايات بعيدة كلّ البعد عن يوميّاتنا الشرق أوسطية، ولو أني لا أوفّق أحياناً، فأدع الرواية من دون أسف إلا على ثمنها.
أما النشاط الأكثر إفادة للتركيز والحفاظ على تسلسل الأفكار؟ فقد كان أثناء المشي يومياً لساعة أو أكثر في غابة الصنوبر القريبة مع الاستماع للموسيقى، أو أثناء انشغالي بأيّ نوع من العمل اليدوي، كالغسيل أو ترتيب الثياب، أو ربما بعض البستنة في حديقة شرفتي الصغيرة.
أما النشاط الأفضل فقد كان جلي الصحون الذي كان يساعدني فعلاً على تركيز تفكيري فكنت أهرع في بعض الأحيان لتجفيف يدي من أجل تدوين بعضها، تماماً كما فعلت في هذه المقالة.