رومانسية الحكومة السورية تعيدنا إلى زمن الشموع

10 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:40 (توقيت القدس)
+ الخط -

لم يلقَ القرار الأخير لوزارة الطاقة في سورية بخصوص رفع تسعيرة الكهرباء ترحيباً في الأوساط الشعبية؛ إذ جاء خارج توقعات المواطن السوري الغارق في مستنقع غلاء المعيشة، ناهيك عن أن خدمة الكهرباء لا تزال غير منتظمة رغم الوعود الحكومية المتكررة بإصلاحات ملموسة.

كان الرد الشعبي حاضراً بقوة عبر تظاهرة حاشدة في مدينة سلمية بريف محافظة حماة الشرقي؛ حيث رفعت الحشود شعارات تُندد بقرار الزيادة بوصفه جائراً على ذوي الدخل المحدود. وأشار المتظاهرون إلى أن الركود العام في الأسواق وتنامي أسعار السلع الأساسية — كالخبز والمحروقات والخضار— يجعل القرارات الاقتصادية بعيدة كل البعد عن قدرة المستهلك. وأضافوا أن الزيادات الأخيرة في أجور بعض موظفي القطاع العام، وعلى رأسهم العاملون في الصحة والتعليم، لم تُحسّن الواقع المعيشي كما ادعت السلطة.

فالأسعار تضاعفت بعد زيادة الأجور، وعلى الرغم من ذلك تعاني الأسواق المحلية من انضباط ضعيف في التسعير، ما يجعل أي زيادة في الأجور "زيادة رقمية" لا ترتبط بقيمة شرائية حقيقية. وتظل الليرة السورية في مواجهة مستمرة مع الدولار الأميركي، ما يضع القدرة الشرائية للمواطنين تحت ضغط دائم.

موجة غضب عارمة اجتاحت الشارع السوري ومنصات التواصل الاجتماعي، رافقتها دعوات واضحة للامتناع عن دفع فواتير الكهرباء. ولا يخفى على أحد أن فاتورة الكهرباء بعد الزيادة الأخيرة قد تُعادل دخل شهرٍ كامل لعمّال يوميين أو حتى لبعض الموظفين الحكوميين، ما يجعل القرار عبئاً مقلقاً على الأسر الهشة اقتصادياً.

من وجهة نظر المواطن، بدا القرار غير منطقي وغير مدروس، خاصة أن غالبية السوريين لجأوا منذ سنوات إلى الطاقة البديلة باعتبارها حلّاً جزئياً للانقطاع المتكرر في التيار الكهربائي. فالاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية انتشر وسط ساعات تقنين قد تتجاوز 14 ساعة يومياً، لكن تكاليف تركيب منظومات الطاقة الشمسية تبقى باهظة بالنسبة إلى الدخل السائد، على الرغم من أن تلك المنظومات تؤمن احتياجات الإضاءة وبعض الأجهزة الكهربائية بشكل محدود.

فاتورة الكهرباء بعد الزيادة الأخيرة قد تُعادل دخل شهرٍ كامل لعمّال يوميين أو حتى لبعض الموظفين الحكوميين

حتى الآن لم تظهر استجابة فعلية من قبل السلطات لتعديل القرار، إذ تعزو الحكومة الزيادة لكلف الإمداد الكهربائي المرتفعة. بالإضافة إلى أن ذريعة الحكومة الحالية في دمشق حاضرة دائماً، فكل الأزمات التي يُعاني منها المواطن السوري اليوم هي نتاج حتمي لممارسات نظام الأسد. أي أن النظام السابق بالنسبة للإدارة في دمشق لا يزال بمثابة شماعة تُلقي عليها الأخطاء الإدارية اليوم بشكل مستمر.
لا يُمكن لأحد إنكار أن إرث حكم بشار الأسد من فساد وإهمال وقمع لا يزال ثقيلاً، لكن في المقابل تفتقد قرارات الحكومة الحالية إلى حكمة واضحة في التعامل مع أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة. سوق العمل يواجه موجة بطالة متصاعدة نتيجة فصل عاملين وتعسف في التوظيف، كما أدى حلّ بعض المؤسسات وإجراءات التسوية إلى خروج أعداد كبيرة من العسكريين والعاملين ممن لم تتلطخ أيديهم بالدم إلى سوق بلا عمل أو دخل منتظم. وهكذا، تغص الأسواق السورية بعشرات الآلاف من الشباب العاطلين من العمل، بينما تبقى أجور العاملين المتوفرة ضئيلة وغير متناسبة مع الأسعار المتلاحقة.

رغم ذلك، لا يزال الشعب السوري يتمسك بمطالب ثورته التي رفعت شعارات الحرية والكرامة؛ ولا يزال هناك متنفس للأمل لدى شريحة واسعة تنتظر سياساتٍ تُعيد لها كرامتها المعيشية. وبات من الواضح أن على السلطة الحالية إعادة مراجعة حساباتها وقراراتها، وأن تعتمد سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر واقعية وتوازناً، وإلا فسيكون الشارع هو الفيصل — كما كانت الحالة دوماً في لحظات التحركات الشعبية.