رمضانات أحمد فؤاد نجم (3)

رمضانات أحمد فؤاد نجم (3)

21 ابريل 2021
+ الخط -

رمضان الأخير

طول عمري، كان نفسي ومُنى عيني إن حد يقولي يا باشمهندز أو حتى مجرد يا هندز، مش عارف ليه؟ ومش عارف ليه برضه أنا باقول الكلام ده دلوقتي!

شوف يا هندز! انت طبعا عارف أو مش عارف إني كنت باشتغل عند الانجليز أثناء ما كانوا بيحتلّوا بر مصر، وعلى رأي المثل: قالوا يا جحا إيه اللي رماك على المر، قال: اللي أمر منه. الدليل على كده إن التمانين ألف اللي كانوا بيشتغلوا حتى في معسكرات جيش الاحتلال، أول ما سمعوا صوت النحاس باشا بيعلن إلغاء معاهدة 1936، اندفعوا كالسيول في اتجاه القاهرة تاركين أعمالهم في المعسكرات ودون التفكير في العواقب، وكان هذا الموقف الرائع هو ورقة الضغط الوحيدة في إيد حكومة مصر التعبانة أثناء مفاوضات الجلاء مع الإنجليز، فاللي معاه كلمة يلمّها، واللي بيته بقزاز ما يحدِّفش طوب، واللي يحبنا ما يضربش نار في فرحنا، والعروسة حامل وإن الله حليم ستّار.

أنا فاكر كام رمضان فات على الجيش الإنجليزي، لكن اللي فاكره طشاش هو رمضان الأخير. كنا في معسكر فنارة الميناء اللي هو مخصص لإقامة أسر الطيارين فقط، يعني لوكاندة من ماركة الخمس نجوم، مجموعة فيلات وسط مجموعة حدائق دائمة الخضرة، ساكنيها نسوان الطيارين المُزَز، واحنا عاملين لينا عنبر بعيد عن العمار نخلّص أشغالنا، وبيتك بيتك نضرب في العنبر سواد الليل وهوفّ يطلع النهار.

سنتها طقِّت في دماغ الشيخ علي السُنِّي المكوجي إننا حتماً وضروري نبني مِصليّة جنب العنبر ولازم نفتتحها أول رمضان، وعيِّن نفسه إمام وأنا المؤذن ومأمون الصعيدي يكنس وينضّف ويقفل المصليّة بالقفل المسوجر، ويفتحها أوقات الصلاة فقط، وحسب التوقيت المحلي لمدينة القاهرة!

كنا نحن الأطفال نتجمع في كل ليلة من ليالي رمضان، ونذهب بربطة المعلم إلى الضريح الطاهر لنفوز بنفحات سيد الشهداء وإبداع سيد المنشدين

وفي حفل الافتتاح وعن حفل الافتتاح حدِّث ولا حرج، أولا ليلتها ما حدِّش نام انتظاراً لأول أذان فجر من مِصليّة الشيخ علي، وقعدوا يشجعوني، واختلف الشيخ علي مجموعة من القصص والمواقف اللي تعرض لها سيدنا بلال مؤذن الرسول على إيد الكفار، هو كان قاصد يشدّ من أزري، لكن اللي حصل عكس كده، أنا بدأت أتصور نفسي مِتكتِّف بالحبال وناس بتجرجرني على ضهري وناس بتضرب فيّه بالشلاليت، وأنا عمال أقول: أحَدٌ، أحَد.

الفكرة في حد ذاتها مش وحشة، إنما التنفيذ هو اللي صعب، أجيب منين أنا صحة لده كله؟ وفجأة صرخت في وش الشيخ علي: بس كفاية، ربنا ينتقم منك، انت بتقول الكلام ده ليه؟ هوّ أنا رايح أحارب؟ وضجّ الجميع بالضحك حتى الشيخ علي السُنّي انفرط في الضحك وبدأت التعليقات واشتغل علينا مأمون الصعيدي بالشاي الزردة لحد ما جه وقت السحور واتسحرنا، وانتقلنا إلى مصليّة الشيخ علي وسط سحابات كثيفة من البخور، فاستغليت الفرصة وانتحلت شخصية الشيخ مصطفى إسماعيل وقرأت عُشر قرآن وصلينا جميعاً ركعتين تحية المسجد ثم رفعت الأذان في موعده: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، في عقر دار المحتلين.

...

نجوم رمضان

وفي كل رمضان تتفجر ينابيع الفن والإبداع في مصر المحروسة فتعطي الحياة مذاقا خاصا ليس ككل الشهور، وأنا حين أستمع للأذان بصوت الشيخ عبد العظيم زاهر أتذكر رمضان، وحين أستمع إلى كتاب الله بصوت محمد رفعت أتذكر رمضان، وما زلت أذكر الضجة التي ثارت حول الشيخ مصطفى إسماعيل حين قرأ في أول رمضان له في قصر عابدين، حين كنا نسهر كل ليلة في السرادق الملكي، نشرب الخشاف وقمر الدين ونستمع إلى آي الذكر الحكيم وننتظر تشريف جلالة الملك ولكنه لا يشرّف.

كان الشيخ مصطفى إسماعيل شيئا جديدا بالنسبة لسمّيعة القرآن والمهتمين بالموسيقى ولقّبه بعض السميعة بـ "سيد درويش القرآن الكريم"، فكان من الطبيعي أن تستقبله عاصفة الرفض والتشكيك التي سبق وأن استقبلت فنان الشعب الخالد حين ظهوره، واجتمعت مشيخة المقارئ المصرية للتداول والتدارس حول اتخاذ قرار رادع ضد هذا الخطر الداهم على أرزاقهم ومعايشهم وأفتى بعضهم بأن المقرئ الشاب جاهل تماما بأصول القراءة والتجويد، ويجب منعه ولو بالقوة المسلحة، وطالب بعضهم بتقديمه إلى المحاكمة بتهمة تشويه كلام الله.

وعلى رأي الشيخ حسين المتيم بمصطفى إسماعيل: كان ناقص ولاد الرَفَضي يشتكوه في مجلس الأمن الدولي، ولكن القارئ الموهوب المثقف ثبّت أقدامه بالمزيد من الإبداع وفرض أسلوبه الفريد في القراءة فتربّع في قلوب عشاق المحاسن قبل أن يتربع على عرش القرآن، دون منازع ولمدة تزيد على ثلاثين عاما، رحمة الله عليه.

وكان سيد المنشدين الشيخ علي محمود يتألق في مسجد مولانا الحسين الشريف طوال ليالي رمضان، وكنا نحن الأطفال نتجمع في كل ليلة من ليالي رمضان، ونذهب بربطة المعلم إلى الضريح الطاهر لنفوز بنفحات سيد الشهداء وإبداع سيد المنشدين. كان الشيخ علي محمود هو معجزة الأداء في كل العصور، وما من مقرئ أو منشد أو مطرب كبير سمعه إلا وتأثر به، فكان أجمل ما في عبد الوهاب اعترافه الدائم والمعلن بفضل الشيخ علي محمود عليه وعلى غيره من كبار المطربين والموسيقيين في مصر المحروسة وسائر أقطار الوطن العربي الناطق بلغة القرآن.

ومن المبدعين الرمضانيين المطرب والملحن الراحل أحمد عبد القادر صاحب الأغنية الشهيرة "وحوي يا وحوي"، ثم عبقري الإسكندرية وفتاها النجيب محمود الشريف صاحب اللحن الخالد الذي يؤديه باقتدار المطرب الشعبي الكبير الراحل محمد عبد المطلب "رمضان جانا وفرحنا به وبقاله زمان"، وفي ذات رمضان في ضمن الرياضين قدم عمنا ومعلمنا العظيم بيرم التونسي ثلاثين فزورة في الإذاعة المصرية وكأنه كان يعطي إشارة الانطلاق وأمتعنا بفوازيره التليفزيونية الجميلة التي كانت تأخذ الناس من أعمالهم وهمومهم وربما من أنفسهم، كما كانت تفعل حفلات كوكب الشرق الشهرية في مصر المحروسة وجميع أقطار الوطن العربي الناطق بلغة المتنبي والبحتري أو أبو نواس في العشق والغزل.

وفي رمضان 1960 نزل على مصر الجريحة كالبلسم الشافي الصوت السماوي الساحر للمنشد العظيم الراحل الشيخ سيد النقشبندي رحمة الله عليه، وحين يستعد رمضان للرحيل تودعه مصر المحروسة بصوت الفنانة الكبيرة شريفة فاضل "تمّ البدر بدري والأيام بتجري والله لسه بدري يا شهر الصيام". كل رمضان ومصر المحروسة بخير.

...

نختم حكايات أحمد فؤاد نجم غداً بإذن الله.