رمضان الهاي لايف

رمضان الهاي لايف

09 مايو 2021
+ الخط -

في عددها الخاص بمناسبة شهر رمضان المبارك، والصادر بتاريخ 4 ديسمبر 1935 الموافق 8 رمضان 1354 نشرت مجلة (كل شيء والدنيا) الصادرة عن دار الهلال، وكانت وقتها من أكبر وأشهر مجلات زمانها، موضوعاً بعنوان (صيام زائف وآخر صحي وثالث حقيقي)، تحدثت فيه بنبرة ناقدة لطريقة تعامل الطبقة الثرية أو "الهاي لايف" مع شهر رمضان مقارنة بتعامل باقي المصريين، فقالت: "أمر أثريائنا سادة وسيدات شبانا وفتيات غريب غاية الغرابة في شهر رمضان، فبينما ترى بعضهم ينسون أو يتناسون حلول رمضان ويتبعون نظامهم العادي في مواعيد طعامهم ونومهم وقيامهم، ترى البعض الآخر يتقيدون بمواعيد رمضان ويطبقون نظمه ولو أنهم غير صائمين، وغير هؤلاء وأولئك قليلون يتعلقون بأهداب رمضان ويتخذون منه موسما للعبادة وفترة للتوبة والاستغفار فيصلون ويصومون ويتصدقون".

ثم قام الموضوع بتقسيم طبقة الهاي لايف في تعاملها مع شهر رمضان إلى ثلاث فئات، الفئة الأولى أطلق عليها فئة "يا فاطر رمضان أو قل هم المستهترون فهم يعلنون إفطارهم في تبجح وجرأة ويباهون به وينتقدون الصائمين ويتخذونهم هدفا لتهكمهم واستخفافهم، أولئك المستهترون من الهاي لايف تراهم في القصور والأمكنة العامة وبين الحشد الكثير مثل ميدان السباق وقد تصاعد الدخان من بين سجائرهم أو تدلى السيجار من بين شفاههم وتزاحموا على البوفيه وسندوتش الجانبون وقد يقول لبعضهم هاتها يا ".." ومما يستوجب أشد الأسف أن بين هؤلاء شخصيات بارزة". بالطبع كان مفهوماً ألا تذكر المجلة أسماء شخصيات من هذه الفئة لأسباب قانونية، لكن ما لم أفهمه هو عدم استكمالها لعبارة "هاتها يا.." فهل كان المقصود هاتها يا ساقي، أم كلمة بذيئة، كما لم أفهم لماذا اختص كاتب الموضوع سندوتش الجانبون بالذكر مع أنه كان يمكن الاكتفاء بالإشارة إلى البوفيه بما يحتويه من أكلات مختلفة، وربما كان ذلك لأن السندوتش من لحم الخنزير، مما يجعل الاستشهاد به أفدح وأشد وقعاً على القارئ.   

بعد ذلك تحدث الموضوع عن الفئة الثانية من الهاي لايف "وهي التي تطبق نظم رمضان وتساير مواعيد رمضان ولكن في غير صيام، وهم لا يعرفون رمضان إلا على أنه شهر النَقَه من مرض الشّرَه والتدقيق في تقليل كمية الطعام، أولئك يجوعون أنفسهم ويقللون من وجباتهم ويفرطون في التدخين نهارا وليلا إتماما للفائدة لأن التدخين يفقد الشهية، وهم يحرصون الحرص كله على تقليد الصائمين، فهم يجلسون إلى المائدة قبل المدفع ويرهفون آذانهم لسماع الأذان، فهم لذلك ممثلون أو إن شئت فقل يتسلون".

ولكيلا يتهم أحد من "الناس الهاي لايف" المجلة بالتحامل المبالغ فيه واستعداء المصريين المتدينين عليهم، أشارت المجلة في ختام موضوعها إلى الفئة الثالثة وهي "فئة الصائمين والصائمات من الهاي لايف فعددهم قليل جدا وهم يؤدون فرائض رمضان خير الأداء، ولكن من الإنصاف أن نقول إنهم يرخون لأنفسهم العنان في غير رمضان ولكنهم في رمضان يطهرون أنفسهم. من الذين يتسابقون في ميدان التقوى آل عبد الرازق الذين تجد قصرهم في رمضان أشبه بصحن من صحون الأزهر. كذلك عبد العزيز محمد بك وعبد العزيز فهمي باشا ومحمد علي علوبة باشا من أكثر وزرائنا احتفالا برمضان".

يبدو أن كاتب الموضوع كان مضطراً إلى كتابة السطور السابقة التي تقول للقارئ إن أفراد الهاي لايف "مش زي بعضهم" في التعامل مع رمضان، لذلك عاد في ختام حديثه إلى المزيد من التلبيخ المنضبط في أبناء الهاي لايف قائلاً: "برنامج الهاي لايف في رمضان طريف جدا فهم يسهرون مع الصائمين حتى الساعة الثالثة ويقومون في الحادية عشرة أو الثانية عشرة فيتناولون طعام الإفطار على عادتهم ثم يقوم رجال الأعمال منهم وهم قليلون لأداء أعمالهم، أما الباقون وهم الأكثرية فيبدؤون التريقة على عباد الله الصائمين بالتليفون وأكثر ما يكون ذلك بين السيدات والأوانس، ثم تنتهي التريقة بالاتفاق على سهرة الليلة فإما سينما أو حفلة فلانة وإما برتيتة الكونكان أو البريدج عند فلانة، فإذا اقترب موعد الإفطار سارعوا إلى طلب السلطات وأصدروا الأوامر للطهاة بإعداد المدمس وراحوا يشتهون ما يشتهي الصائم وينتظرون المدفع ليفطروا كما يفطر الصائمون".

...

أشهر الخرافات المصرية في ليالي رمضان

في نفس العدد الخاص عن رمضان نشرت مجلة (كل شيء والدنيا) موضوعا طريفا بعنوان (ليالي الموعودين في رمضان) تحدثت فيه عن الخرافات التي تنتشر بين المصريين في رمضان، وأشهرها خرافة (شَربة البحر) والبحر هنا يشير إلى النيل بالطبع، حيث تقول الخرافة إن النيل ينام كل سنة ليلة واحدة فتتجمد مياهه بالكامل، والموعود في هذه الليلة هو الذي يأتي إلى النيل ليتوضأ فيفاجأ بجمود الماء، ثم يجري على سطح الماء الجامد حتى يجد مجرى ماء ضيقاً يسير وسط هذا البحر الجامد فيشرب منه شربة قد تطول إلى ساعة لعذوبة الماء وحلاوته النادرة، وبعد أن يرتوي يعود إلى داره وقد امتلأ صحة وقوة خارقة فيصبح من اليسير عليه أن يحمل الهرم الأكبر في إحدى يديه ليقذف به إلى الهواء ثم يلتقطه باليد الأخرى.

هناك أيضاً خرافة بغلة العشر أو (بغلة العرش)، ومع أن هذه البغلة المحشية بالجواهر والذهب تظهر في الثلث الأول من شهر المحرم، إلا أنها مرتبطة بشكل وثيق بشهر رمضان، حيث لا تظهر إلا للموعود الذي كان ممن صاموا رمضان واتقوا وزكوا وصلوا، وعندما يصادف الموعود هذه البغلة يأخذ رأسها ويقبلها ويضعها على الأرض، ثم يأخذ الجواهر التي توجد بداخل البغلة ويستبدلها بالتبن أو بالردة، ثم يعيد الرأس إلى مكانها لتنصرف البغلة إلى حالها ويتمتع صاحبنا بهذه الخيرات. ـ بالمناسبة كتب أستاذنا خيري شلبي رواية بديعة من وحي هذه الخرافة قدم فيها تفسيرا مدهشا لظهورها في مجتمعاتنا التي ترتبط فيها الثروة المفاجئة بالجريمة، فتأتي مثل هذه الخرافة لتكون تفسيراً لذلك الثراء المفاجئ والمشبوه ـ.

تحدثت المجلة أيضا عن اعتقاد "العامة" بأنه في كل سنة تمر على الدنيا مدينة اسمها "إرم ذات العماد"، وهي مدينة لا يسكنها الإنسان إلا في المنام ويحلم بها في الليلة المحددة، وكأنه يعيش فيها وفي أسواقها ويستولي على ما شاء فإذا صحا من حلمه وجد كل ما اشتراه ماثلا تحت يديه. كما تحدثت المجلة عن الخرافات المرتبطة بليلة القدر وأشهرها طاقة القدر التي تنفتح من السماء في تلك الليلة لكي تنادي الموعودين، ومنها أيضا قصة الملاك العظيم الذي ينزل من السماء وهو لو التقم السماوات والأرض لكانت لقمة واحدة في فمه، كما تنزل ملائكة من خدم أهل الجنة ليطلعوا على المعاصي التي لا وجود لها في عالمهم ويشاهدوا أعمال الخير ويستمعون إلى أنين المذنبين وآلام العصاة، وأخيرا أشارت المجلة إلى قصة يسير ذكرها بين المصريين تقول إن كل من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه في إحدى الليالي العشر الأخيرة من رمضان فإن ذلك يعود إلى مصافحة جبريل عليه السلام له بعد أن نزل إلى الأرض في إحدى تلك الليالي.

إوعدنا يا رب.