روبرت فيسك بين أقبية بيروت وداريا

23 نوفمبر 2020
+ الخط -

ككثير من الشباب العربي، تابعت بشغف وثائقي "حكاية ثورة"، الذي أخرجه الأستاذ عمر العيساوي وأنتجته قناة الجزيرة وعرضته في 2009. الشغف الكبير بمشاهدة الوثائقي كانت له أسباب كثيرة إلى جانب موقع القضية الفلسطينية في الوجدان العربي، وأهمها التوقيت الذي جاء فيه الوثائقي بعد حرب دموية شنتها إسرائيل على قطاع غزة في أواخر 2008، وبعد الانتفاضة الثانية وحصار الرئيس الراحل ياسر عرفات ومداخلاته النارية من داخل حصاره على قناة الجزيرة، والتي يحفظ كثير من الشباب العربي كل كلمة قالها أبو عمار حينذاك.

تروي الحلقة السادسة من الوثائقي، والتي تحمل اسم الدم المستباح، حكاية مجزرة صبرا وشاتيلا. واستوقفتني في تلك الحلقة شهادة ذلك الصحافي الأيرلندي والذي كنت أراه للمرة الأولى في حياتي، استوقفني ذلك الغضب الذي بدا على وجهه حين تحدث عن حواره ومراسل واشنطن بوست مع الضابط الإسرائيلي عند المدينة الرياضية في بيروت، والتي حولها الجيش الإسرائيلي ومسلحو الكتائب إلى مقر لاعتقال وتعذيب الشبان الفلسطينيين. كان وجهه الذي يزداد احمراره ولغة جسده يشرحان حجم الغضب الذي يسكن داخله تجاه بشاعة المجزرة وعدوانية مرتكبيها وسخف الرواية الإسرائيلية ومحاولة التبرؤ من المجزرة لصالح تحميل مسلحي الكتائب مسؤولية الفظاعات التي ارتكبت بحق الفلسطينيين.

نام روبرت فيسك ملئ جفونه وبقي متمسكا بالاصطفاف إلى جانب القتلة في سورية، فأنكر مجزرة الكيماوي مكذبا كل التقارير الدولية عن استعمال الأسد للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في الغوطة الشرقية

بعد أعوام ثلاثة من مشاهدتي قصة صبرا وشاتيلا التي رواها وثائقي حكاية ثورة، وفي الخامس والعشرين من أغسطس/آب 2012، عايشت مجزرة داريا بكل تفاصيلها. وكما كثير من عائلات المدينة ترقبت وصول الموت الذي كان يتنقل بين حواري المدينة وأقبيتها، وبلا شك فإنه لم يكن في الحسبان ذلك الانتقال من موقف القارئ عن المجزرة أو الانتقال من زاوية مشاهد لوثائقي يروي قصتها إلى موقع ضحية المجزرة أو شاهد مباشر عليها، ذلك الانتقال صار أكثر رعبا حين كنت مجبرا على مشاهدة عناصر الحرس الجمهوري في جيش النظام وهم يوشكون على تنفيذ إعدام ميداني بحق شقيقي الأكبر طارق. ذلك التبدل في المواقع لم يتوقف عند هذا الحد حين شاهدت وقرأت تبدل موقع روبرت فيسك من صحافي مهني يفند رواية مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا، وإنسان مناصر للضحايا في بيروت، إلى مساهم في بروباغندا القتلة ومرافق لفرق الموت وراقص على جثث ضحايا مجزرة داريا.

خلال شهادته في وثائقي "حكاية ثورة"، يقول روبرت فيسك في معرض سخريته من محاولة وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون إنكار مسؤوليته عن مجزرة صبرا وشاتيلا: "كيف لشارون أن يقول إنه لم تكن لديه فكرة عما سيحصل في صبرا وشاتيلا، بينما روبرت فيسك الموجود على بعد 2000 ميل في أيرلندا كان متيقنا أن مجزرة ستحصل، فسافرت دون أن أنام لمدة يومين؟ أليس هذا غريبا أن شارون لم يكن يعرف؟".

قوة الحدس تلك والنباهة والمهارات الصحافية وسرعة البديهة غابت كلها عن فيسك، فلم يطرح على أصدقائه في المخابرات السورية أو على رئيس النظام السوري تساؤلات عن كيفية وقوع مذبحة مروعة راح ضحيتها أكثر من خمسمائة مدني على بعد أقل من عشرة كيلومترات من قصر بشار الأسد، ولم يستطع فيسك رغم نباهته أن يجزم أو على الأقل أن يرجح مسؤولية النظام السوري عن مجزرة داريا المحاطة من الجهات الأربع بأهم وأبرز مقرات نظام الأسد الأمنية، ليتبنى فيسك رواية لا تقل وقاحة واستغباء عن رواية شارون حين أنكر مسؤوليته عن مجزرة صبرا وشاتيلا، فرجح فيسك انتماء المقاتلين المقنعين الذين نفذوا مجزرة داريا للجيش السوري الحر.

نام روبرت فيسك ملء جفونه وبقي متمسكا بالاصطفاف إلى جانب القتلة في سورية، فأنكر مجزرة الكيماوي مكذبا كل التقارير الدولية عن استعمال الأسد للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في الغوطة الشرقية، ثم أطلق على إدلب التي تحتضن من هجرتهم قسرا آلة الأسد العسكرية اسم مزبلة المتمردين، في تعبير واضح عن دعمه لتحركات الأسد وحلفائه العسكرية في آخر بقعة جغرافية تبقت للسوريين الرافضين للأسد ونظامه.

يقول فيسك خلال شهادته في الوثائقي عن مجزرة صبرا وشاتيلا وهو يوشك على البكاء: "مجرمو الحرب كانوا هناك، وهؤلاء المجرمون هم بيننا اليوم"، لم يعد روبرت فيسك بيننا اليوم، مات ولم يعتذر عن دعمه لجرائم مجرمي الحرب في سورية بحق الشعب السوري الأعزل، مات مخلفا وراءه تركة لن نختلف في الموقف تجاهها إذا ما كنا نؤمن بأن الإنسانية والمبادئ لا تتجزأ.